تحقيقات ...
 
 

 بعــد انتهاء الحرب التي شنها صدام في عام 1991 فرض على الشعب العراقي حصار اقتصادي كعقوبة للعراق فأصبح هذا الشعب في عوز اقتصادي فرضته عليه تصرفات النظام البائد وقد تسبب ذلك العوز بتدنٍ ملموس في المستوى المعاشي للفرد العراقي وكان على الفرد العراقي أن يبرمج حياته في ظل الظرف الاقتصادي الجديد فجاءت فكرة الحصـة التموينية كحل وقتي للازمة التي يعاني منها الشعب فكان لزاماً على الفرد العراقي أن يتبع مبدأ الاكتفاء الذاتي وإمساك اليد عن كثير من الأمور والحاجات التي كانت لا يُستغنـى عنها حتى أن المائدة العراقية التي كانت مليئة بالأطعمة أصبحت خالية من كثير من المواد الغذائية وكان همّ الناس أن يوفـروا قوتهم اليومي بل وصل الحال بكثير من العوائل العراقية إلى عدم امتلاك القوت الكامل ليومها وكانت تعاني من نقص في الوجبات الغذائية الرئيسة وهكذا تداري معاشها وتدّخر ما تبقيه من غـذاء اليوم الماضي والحوادث في ذلك كثيرة والحديث عن مأساة العائلة العراقية أفجـع للنفس لذلك أصبحت الحصة التموينية تمثل القوت الرئيسي إن لم نقل القوت الوحيد لكثير من العوائل التي تداري معاشـها بالحصـة التموينية أطول فترة ممكنة من الشهر حتى يقرب الى نهايته ويتجدد أمل الناس بوصول الحصة التموينية للشهر الجديد

 

  وهكذا أصبح قوت الناس ومعاشهم الى حد كبير مرتهناً بالحصة التموينية فما كان من النظام البائد الا أن يضرب على الوتر الحساس الذي يقصم الظهر فكانت وزارة التجارة في عهد النظام المقبور تعلن بين حين وآخر عن نقصان في مواد الحصة التموينية وكان النظام يهدد بالبطاقة التموينية إذا ما هرب أحد أفراد العائلة من الخدمة العسكرية أو قام بعمل لا يرضي النظام، واليوم وبعد سقوط الصنم تجددت الآمال في قلوب العراقيين ولازالت معاناة الشعب تجاه الحصة التموينية قائمة وبصورتها المتذبذبة وخصوصاً خلال هذه الأشهر الأخيرة.
المواطن والحصة
 بعد استطلاع آراء المواطنين حول التذبذب في الحصة التموينية والآثار المترتبة كانت آراءهم حول التذبذب كما يلي:
حيث ذهب معظمهم الى ان السبب هو سرقة المواد كما قال البعض الآخر أنها لعبة تجار وقال قسم آخر ان العلة ليست في الكمية وإنما في النوعية أيضاً أما الآثار فبالنسبة لمن عنده أطفال اضطر أن يشتري الحليب بثمن باهض وهناك بعض المواطنين كانوا يبيعون جزءاً من الحصة التموينية لينتفعوا بالمبلغ.
وكلاء الغذائية

 لم نكتفِ باستكشاف آراء المواطنين بل ذهبنا أيضاً الى الوكلاء وكان رأي البعض منهم ان السبب هو السرقة وعدم توفر الأمان والآخر ذهب الى وجود تلاعب بالمخازن أما الآثار المترتبة فهي كما يلي: تبديل بعض المواد خصوصاً في شهر رمضان حيث قام قسم من تجار جميلة باستبدال العدس والتلاعب بالتوزيع استغلالاً للموقف بحجة أن الحصة التموينية لم تأتِ كاملة والصعود بأسعار المواد كالسكر والطحين مثلاً.

مع مدير الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية
بعد هذا حاولنا ان نعرف ما هو رأي
وكلاء الغذائية ، التقيت الجهات المسؤولة لمعرفة سبب تذبذب التوزيع في الحصة التموينية وأحد هؤلاء المسؤولين هو المهندس نزار خضر مدير الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية .
(النجف الأشرف) : في البداية نريد أن نتعرف على عمل شركتكم.
(مدير الشركة) : العمل الأساسي لشركتنا تحدد منذ بدأ الحصار في الحصة التموينية وقبل ذلك كانت الشركة تتعامل بمواد عديدة غير الحصة التموينية، ونحن نتعاون مع الشركة الأخرى في وزارة التجارة وهي الشركة العامة لتجارة الحبوب حيث تقوم باستيراد الحنطة والرز ونحن نستورد بقية المواد لان هذه المواد ليس لها إنتاج محلي ماعدا الرز والحنطة والتي لها إنتاج بسيط، لذلك نتجه الى الخارج لسد احتياج الداخل.
(النجف الأشــــــــــــرف) : بما أنكم تستوردون الحصة التموينية فنحن نرى أن هناك تذبذباً في توزيع الحصة التموينية.
(مدير الشركة) : بداية المشكلة تعود الى تكوين برنامج الغذاء العالمي لإدارة برنامج النفط مقابل الغذاء بعد سقوط النظام مباشرة وهذا البرنامج تابع الى الأمم المتحدة أومنظمة الأغذية العالمية (WFP )، وقد عملوا على مبدأ أن الظرف تغير في العراق لذلك لم يعد هناك حاجة للخزين في العهد الجديد ولكن خلال التنفيذ حصلت صعوبات كثيرة أدت الى عدم تنفيذ البرنامج بشكل دقيق لأن الظروف الأمنية لايمكن التنبأ بها ومدى تأثيرها على نقل المواد وبالتالي ظهر خلل واضح في الحسابات التي وضعتها ( WFP ) وبين واقع الفعل.
فجئنا بعد انتقال السيادة في 3 / 5 / 2004 واستلمنا الوزارة فوجدنا منظمة الأغذية العالمية (WFP) انها لم تضع الخزين في برنامجها فقمنا بمراحل العملية الاستيرادية من أولها لغاية توزيعها الى المواطن، ورغم صعوبة المراحل الا أننا قمنا بها وكانت كما يلي:
1. نعلن على الانترنيت فتأتينا مئات العروض على كل فقرة فنجري عليها دراسات وهذا يأخذ وقتاً في التعاقد.
2. قبل التعاقد فإن الشركة ليس لها صلاحية في اتخاذ القرارات وإنما القرار يصدر من خلال لجنة مركزية في وزارة التجارة يترأسها السيد الوزير والأعضاء المدراء العامون, وبعد عدة جلسات من المناقشات يصدر القرار ويجري التعاقد .

(النجف الأشرف) : ماهي إجراءات التعاقد ؟
(مدير الشركة) : هنالك إجراءات مصرفية لفتح الاعتماد وقد وضِع نظام جديد فرض علينا ويجب أن نعمل به وهذا يأخذ فترة زمنية طويلة.
(النجف الأشــــــــــــرف) : من الذي فرض النظام الجديد عليكم؟
(مدير الشركة) : سابقاً كانت وزارة التجارة تكتب الى البنك المركزي العراقي فيُفتح الاعتماد , أما الآن فإن وزارة التجارة تكتب الى وزارة المالية حيث هناك تخصيص مالي مقداره (000 000 000 4 ) أربع مليارات دولار للبطاقة التموينية سنوياً لكن مع ذلك نكتب الى المالية لأن المبلغ ليس تحت يد الوزارة وإنما في صندوق يدعى (DFI ) في نيويورك حيث تذهب إيرادات مبيعات النفط الى هذا الصندوق. على أي حال نحن نكتب الى المالية فإذا كانت هناك سيولة نقدية يموّلون المبلغ الذي نحتاجه الى البنك المركزي العراقي , وإذا لم يكن هناك سيولة يقولون : انتظروا ، ونبقى ننتظر لحين توفر المبلغ ، فمنذ 17 / 1 / 2005 ولغاية اليوم 12 / 5 / 2005 لم نستلم أية مبالغ , أما هذه المواد فهي بقايا عقود عام 2004، (لذلك فأن موقفنا اليوم حرج جداً). بعد أن تحول المالية المبلغ الى البنك المركزي العراقي يمر هذا المبلغ بمراحل عديدة للحصول على المواد, وهي كما يلي:
1. بعد تسليم المبلغ الى البنك المركزي العراقي بدوره يحول المبلغ الى العملة الصعبة ثم ينقلها الى بنك يدعى (المصرف العراقي للتجارة DPI ).
2. ( المصرف العراقي للتجارة DPI ) يأخذ المبلغ مع العقود ويملأ مسودة الإعتمادات التي تُفتح بموجب المعلومات الموجودة في العقود ثم ترفع الى مصرف في لندن يدعى ( JP- MORGIN ) وهذا بدوره يدققها ويرفعها الى مصرف يتعامل مع العراق.
3. أخيراً يتحول المبلغ الى بنك مراسل المجهز ثم يبلغ المجهز لبدأ بالعمل وهذا أيضاً يتطلب وقتاً طويلاً جداً.
(النجف الأشرف) : وهل هذه الصيغة تتبع شهرياً ؟
(مدير الشركة) : هذه الآلية تجري مع كل عقد ونحن لدينا مئات العقود وتأخير التسديد قد يؤدي الى تغيير في السعر أي طلب سعر جديد.
(النجف الأشرف) : هل هناك مشاكل بعد التجهيز في نقل المواد الى العراق؟
(مدير الشركة) : هناك مشاكل فنية وأمنية ففي ميناء العقبة قام بعض السواق باضطرابات وفي ميناء طرطوس تعرقل النقل بسبب الأنواء الجوية كذلك تأخير السيارات على الحدود في الأردن وسوريا. فالحدود مشكلة كبيرة فمن تركيا تأتي البقوليات رغم أن المنفذ صغير لا يستوعب السيارات الوافدة بالإضافة الى خطف السواق الأجانب حيث أن له أثراً كبيراً في عرقلة النقل فالسواق الأتراك يوصلون البضاعة الى دهوك لأنهم قد رفضوا الدخول وهذا بالتالي يتطلب منا توفير سيارات للنقل وبأعداد كبيرة وهناك مشكلة أخرى وهي ظهور عصابات تسرق سيارات التموين وتنقلها الى السوق وقد أعطينا شهداء من سواقٍ ومدراءٍ على حد سواء.
(النجف الأشــرف) : ماهو دور وزارة الداخلية في حفظ وتأمين سلامة وصول المواد التموينية ؟
(مدير الشركة) : توجهنا الى القوات متعددة الجنسية ووزارتي الدفاع والداخلية ولم تُأَمَّن الحماية اللازمة باعتبار ان العملية مستمرة فأنشأنا حماية ذاتية حيث جمعنا مجموعة من الشباب الحريصين على تموين الشعب مع تزويدهم بالأسلحة وإسنادهم مادياً ومعنوياً, وقد أثبتوا جدارة عالية وكان لهم دورٌ مهمٌ في القبض على (28) إرهابياً، وفي غرب بغداد لاذت عصابة بالفرار , فنحن بذلنا جهداً وسنبقى على ذلك من أجل أن تصل الحصة كاملة في الأشهر القادمة وعند تحسّن وضع المخازن سنقوم بتجهيز المواد القديمة التي لم تُسَلَّم .
(النجف الأشـــــرف) : إذا ما استمرت المشكلة المالية والأمنية, كيف ستوفرون المواد التموينية ؟
(مدير الشركة) : التقينا بالدول المجاورة لحل مسألة عدم تأخير السيارات وذلك عن طريق جهاز فحص بدل التفتيش لكسب الوقت وقد هيأنا مجموعة لحماية المواد في الداخل أما المشكلة المالية فالمساعي موجودة ووزارة المالية وعدتنا خيراً .
(النجف الأشـــــــرف) : يدور حديث بين المواطنين حول تعويضهم بمبلغ من المال كبديل للبطاقة التموينية ؟
(مدير الشركة) : هذه إحدى الأفكار التي طرحت ضمن دراسات بعد سقوط النظام باعتبار أننا نعمل على نظام السوق الحرة والتجارة الحرة والسوق مفتوح أمام الجميع وبالحقيقة دعت بعض الجهات الى تسليم المبالغ الى المواطنين كبديل عن الحصة التموينية , لكن هناك ثمة مشكلة في توفير المبالغ خصوصاً ودُفُعات الحصة لم تتوفر هذا بالإضافة الى عدم ضمان استقرار السوق فقد يدفع ذلك بالضرر للمواطن كما انه لا يوجد نظام مصرفي لإيصال المبالغ .
(النجف الأشــــــرف) : هل هناك لجنة من وزارة التجارة تقوم بمتابعة المواد المسروقة ؟
(مدير الشركة) : هناك جهات رقابة تابعة لوزارة التجارة وأخرى لشركتنا والمشكلة بصراحة في النقليات الأهلية ,فعند ذهاب السائق الى الدولة الأخرى يذهب بهيئة معينة كأن يكون حليق اللحية مثلاً وعند عودته يأتي بهيئة أخرى وجواز سفر آخر ويدفع المواد الى جهة أخرى .
(النجف الأشــــــــــــرف) : سؤالنا الأخير، حول سفرتك الأخيرة وماهي ثمارها ؟ الغرض من السفرة الأخيرة هو تأمين كميات من الطحين من الدول المجاورة حيث صدر أمرٌ من رئاسة الوزراء بتكوين لجان مشتركة تتألف من وكيل وزارة ومستشار في رئاسة الوزراء ومدير عام من وزارة التجارة وكذلك مدير من وزارة المالية ومن ديوان الرقابة المالية وفنيين في المختبرات من الشركة العامة لتجارة الحبوب والشركة العامة لتصنيع الحبوب والحمد لله قد وُفقنا في تأمين كميات خزين من الطحين وسد النقص .
                                                                                                        الشرطة وسراق الغذائية

بعد ذلك ذهبت الى مركز شرطة الخنساء الذي قام رجاله بأعمال بطولية للقبض على الإرهاب وكانت واحدة من البطولات التي قام بها هؤلاء الرجال هو إلقاء القبض على مجموعة سواق قاموا بسرقة المواد الغذائية فالتقيت بالملازم أول نوفل والمفوض زياد علي
(النجف الأشرف) : ادعى البعض بأن المواد التموينية قد تعرضت للسرقة ما مدى صحة هذا الادعاء ؟
(ضابط الشرطة) : نعم لقد القينا القبض على سيارات محملة بالسكر والحليب في منطقة الفضيلية , حيث يقوم سواقها بتبليغ الجهات المختصة بان المواد قد سرقت ويقومون ببيعها للتجار أو هناك اتفاق مسبق مع تاجر.
(النجف الأشــــــــــــــــــرف) : كيف تم القبض على هذه العصابات؟
(ضابط الشرطة) : بعد أن تم إبلاغنا من قبل الأهالي عن وجود مخزن يحتوي على مواد غذائية مسروقة خرجت دورية من مركزنا فجراً والقي القبض على السارقين وكانوا سائقي الشاحنات أنفسهم واسترجعنا المواد المسروقة في مخزن الفضيلية .
(النجف الأشرف) : ماهي اعترافاتهم ؟
(ضابط الشرطة) : قالوا أننا مجرد ناقلين وقد قيل لنا ضعوا البضاعة في هذا المخزن، ولكن من قال لهم لا ندري!؟
(النجف الأشرف) : أليس من المفروض أن تنقل المواد بسيارات حكومية؟
(ضابط الشرطة) : نعم قلنا ذلك لوزارة التجارة وكانت الإجابة: بأن المواد كثيرة و لابد لنا أن نستعين بسيارات أهلية.
مع وزارة المالية
 بعد أن تحققنا من السبب الأول وهو سرقة المواد الغذائية عن طريق مركز شرطة الخنساء وليس وحده بل هناك عصابات في مركز شرطة الجزائر ذهبت الى وزارة المالية والتقيت بالمسؤول الإعلامي وأخبرته أني أريد جواباً عن سؤالي، قال: ماهو ؟ قلت: عند لقائي بمدير الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية قال لي: ان السبب في تذبذب الحصة التموينية هو عدم صرف المبالغ المرصودة لها من قبل وزارة المالية، قال لي: مثل هذا السؤال لا يرد عليه الا الوزير، وهو الآن مسافر, فأعطيت أرقامي وعنواني ليتصل بي, لكن جاء الوزير ولم يتصل فذهبت مرة أخرى فقال لي: بأن الوزير مشغول الآن وغداً سيسافر فكتبت السؤال وقدمته الى السيد الوزير كطلب وأنا الآن بانتظار الرد الذي لا أعلم متى سيصل!
ومن خلال ذهابي الى وزارة المالية تبين لي أمرٌ قد ذكره السيد المهندس نزار خضر مدير الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية من ان وزارة المالية وعدتهم خيراً!
أخيراً نتمنى أن تكون الحصة التموينية بنوعياتها وكمياتها المأمولة وفق طموحات المواطن العراقي ونتمنى من الباري أن يوفق كل الجهود الخيّرة التي تسعى الى تأمين وتحسين مفردات الحصة التموينية.