تحقيقات ..................................................................................................................................

     بين دعوات  الاجتتثاث وأخرى للمصالحة

    البعثيون لا زالوا يسفكون الدماء على الطرقات

 

   قبل أن يصلوا إلى
  السلطة وبعد أن
  وصلوا إليها وهاهم
  بعيداً عنها
  يمارسون ما اعتادوا
  عليه من قتل
  للأبرياء لا لشيء
  إلا لأنهم أدمنوا
  رؤية الدم النازف
  وأنهم بلا هذا
  الرعب المجاني في
  الشوارع نسياً
   منسيا 

 

  البعث الفكرة والنشوء -- الهدف والنهاية --
   في نهاية الاربعينات من القرن المنصرم وبعد ان وضعت الحرب العالمية أوزارها شهدت المنطقة العربية العديد من التحولات السياسية بسبب ما افضت اليه تلك الحرب من ظهور قوى عظمى على الساحة الدولية وانحسار اخرى ورافق تلك التحولات الدولية ظهور العديد من الحركات السياسية في الوطن العربي ، وهذه الحركات بدورها لم تكن جميعها نابعة من إرادة الشعب ومعبرة عن طموحاته وتطلعاته ، بل كان كثيراً منها تسيّرها ايدٍ خفية فضلت اللعب من وراء الكواليس تجنباً لما يسببه الظهور العلني في منطقة تقع تحت هيمنة دول تُعد من كبريات الدول العظمى ، وفي تلك الاجواء وفي سوريا تحديداً حيث كانت الهيمنة للفرنسيين نشأ حزب البعث والذي خرج ظاهراً على انه من بنات افكار مؤسسه النصراني ميشيل عفلق الذي اقل ما عليه ان يحمل اسماً فرنسياً ويدين بالنصرانية ويحمل شعاراً اسلامياً (امة عربية ... ذات رسالة خالدة ولا تتناول معنى الرسالة بما لم يتأوله عفلق نفسه الذي ادعى الاسلام في نهاية عمره ليتلائم مع اهدافه) ونحن هنا لا نشير بأصبع الاتهام لفرنسا بانها هي وراء انشاءه ( على الرغم من انه كان يشكل حلاً يمكن ان تستبدل به شكل الهيمنة التي كانت لها على سوريا في وقت بدأت به شعوب المنطقة تلتمس طريقها نحو الحرية والاستقلال) ، بل نريد ان نقول ان في اصل تشكيل هذا الحزب لوثة وفي ولائه شك وعلامات استفهام كبيرة ، عموماً تشكل هذا الحزب واستطاع ان يصل الى السلطة بسرعة كبيرة وسط عدد كبير من الاحزاب كان يحضى بعضها بدعم خارجي واضح كالحزب الشيوعي مثلاً وفي طريق وصوله الى السلطة مارس هذا الحزب الكثير من العمليات الدموية البشعة ، لكنه وبعد ان وصل الطاغية صدام ازدادت تلك العمليات في عددها ، وسعة من تطاله من ابناء الشعب ، وعمد هذا الطاغية الى تسخير البعثيين وتجنيدهم خدمة لاستمراره في فرض هذا النظام برغم ارادة الشعب وقد اقحم العراق في حربين ظالمتين حصدت آلافاً من الارواح البريئة ، وتركت العراقيين يعانون من جراء هذه الحروب معاناة اجتماعية واقتصادية ولم ينزل اخيراً عند رغبات بعض الدول التي دعته لأن يتخلى عن السلطة ويجنب الشعب العراقي ويلاتها لتكون بعد ذلك الحرب الثالثة التي يخوضها.
وفي التاسع من نيسان عام 2003م اعلن عن سقوط النظام الاستبدادي في العراق بعد ان تبخرت قياداته

ورجال امنه من معقلها في بغداد ، وقطعاً فان قرار استسلام باقي معاقل النظام في تكريت والموصل والانبار قد اتخذ من نفس ذلك اليوم ايضاً ولم يذق طعم الحرب والدمار وآلات الموت ومخلفاتها إلا الجنوب الذي اعتاد ان يكون كذلك ، ولعل تلك المعاقل ارادت باستسلامها ان تكون اليد التي تصافح بعد ان كانت يد الآخرين تحمل السلاح ظناً منها ان مشروع اليوم هو نفسه مشروع البريطانيين والعثمانيين قبلهم ، لكن حين أدركت تلك المسوخ ان هناك خطوطاً عريضة لا يمكن للامريكان الخروج عنها كحق الشعب في الديمقراطية المزعومة عندها اطلق البعثيون اللحى وحملوا المسابح ولبسوا ثوباً اسموه المقاومة .

 

 دعاة المصالحة ومآرب أخرى :

 بدءً لابد من الاشارة الى ان معنى المصالحة لا يتصور بين طرفين تسودهما علاقة طيبة او حتى عادية كما هو حال العراقيين بشكل عام وانما يتصور بين طرفين يعيشان حالة من الخصام وعدم التوافق ان لم نقل الاقتتال في الغالب وهو بهذا المعنى لا ينطبق إلا على طرفين يعيشان تلك الحالة وهما الشعب العراقي من جهة والارهابيين من البعثيين ومن يقف وراءهم ممن ينظر لعدم شرعية كل الفعاليات السياسية في ظل الهيمنة الاجنبية من جهة أخرى.
نعود بعد هذه المقدمة فنقول ان اول دعوات المصالحة مع رموز هذا الحزب الشمولي ورموزه كانت عبارة عن برامج اعلامية ضخمة الامكانات أدارتها عدة جهات داخلية وخارجية لتهيئة الشارع العراقي على تقبل هذه الفكرة مصورة ان في هذه العملية نهاية للعنف الذي يعيشه الشارع العراقي في محاولة بائسة لاستمالة الشعب وقد دعت بعض المسوخ وبما عهد عن البعثيين من وقاحة الى السماح للبعثيين بالمشاركة في الحياة السياسية ، ثم جاءت بعد ذلك المبادرة الكردية بعقد مؤتمر كوردستان العراق الذي خصص لهذا الغرض ليأتي بعد ذلك البعثي المنشق الدكتور علاوي ويقدم مبادرته التي تزامنت مع دعوة الرئيس المؤقت الياور على ان مبادرة علاوي كانت محاولة منه لتصحيح الوضع القانوني لما اتخذه من اجراءات فردية باعادة كبار البعثيين ومنحهم كامل الامتيازات وكان من الطبيعي ان تحضى جميع هذه الدعوات بالدعم العربي سواء بشكله الفردي او بشكل جماعي ممثلاً بالجامعة العربية والتي دعا امينها العام عمرو موسى الى المصالحة ، واذا لم يكن مستغرباً صدور مثل هذه الدعوات من الانظمة العربية وجامعتهم ومن علاوي فان الغريب هو الدعوة الكردية والتي حين نضعها في ميزان النقد لا نرى إلا أنها عملية تخلي عن حقوق ملايين المظلومين ولا يمكن ان نرى في هذه الدعوة سوى ان الاكراد أرادوا بذلك أن ينأوا بأنفسهم عن قتال البعثيين الارهابيين ويخرجوا من دائرة الاستهداف البعثي وهم يعلمون علم اليقين ان احداً من البعثيين لن يطأ بقدمه أرض كوردستان التي غادرها منذ 12 عاماً حتى بعد المصالحة ولن تتعدَ هذه المصالحة سوى إعلان كردي من شأنه ان يحمل للاكراد المزيد من الامن وحتى المزيد من الأصوات في عراق ديمقراطي يكون لاستقطاب الأصوات فيه تأثيرا على القرار السياسي . اما بالنسبة لدعوة علاوي فهي اكثر وضوحاً وصراحة في ان المصالحة المطلوبة هي بين البعثيين (الذين ما زالوا يسفكون دماء العراقيين ويديرون العمليات الارهابية وبين الشعب العراقي او قل بين رموز النظام السابق والنظام الجديد).
وقد ركز علاوي على طرح مسألة المصالحة مع البعثيين في برنامجه الانتخابي في استمالة واضحة لأصوات البعثيين تاركاً مسألة تحديد المستثنون من البعثيين (من تلطخت ايديهم بدماء العراقيين) للقضاء العراقي الذي قد لا يستطيع ان يثبت تهمة واحدة ضد صدام نفسه وقد كشف قيادي في حزب البعث عن مفاوضات قد جرت فعلاً بين حكومة علاوي والقيادات البعثية في محاولة لإشراك البعثيين في العملية السياسية ، وبعد الانتخابات كرر علاوي مرة أخرى دعوته للمصالحة بالرغم من انه وبحكم الصلاحيات الممنوحة له كان قد باشر فعلاً وأعاد البعثيين عملياً الى دائرة التأثير في صنع القرار العراقي.

الاجتثثاث رغبة جماهيرية وقرار مغيب :
بالرغم من قانون الاجتثاث لا يذهب الى ابعد من اقصاء البعثيين بدرجة عضو فرقة فما فوق من مناصبهم مع منحهم كامل الحقوق التقاعدية وغيرها في محاولة لتطهير دوائر ومؤسسات الدولة من الفكر البعثي التسلطي الذي لا يفهم إلا محو وسحق الآخر إلا ان عمل اللجنة التي شكلت لهذا الغرض قد واجه عقبات كبيرة على ما يبدو ولعل ابرز

ما يؤخذ عليها عجزها عن تفعيل قانون رسمي قد صدر فعلاً يقضي باجتثاث البعثيين مما يعكس النفوذ البعثي القوي الذي ما زال يهيمن على دوائر ومؤسسات الدولة ودائرة القرار السياسي وقد كان قرار بريمر بالتراجع عن دعم قانون الاجتثاث قد ساهم كثيراً في تزايد النفوذ البعثي وكذلك تصدي حكومة علاوي لإدارة البلاد وفرضها رؤيتها الخاصة على الساحة العراقية وبدل ان يفعل الاجتثاث كرغبة جماهيرية اعيد البعثيون تدريجاً للامساك بزمام الامور في البلاد شيئاً فشيئاً وقد ضمر دور لجنة اجتثاث البعثيين كثيراً وغيبت حكومة علاوي اصوات كل الداعين الى تفعيل هذا العمل الوطني.