تقارير

  تمر الساعات وتمضي الليالي وتنقضي السنون والإنسان في رحيل وسفر فكان لابد في سفره وانتقاله ان يمرّ بمحطّاتٍ تترك في نفسه انطباعات من الذكرى ويودّ لو يعود العمر به إليها.
وهكذا جبلت نفس الانسانية ان تفضّل على كثرة الرفقاء والأصدقاء رفيقاًَ اقرب إليها، فكذلك شهر رمضان فهو الصديق الذي تأنس النفس والذكرى التي يحن اليها ان تعود. فإنّ لهذا الشهر الكريم اثراً بالغاً ووقعاً عظيماً في نفوس الناس فترى بوادر محبته تسبق وصوله وتستبشر بقدومه.
اما عند الله (عز وجل) فكفاه شرفاً ان الله اختاره شهراً لنفسه فسمي (شهر الله) وتنبؤنا أحوال المجتمعات ان لكل مجتمع عادات وتقاليد تمثل إفرازات موروثها فكذلك مجتمعنا العراقي فانّ له عادات وتقاليد التي هي في الواقع من موروثه الاجتماعي (تراثه الأصيل) ولكن هذه المرّة فيما عرف عنه من تقاليد يمارسها في شهر رمضان المبارك .

 شهر رمضان (استهلال واستقبال)
 تستقبل الأمة الإسلامة شهر رمضان بتغطيات إعلامية مكثفة لإعلام الناس بحلوله رغبة في صيامه ونيل ثوابه. اما مظاهر استقباله لدى العائلة العراقية فيبدو ان لها اعداداً خاصاً لهذا الشهر فتهرع العائلة العراقية الى تجهيز ما تحتاجه من المواد الغذائية في هذا الشهر وإلى تنوعها والإكثار منها.


المائدة العراقية في شهر رمضان المبارك
 ربما تبدو مأدبة الافطار العراقية مأدبة تفتقر إلى أفخر أنواع الأطعمة (المسلفن) والأشربة وربما لا تتجاوز عدّة أصناف لكنها مأدبة تتناغم مع روحية العراقي الشفافة واصالته في الضيافة وبساطة معيشته التي لا تكلّف فيها ولا فخار ومع ذلك فهي مائدة تزخر بأنواع من الأكلات التي تصنعها الأيدي العراقية. وهي اصناف اعتادتها العائلة العراقية في ايامها الاعتيادية غير انّ فيها تنوعاً ونكهة خاصة تتناسب مع إطلاله الشهر الكريم. فمما تفضله من الأكلات : التمر واللبن، الشوربة ، تمن برياني، أنواع المرق ، الكبة بأصنافها، الكباب... وهناك إقبال متزايد على محال الحلويات في هذا الشهر إذ تفضل العراقية بعد الإفطار من الحلوى (اللزلابية ، البقلاوة، المبروم الداطلي)فضلاً عما تصنع العائلة داخل البيت من الكاستر والمحلّبي وحلاوة الشعرية.
 

 (أبو طبيلة) أبو الدمام
 هكذا يسمى في عرفنا الشعبي ويطلق عليه ايضاً (أبو السحور، المسحرجي وغالباً ما يكون شخص واحد أو شخصين. يقوم بمهمة إيقاظ الناس وتنبيههم الى وقت السحور، اذ يجوب الأزقة والشوارع في الثلث الأخير من الليل تقريباً يقرع اسماع الناس بصوت دمامه ويكون ذلك ابتداءً من الليلة الأولى من شهر رمضان حتى انقضائه. ويظهر مرة أخرى للناس ولكن في وضح النهار بدمامه الذي ألف الناس اصواته طوال شهر رمضان يقف على الدور ليعطى هدية رمزية (مبلغاً من المال) زهيداً.
 

 لعبة المحيبس
 وهي لعبة شعبية معروفة عند العراقيين، فبعد ان ينقضي وقت الإفطار ويستعيد المرء نشاطه تتجمهر مجاميع من شباب المحلة ليتبارون (يتسابقون) فيما بينهم في لعبة تسمى (المحيبس) حتى وقت متأخر من الليل وربما إلى وقت السحر. وفكرة هذه اللعبة تقوم على إخفاء خاتم (محبس)، بين عشرات الأشخاص ويقوم قائد المجموعة باختيار شخص من افراد مجموعته يخفي في أحدى يديه المحبس ويعرف بلغته اهل المحيبس (أبيّت المحيبس) فيتحدى قائد أو رئيس المجموعة الأخرى ـ وغالباً ما يعرف بخبرته وحدسه ـ باستخراج المحبس من يدٍ واحدة وتسمي بلغتهم (العظم) والا تستمر اللعبة حتى يستخرج المحبس المخفي.
 

 (ماجينة يا ماجينة)
 اعتاد الصبية والأطفال في المناطق الشعبية في الأيام الأولى من شهر رمضان ان يجتمعوا بعد الإفطار ويجوبون الأزقة ويطرقون الأبواب وفي إيديهم صفائح معدنية يضربون عليها لتحدث صوتاً ويرددون بصوت عالٍ . (ما جينه ، يا ماجينه، حلّي الجيس وانطينه) مثل الأنشودة التراثية المعروفة فما كان من الناس الا ان يتعاطفوا معهم ويعطونهم نقوداً.
 

 زيارة الأقارب والأصدقاء
 في شهر رمضان المبارك ولا سيما لياليه المباركة تتوطد أواصر ووشائج العلاقات الاجتماعية بين العوائل العراقية اذ تبادر العوائل بزيارة متكررة فيما بينها وتفقد بعضهم حال بعض ودعوة بعضهم إلى ضيافة بعض على مأدبه الأفطار، وكما هي حالة معروفة بين الأقارب فهي مألوفة بين الأصدقاء والجيران ضمن المحلة الواحدة او المنطقة الواحدة (الحي) او المدينة الواحدة.

 إقامة مجلس الوعظ والإرشاد
 لمجالس الوعظ والإرشاد حضور بالغ ومشهود في ليالي شهر رمضان ولا سيما في مجتمع عشائري يحترم القيم الدينية مثل المجتمع العراقي. حيث يستثمر اهل الوعظ والإرشاد (طلبة العلوم الدينية من المبلغين والمرشدين) الأجواء الروحانية لشهر الله الكريم لما فيه من توجه ايماني عند الناس بأسر النفوس وتنقاد إليه القلوب فيقيمون مجالس الوعظ والإرشاد والعزاء (المجالس الحسينية) إذ يتوجه كثير من الناس الى حضور المساجد والحسينيات للاستماع الى كلمة طيبة وموعظة حسنة وما يتعلق بفضائل شهر رمضان وعظيم شأنه عند الله وفضل الصائم فيه على سواه من الأشهر. شهر : أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقٌ من النار.
 

 يوم الجرح ويوم الاستشهاد وليلة القدر
 على الرغم من ان ليالي وايام شهر رمضان أكثر الليالي والأيام شهرة وكثرة بمناسباتها الدينية ووقائعها التاريخية الا ان هناك ليالياً واياماً لها من هذا الشهر الكريم حضور خاص في نفوس العراقيين من اتباع اهل البيت كليلة التاسع عشر وليلة الواحد والعشرين ، وليلة الثالث والعشرين. اما ليلة التاسع عشر ففيها احياء للذكرى الأليمة التي تتجدد فيها احزان آل البيت (ع) وأتباعهم إذ توافق تلك الليلة التي ضرب فيها مولى المتقين أمير المؤمنين (ع)  بسيف ابن ملجم المرادي (لعنة الله عليه) ويسمى عند الناس بيوم الجرح وفي اللغة الدارجة عند العشاء بـ (المشتهاية)، وفيها تصنع النساء طعاماً خاصاً كأن يكون (تمن ماش) مع لبن خاثر. وفي هذه الليلة العظيمة تقام مجالس العزاء في معظم أنحاء البلاد إذ يحضر خلق كثير الى هذه المجالس ليستمعوا إلى قصته استشهاد أمير المؤمنين (ع)  والناس بين لاطم وباكاسفاً على مولى المتقين (ع)  ونستمر هذه المجالس حتى يوم الواحد والعشرين
 

 ليلة الواحد والعشرين
 وفيها ذكرى الاستشهاد، بل لا تقل اهمية عند الناس عن ليلة القدر إذ تقصد الملايين من أتباع أهل البيت (ع)  النجف الاشرف لزيارة مرقد أمير المؤمنين، إذ تفد عليه قلوب محبيه وتقضي الليل عنده بالزيارة والتضرع والدعاء والصلاة حتى السحر ليلة الثالث والعشرين. وهي الليلة التي أكدتها روايات أهل البيت (ع)  بأنها ليلة القدر فيها وهي ليلة عظيمة تقضيها الناس بالصلاة والدعاء وكثير من المستحبات حتى مطلع الفجر.
 

 شهر رمضان تحت وابل الإرهاب
 في الوقت الذي يستقبل به العالم الإسلامي شهر رمضان بكل أمن وأمان يستقبله العراقيون بين أنين الجراح وصراخ الدم المستباح وقرابين كُتب لها أن تذبح في موطنها من غير ذنبٍ ولا جريرة سوى أنهم أرادوا العيش بسلام في أرض الأنبياء والأولياء. لم ينفك الإرهابيون ان يفوتوا يوماً الا وقد استنزفوا الدم العراقي وانتهكوا حرمة شهر الله، ولا يتورعون أن يعودوا اليوم بقسوة وضراوة لحصد الأرواح. أما العراقيون وهم في وسط لهيب الإرهاب فذلك الحال لم يثنهم أن يبادروا الى إحياء شهر الله بالصيام والدعاء وإحياء الشعائر الأخرى فيه، ويكفيك أنهم في مرصد الموت وهم صائمون، ولا يدري احدهم اذا خرج هل يعود ليشارك أهله الإفطار ويجدد العهد مع الله في صيام غير جديد؟!
صحيح ان الأمن مفقود وما عادت أيام الناس كسابق عهدها إلاّ أن تهديدات أعداء الله لا تثني عزيمة العراقيين ولو ظن هؤلاء أنهم اضعفوا الهمة والعزم وقتلوا العقيدة لأضعفوها من قبل لما زحف أتباع أهل البيت لزيارة سيد الشهداء (ع)  في الزيارة الشعبانية وقبلها زيارة كاظم الغيظ الرجبية. الهي قلوب عبادك اليوم بين الخوف والرجاء فانظرهم بعينك وأحفظهم بحصنك بحق من لهم حق عليك