مقالات .......................................................................................................................................
بقلم: سندس الخاقاني
هكذا ناجينا العراق
رسالة إلى صديقة تقيم خارج العراق..
رسالتي
هذه تختلف عنها في كل مرة.. لن أكتب لك عن صحتي وأحوالي ولن أشغل رأسك بيومياتي
وثرثرات النساء.. أريد أن أحدثك عن يوم واحد عشناه جميعاً ربما لن يتكرر واذا تكرر
فلن يكون أبداً مثله في أول مرة.. ربما فهمت عما أقصد فهذا لا يخفى على ذكاءك.. لقد
أخبرتك إنني التحقت باللجان الشعبية للانتخابات.. الكثير حذروني خوفاً مما قد يحدث
ولا أخفيك سراً انني ربما غامرني الخوف في بعض الأحيان، لكنني لم أكن لأستطيع
التراجع.. لا خوفاً من الموت، فنحن نواجه الموت في كل مكان في البيوت والساحات
والمساجد والكنائس والمدارس والدوائر والشوارع وفي الأعراس والمآتم، إضافة إلى انه
اذا تراجعت تراجع غيري، فسيكون ذلك بمثابة اعلان لانتصار الظلام.
وهكذا قررت ان أواصل مشواري ووصلت المركز الانتخابي في السابعة إلا عشر دقائق
صباحاً، كانت الشمس لم تكشف بعد عن وجهها.. وتعرفت إلى محطتي والموظفين الآخرين ولم
يكد المدير يرشدنا إلى أماكن وكيفية عملنا حتى جاء مدير أمن المركز ليعلن للمدير عن
وصول الناخبين وأبتسم الأخير قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم،أهلا وسهلاً فليتفضلوا
أول الغيث خمسة ثم انتخب رجال الشرطة واحداً واحداً ثم انتخبنا نحن والمدير.. لقد
كنت أظن اننا سنكون أول الناخبين، ولكن لا فرق يبدو انه عيد فعلاً وان الجميع
يتسابق للسلام على الكبير (العراق).. كلنا كان يختلي بكابينة الاقتراع وكأنه يناجي
العراق، أحد الرجال جاء به ابنه على كرسي متحرك وكانت هذه الحالات تهز مشاعر المدير
فلا ينقطع ترحيبه الحار مما يفجر أريحية المقابل، فكنت تسمعين عبارات عراقية أصيلة
وحبيبة مؤدبة مثل (تفضل أغاتي)، (على راسي عيوني)، (تفضلوا بخدمتكم)، (خادم ربك)..
لا أستطيع ان احصي الكراسي المتحركة التي دخلت المحطة، لكن يكفي ان أقول لك ان
القلوب المتحركة المتوهجة بالطيبة والحب كانت أكثر والدعوات الخالصة الناطقة
بالمودة كانت أبلغ من كل الكلام.
خلال تقديمها للمستمسكات صرحت احدى النساء ان المركز الانتخابي يبعد عن بيتها
2.5كم؛ ولذا جاءت مشياً، فقال لها الموظف: لابد انك تعبت، فقالت: تعب العراق راحة..
لعيون العراق نأتي زحفاً والله.. ألمن نريد الحيل والقوة.
البهجة كانت مرتسمة على كل الوجوه رغم الخوف من المجهول والشرير والظلامي كنت
مسؤولة عن صندوق الاقتراع ارشدهم إلى طريقة وضع الورقة الانتخابية وأطلب منهم تحبير
سباباتهم.. الجميع بعد ان يضع الورقة كان يسألني هذا كل شيء؟ أقول لكل منهم: هذا كل
شيء... صوتك مستقبل.
أحدهم رفض أن أساعده في إدخال الورقة وأعتذر قائلاً: عفواً إنها حسرة بقلبي أن أضع
أنا بيدي ورقة الحرية داخل الصندوق.. أحد كبار السن قال لي: الكثيرون كانوا يظنون
انهم سيبصمون على ورقة الاقتراع بعد ان يحبروا أصابعهم.. أحدهم قال لي: انه ليس
حبراً.. هذا دم أعداءنا الذي احترق.. أحد الشباب على السبابات المحناة قائلاً: فيها
إيحاءات كثيرة بالسبابة تشير إلى مستقبلك وبالسبابة تفقأ عيون أعداءك وبالنسبة لي
اعتقد ان سباباتنا التي تحول لون أطرافها إلى لون الحناء ستفجر قرائح كثير من
الشعراء وسنسمع الكثير من الشعر عنها.
الكثير من النساء دخلت تزغرد وأخذنا نصيبنا من الحلوى والأهازيج المصاحبة للزغاريد
كثيرة.. كانت زغرودة إحدى النساء قوية جذبت أحد رجال الحرس الوطني وعندما صارت تهزج
(كل الشعب راح أنتخب على عناد كل حاقد) صار يرقص على إيقاعها احدى العجائز تهالكت
على أحد الكراسي ما ان دخلت المحطة فهرع اليها المدير يقول: أتعبناك حجية؟ فقامت
تقول له: ماكو تعب إن شاء الله وأخذت تهزج (الله ومحمد وعلي والحسين ويانه.
أحد الأطفال كان يهمس في أذن أبيه وأبوه يرفض وعرفت ماذا يريد الطفل فقربت علبة
الحبر إليه وقلت له: حبّر إصبعك.. أنت عراقي.
أحدهم اعتذر عن زوجته لأنها ولدت قبل يوم واحد وأراد أن يصوت بدلاً عنها فقوبل
بالرفض فعلّق مازحاً، لو كنت أعلم ان ولادتها ستمنعها من التصويت لمنعتها من أن تلد
وأخرى اعتذرت عن والدها العائد من الحج مريضاً ومرهقاً فلم يستطع الإدلاء بصوته.
مسؤول التعريف أخذ يراقب أحد الأشخاص وهو ينتخب بذهول حتى خرج فعلق الموظف سقط
الطغاة وبقيت يا وطني.. سألته: ما الأمر؟ أجاب: هذا أحد البعثيين السابقين.. ربما
كان يظن ان الامر مثلما كان سابقاً يذهب أحد الأفراد بالنيابة عن العائلة المهم أن
يكتب نعم.
مع الظهر جاء التبليغ إلى أفراد الشرطة ومسؤول التفتيش بعدم إدخال المنغوليين لأنه
تم تفجير طفل منغولي في المنصور.. قلنا ربما كانت إشاعة هل تصل بهم الجسارة على
الله إلى هذا الحد؟
كانت أحدى النساء تلهث وجلست على احد الكراسي لتلتقط أنفاسها بعد ان استلمت أوراق
الاقتراع وعندما طال جلوسها وبعد ان صرحت انها لا تعرف كيف تنتخب وانها جاءت كي لا
يضيع صوتها سألناها: من الذي تريدين ان تنتخبيه؟ كيف هي الحكومة التي تريدينها؟
أجابت وكأنها في لقاء تلفزيوني وبنفس أمومي جميل: يمه انا اريد حكومة وطنية قوية
رحيمة بالشعب حكومة تحمي نفسها وتحمينا ولا تعتدي على الغير.
كان مدير المحطة وهو مدرس ضليع باللغة الإنكليزية، وهو يرى هذا الدفق البشري
منبهراً من هذه الحماسة التي أيدها الكبير والصغير والرجل والمرأة والمتعلم والجاهل
والقادر والعاجز على حدٍ سواء كان يردد:
Your voice is a future..
أخيراً أود أن
أعلمكِ أمراً ما.. لو كان بيدي لكتبت على جميع المراكز الانتخابية قول علي (عليه
السلام) الذي يرفض الذل أبداً: الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين.