
بالرغم من كون عصرنا عصر العلم والصرامة
القانونية فان العديد من الأنشطة الإنسانية بطبيعتها لم يستطع العلم بمفهومه
الخاص ان يكون اليد المحركة لها ، بل نجد ان للفن دوره المركزي في توجيه هذا
النشاط أو ذاك وهذا ما يظهر مثاله النموذجي في علم الإدارة وعلى رأسها الإدارة
السياسية، فهي بالرغم من كونها تمثل جهوداً عقلية أبدعها الإنسان لإدارة
المجتمع، متضمنة بعض الحقائق والقواعد المستنبطة من التجربة والخبرة السياسية
للمجتمعات فهي لا تنجح في تحقيق أهدافها ما لم يكن الإداري والسياسي على قدر
كبير من الحركـة والديناميكية والمرونة في اتخاذ القرارات والتابعة لفهم موضوع
ادارتـه والعلاقات التي تحكم اجزاء هذا الموضوع.
المرونة
الديناميكية لا يمكن الحصول عليها الا بعد المزج بين الحقائق التاريخية
والحقائق العلمية من جهة والخبرات المتراكمة وعنصر الإبداع الشخصي والموهبة
الفطرية من جهة أخرى. وهذه الحقيقة نلمسها بوضوح في احد مفاصل الادارة السياسية
وهو طبيعة نظام الحكم الذي يحكم المجتمع والذي نجده على قدر كبير من التنوع
التطبيقي فيه البلدان المختلفة، فنجد نظاماً فيدراليا مثلاً مطبق في الدولة
العملاقة والكبيرة مطبق في الدول الصغيرة والقزمية، ومطبق في أغنى بلدان العالم
وفي أفقرها، بل نجده يفشل في دولة كبرى اقتصادياً وحضاريا وثقافيا وينجح في
معاكستها من الدول وهذا ما يؤكد هذه الحقيقة والتي لابد لنا ونحن نضع الأسس
لوليدنا العراق الجديد أن تكون الفرضية والمسلمة التي يقوم عليها منهجنا وخطتنا
في البناء السياسي لبلدنا. تعتبر عملية اختبار النظام السياسي على راس أولويات
هذا البناء، خاصة ونحن أمام دستور دائم جامد لا يمكن تغييره إلا بآليات معقدة و
إلا لكان مطيه للدكتاتورية والنهم السياسي وبالرغم من تعدد تسميات الأنظمة
السياسية فانها جميعاً ترجع إلى طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة
التشريعية، هل متعادلة ام في صالح أحدهما نسبياً؟ وكل واحد من طرفي هذه العلاقة
لها تطبيقها الدولي وفي مختلف دول العالم الشمال والجنوب. فنحن إذن أمام خيارات
ينطلق تحديد احدها من طبيعة المجتمع السياسي والهدف الذي يسعى هذا المجتمع الى
تحقيقه والنابع من واقعه الاقتصادي والإجتماعي والثقافي والسياسي والطبيعة التي
تحكم سيكولوجية أفراده. عند مراجعة التاريخ والواقع الاجتماعي لشعبنا نجد أن له
مكونات تعكس هويته الثقافية والحضارية، فهو مجتمع يتمتع بحيوية ثقافية بحيث نجد
للإبداع مساحة في حياته حتى في أحلل ما مر عليه في تاريخه المعاصر وهو الحقبة
البعثية والصدامية فبالرغم من عدة عقود تقترب من جيل من القمع الثقافي والفكري
والجسدي نرى الساحة الثقافية تزخر بمبدعين في جميع مفاصل الحياة، وبالاضافة الى
هذه الحيوية الثقافية فإنه يبقى للدين مساحة كبيرة في شخصية الفرد العراقي الى
درجة تجده يفرض نفسه على المكون الثقافي لبعض الاطراف التي ذات توجهات تحجم من
دور الدين في الحياة هذا فضلاً عن كون هذا الدين يمثل الاساس الفكري والمنهجي
لعدة تيارات في المجتمع خاصة وان تراب هذا البلد قد احتضن شخصيات كانت المجسد
لهذا الدين والمكون لمنظومته الفكرية التفصيلية مما يجعل الدين ودوره الثقافي
في المجتمع راسخاً ونابعاً من أعماق جغرافية وتاريخ هذا المجتمع، والذي تغذي
شجرته المدن المقدسة التي هي حواضر الفكر والفقه الإسلامي.
| نحن
أمام واقع من التعددية فان لم نجد المشتركات التي تهيأ نقطة انطلاق
لإدارة البلاد ستبقى دائرة البلد مهتزة سياسيا
واقتصادياً . |
ومن خلال هاتين الخصوصتين
تُنتَج الشخصية الثقافية والإجتماعية في المجتمع والتي تنعكس بالضرورة على
الوضع السياسي والأطراف المكونة لأطيافه المختلفة . وهذا التنوع ما دام مستنداً
إلى روح الإبداع الثقافي من جهة والعمق الفكري للدين وما تطرحه المدارس
العالمية من توجهات في فهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع والكون من جهة أخرى
فسوف لن نجد محدودية في الأطياف السياسية لهذا البلد في المستقبل المنظور وحتى
على المدى البعيد لأن الأطياف السياسية هي انعكاس لمكونات المجتمع وهذا ما
وجدناه في الدولة العراقية الحديثة عندما كانت ضمن دائرة معينة من الديمقراطية
وقبل الدخول في أنظمة الأيدلوجيات الشمولية والمتمثلة بالمرحلة الجمهورية وخاصة
في ما بعد الجمهورية الأولى.

فنحن امام واقع من التعدد والذي اذا لم يجد من المشتركات ما يجعله نقطة انطلاق
لإدارة البلد ستبقى دائرة البلد دائرة مهتزة سياسياً واقتصادياً والذي يمثل احد
أسباب التخلف وعدم التنمية في كثير من بلدان العالم الثالث وهذا ما لاحظناه في
الدولة العراقية الملكية ، إذا لم تستمر السلطة التنفيذية في عملها إلا فترات
محدودة لا تكفي لتحقيق هدف ادارة مصنع بسيط وليس بلداً كبيراً فكانت عدد
الوزارات في العهد الملكي(45) وزارة ومقارنة في الحقبة الزمنية الممتدة بين
سنة932/1958 سنة فتكون مدة كل وزارة، ما يقارب عشرة اشهر وهي مدة قليلة جداً
لأجل تخطط تنمية في بلد ما.
ومن هنا سننطلق في بناء رؤيتنا للنظام الأصلح لعراقنا الجديد ، فإن مجتمعنا
وحسب طبيعته الاجتماعية والسيلكوجية شعب يقسم بالتنوع وهي ليست علامة سلبية ـ
ولكنها تتحول إلى عنصر عدم استقرار وتأخر للبلدان إذا لم يتم احتوائها دستورياً
وسياسياً من خلال النظام الذي يعطيه اكثر قدر ممكن من الحصانة من إستغلال بعض
الأطراف لهذا الحيوية الثقافية والسياسية. في الأنظمة السياسية وكما اسلفنا
لابد من وجود علاقة بنحو من الأنحاء بين السلطات وأهمها السلطة التنفيذية
والتشريعية وحقيقة هذه العلاقة ترجع الى ايجاد الضمانة لعدم تعسف احد السلطتين
في مقدرات البلد وهيمنتها على السلطة المقابلة لها والتي يمكن ان تفتح الباب
الى تأسيس دكتاتورية ترجع البلد إلى الوراء.
وبعد خروج الانظمة الملكية والشمولية عن جز ثقافة العصر السياسية والحضارية
تبقى أمامنا الأنظمة الجمهورية والبرلمانية والأنظمة التي تحاول المزج بينهما.
ومن هنا سندخل دائرة العلم السياسي ونرى الخصائص الجوهرية لهذه الأنظمة ومدى
تحقيقها الانسجام بين حفظ ايجابية حيوية وتنوع المجتمع من جهة وإعطاء الضمانة
للسلطة التنفيذية للاستمرار لفترة في السلطة تتناسب مع، تحتاجه من مدة لتحقيق
اهدافها التنموية وبرامجها السياسية والذي بدوره سينقلنا من دائرة العلم الى
دائرة الفن والخبرة السياسية والمرونة في اختيار النظام الذي يقترب من هذا
الانسجام والتوازن السياسي.
عند مراجعة ما هو بارز في علم السياسية وواقعها من أقسام أنظمة الحكم نجد لكل
منها خصائص تمثل اسساً لكل منها. ففي النظام البرلماني تكون السلطة التنفيذية
بيد الوزراء التي يقودها رئيس الوزراء وأما الرئيس فليس له دور تنفيذي وسلطته
شرنية وإذا كانت له صلاحيات فهي مقيدة بانسجامها مع الوزارة وهذه الوزارة لا
يمكن لها أن تقوم بعملها بالقيام بإدارة أمور الدولة إلى الأمام إلا إذا تحقق
فيها الانسجام والتجانس أي الاتفاق بين الوزراء في الأهداف والبرامج السياسية
وبقائها في سدة الحكم مرهون بتأييد وثقة أعضاء البرلمان بها ومثل هذا الشروط لا
يمكن ان تتحقق الا اذا كانت الوزارة يقودها حزب له أغلبية لا يمكن إسقاطها في
البرلمان والوزارة وهذا ما لا نجد له ضمان وواقعية الا في البلدان
والديمقراطيات الثنائية الأحزاب او ما يقرب عنها ، اما اذا كان البلد مما يتسم
بالتعدد الحزبي والتنوع في الرؤى والأهداف والبرامج السياسية فإن النظام
البرلماني سوف لن يضمن استمراره دستورياً ويكون عدم الاستقرار السياسي كثيراً
ما يستمد واقعه من طبيعة نظام الحكم والواقع الديمقراطي للبلد.
وأما النظام الجمهوري فمن خصوصياته الفصل الكبير بين السلطة التنفيذية والسلطة
التشريعية فالبرلمان مستقل في عمله ولا يخضع ولا يتأثر بالسلطة التنفيذية لانها
خارجة عنه بالكامل فلا وزير عضو فيه ولا للرئيس السلطة في دعوة البرلمان إلى
الانعقاد او فض اجتماعه أو تأجيله وليس له حل البرلمان ولا حق التصويت على
القوانين وفي نفس الوقت فان السلطة التنفيذية المتمثلة بالرئيس منتخبة من الشعب
ولا يدين بسلطته إلى البرلمان كما في النظام البرلماني ولا يستطيع البرلمان سحب
الثقة من الوزير والمسؤول سياسياً امام الرئيس فقط وليس للبرلمان سلطة مساءلته،
ولكن هذا لا يعني ان الحرية ستكون مطلقة للسلطة التنفيذية، بل يمكن اشتراط
موافقة البرلمان على بعض القرارات والتعيينات الإدارية التي يتخذها الرئيس اذا
كانت لها خطورتها على مستقبل البلاد.

اما النظام المختلط فهو في حقيقته مزج بين خصائص النظام البرلماني والنظام
الجمهوري لذلك يسمى النظام شبه الرئاسي او شبه البرلماني ففيه رئيس يسود ويحكم
ويتمتع باختصاصات حقيقية لا شرفية وهو الرئيس الفعلي للسلطة في البلاد وتوجد
الى جانبه وزارة مسؤولة امام البرلمان تشترك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة
العامة للبلاد والإشراف على تنفيذها فيكون لكل من الرئيس والوزارة المتمثلة
برئيس الوزراء سلطة حقيقية وتتوزع بينها الاختصاصات حسب نصوص الدستور، واما
مسؤولية كل من شقي السلطة التنفيذية فهو تبعاً للقاعدة (حيث توجد السلطة توجد
المسؤولية) فالرئيس مسؤول أما الشعب وأما الوزارة فأمام البرلمان وبالتالي
فالبرلمان له حق استجواب الوزراء ومساءلتهم واسقاط الوزارة باكملها ، وفي نفس
الوقت للسلطة التنفيذية حق حل البرلمان وبالتالي يكاد يكون النظام المختلط أقرب
إلى النظام البرلماني منه للنظام الرئاسي. ومن خلال ملاحظة اهم واخطر خصائص هذه
الانظمة المختلفة ومقارنتها مع الواقع الحزبي والسياسي لمجتمعنا نجد ان جعل
السلطة التنفيذية تحت رحمة سلطة البرلمان سيقيدها في قيادة وإدارة البلد بحصول
التوافق والانسجام البرلماني والذي حسب ما هو ملموس في الواقع امر يحتاج الى
كثير من اللاواقعية لضمانه ، والتجارب الوزارية ما بعد سقوط النظام الصدامي
شاهد صارخ على ذلك، وما يعطى للسلطة التنفيذية في النظام البرلماني وشبهه من حق
حل البرلمان ففيه كثير من المجازفة والمخاطرة الذي قد يمهد إلى إسقاط الوزارة
في النهاية. ومن هنا نجد أن الواقع الاجتماعي والثقافي والديني يصب في مصلحة
اختيار وترجيح النظام الرئاسي لكي تضمن دستوريا وواقعيا البدء والاستمرار ببناء
العراق الجديد التي يحتاج إلى جيل في اقل تقدير للوصول الى الحد المقبول لدولة
عصرية في القرن الواحد والعشرين ولكن هذا لا يعني تجاهل وضع الكوابح والمقيدات
الدستورية التي تقف أمام السلطة التنفيذية لكي تبين دكتاتورية ترجع بالبلاد إلى
الأنظمة الشمولية. ومن هنا ندعو الدستوريين والسياسيين المخضرمين وأعضاء
البرلمان إلى الإلتفات الى هذه المقترحات وهم يؤسسون لدستور جديد وتدعو المجتمع
أن يأخذ بنظر الاعتبار ذلك وهو يستفتى على الدستور.
|