دراسات                              مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي(عليه السلام)

تمثل حياة الإمام المهدي الحجّة بن الحسن العسكري(عليه السلام) الحلقة الأخيرة من حلقات الإمامة، والمحطّة الموعودة التيّ بشّّّر الله ورسوله بها، وبشر بها الأئمة المعصومون(عليهم السلام) الواحد تلو الآخر، المحطّة التي ستحطّ قافلة البشرية المكدودة المتعَبة رحالها عندها، فتنعم بعد مشاقّ طويلة وعناء مرّ بظلال واحته الوسيعة الوارفة، وتسعد في أفياء عدله، وتهنأ في بهجتها برأفته ولطفه. فلنتعرّف على شيء من البشارات التي دلّتنا على حقيقة استمرار خطّ الإمامة، والتي تدلّ ضمناً على وجود الإمام المهدي(عليه السلام)، ثم نعرّج على موضوع الأحاديث التي تحدّثت عن البشارة به، وغير ذلك من الأمور التي تتعلّق بشخصه الشريف.

  1ـ حديث الثقلين
روى علماء المسلمين عن عدد كبير من الصحابة، عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه قال (إني تارك فيم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض). وروى علماء المسلمين في قضية المباهلة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج للمباهلة وليس معه غير أصحاب الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وهو يقول (اللهم هؤلاء أهلي) ورووا مثل ذلك في آية التطهير، كما رووا أنه(صلى الله عليه وآله) كان يقف على باب فاطمة (عليها السلام) صباح كل يوم إلى تسعة أشهر وهو يقرأ. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا {الأحزاب/33}). وفي تصريح النبي (صلى الله عليه وآله) بأن القرآن والعترة لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض دليل واضح على استمرار خط الإمامة، وعلى وجود إمام من أهل البيت(عليهم السلام) يماثل استمرار وجوده ، استمرار وجود القرآن الكريم، قال ابن حجر: وفي أحاديث التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم إنقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض.
2ـ حديث (أهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض)
روى علماء المسلمين عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه قال : (النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض). وفي هذا إشارة إلى دوام الدنيا بدوام أهل البيت (عليهم السلام)،وقد أشار علماء أهل السنة إلى هذا الأمر في ذيل قوله تعالى (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) وقالوا إن الله عزّوجل ألحقَ وجود أهل بيت النبي في الأمة بوجوده (صلى الله عليه وآله)، وجعلهم اماناً للأمة لما سبق من قوله (صلى الله عليه وآله) فيهم (اللهم إنّهم مني وأنا منهم)، وقوله (صلى الله عليه وآله) في فاطمة Jإنها بضعة منه، وفي عليّ (صلى الله عليه وآله) إنه كنفسه، وفي الحسنين (عليهما السلام)إنهما منه، وقوله في الحسين (عليه السلام): (حسينٌ مني وأنا من حسين).
3ـ حديث (أن الأرض لا تخلو من حُجّة)
وردت أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت
(عليهم السلام)، احتج بها علماء الطرفين في أن الأرض لا تخلو من حجّة، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال في نهج البلاغة في حديث طويل (اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة)، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال (ما زالت الأرض إلا ولله فيها حجّة يُعرّف الحلال والحرام، ويدعو الناس إلى سبيل الله)، وسُئل الإمام الرضا (عليه السلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال:لا.
وروي عن الإمام الباقر
(عليه السلام) انه قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لساخت الأرض بأهلها، وماجت كما يموج البحر بأهله. ناهيك عن الأحاديث الكثيرة التي رُويت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في أنه لو لم يبق في الأرض إلا اثنان، لكان احدهما الحجّة. وتشير هذه الأحاديث بأجمعها إلى ضرورة وجود إمام في كل زمان يقتدي به الناس ويجعلونه حجّة بينهم وبين ربّهم، وذلك (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ) و(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) و(قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ).

4ـ حديث (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)
روى علماء المسلمين عامة في أمّهات كتب الحديث عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه، فقد مات ميتة جاهلية). وورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة تتفق في معنى واحد، وهو وجوب معرفة الإمام الحقّ على كلّ مسلم ومسلمة، وإلا فإن مصيره يُنذر بنهاية مهولة. ولا ريب في أنّ الإمام الذي من لا يعرفه يموت ميتة جاهلية هو الإمام الحقّ، لأن معرفة السلطان أو الحاكم أو الملك الفاسق الظالم إذا فرض كونه مصداقاً للإمام في الحديث ليس من الدين، فضلاً عن انتفاء الثمرة من معرفة مثل هذا الإمام من قبل الفرد المسلم. وفي الحديث دلالة على استمرار وجود الإمام الحق في كل زمان، وعدم خلوّ عصر ما منه، وهذا لا ينم إلا بالقول بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) الذي وردت الرواية أنّه حقّ وأنّه من ولد فاطمة (عليها السلام)، كما سيأتي.
5ـ أحاديث (الخلفاء اثنا عشر)
روى علماء المسلمين ـ ومن جملتهم البخاري ومسلم ـ عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه بشّر أمّته بالأئمة الإثني عشر (عليهم السلام)، حيث رووا أنه قال (صلى الله عليه وآله) : لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، وفي حديث آخر (يكون اثنا عشر اميراً كلهم من قريش)، كما رووا أن ابن مسعود سأل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل). ومن الجليّ أن المصداق الوحيد للأئمة ـ الخلفاء ـ الإثني عشر(عليهم السلام) المبشّر بهم هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والمهدي المنتظر (عليه السلام) منهم، كما أنّ من البديهيّ بمكان أن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد الإستخلاف والإمرة بإستحقاق، وحاشاه أن يقصد بذلك من تلاعب بالدين واستخف بمقدّرات الأمّة يضاف إلى ذلك أن هذه الأحاديث تعترض عدم خلو الزمان من الإثني عشر إماماً (عليهم السلام)، وأنّه لابدّ من وجود أحدهم ما بقي الدين إلى أن تقوم الساعة.
الأديان الثلاثة والبشائر بالمهدي
(عليه السلام)
آمن أهل الأديان الثلاثة: اليهودية، النصرانية، وخاتم الأديان، الإسلام... بظهور المنقذ العظيم الذي سينشر العدل والرخاء بظهوره في آخر الزمان فقد آمن اليهود بمجيء المنقذ الذي يخرج في آخر الزمان، فيقيم ما فسد من أخلاق الناس، ويصلح ما غيّرته القوانين والأنظمة البشرية من طباع المجتمع، كما آمن النصارى بعودة عيسى
(عليه السلام) وجاءت بذلك البشارة في أناجيلهم، فوافقوا بذلك العقيدة الإسلامية في عودة عيسى (عليه السلام)، الذي أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أحاديث كثيرة عن عودته، وأنه سيقتدي في صلاته بالإمام المهدي (عليه السلام)، ويعينه على أداء مهمته العظمى في نشر العدل في أرجاء البسيطة.

عالميّة الإعتقاد بالمهدي المنتظر
(عليه السلام)
لم يقتصر الإيمان بالمنقذ على أتباع الأديان السماوية الثلاثة، بل شاركهم في ذلك الزرادشتيّون الذين ينتظرون عودة بهرام شاه، والهنود الذين يعتقدون بعودة فيشنو، والمجوس الذين يؤمنون بحياة أُشيدر، والبوذيّون الذين ينتظرون ظهور بوذا (كما نجد التصريح من مفكّري الغرب وفلاسفته بأنّ العالم في انتظار المصلح العظيم الذي سيأخذ بزمام الأمور، ويوحّد الجميع تحت راية واحدة وشعار واحد.

الإتفاق بين المسلمين على أصل قضيّة المهدي
(عليه السلام)
لا خلاف بين المسلمين في أن لهذه الأمة مهديّاً، وأن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) قد أخبر به وبشّر به وذكر له أسماء وصفات وألقاباً، وبيّن ان المهدي من أهل بيته، وأنّه يملأ الأرض عدلاً، وأنهّ يخرج مع عيسى عليه السلام، وأنّه يؤمّ هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، والروايات الواردة في كتب الحديث في هذا الموضع تفوق حدّ التواتر، وقد ألّف علماء المسلمين في قضيّة المهدي المنتظر عليه السلام كتباً خاصّة، وعدّوا الإيمان بالمهدي (عليه السلام) من ضرورات الدّين، خاصّة بعد أن رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:( من شكّ في المهدي(عليه السلام) فقد كفر).
بشارات الأسفار بالإمام المهدي
(عليه السلام) البشارة باقتراب ملكوت السماوات
وردت في كتب الأسفار بشارات عديدة بمجيء النبي
(صلى الله عليه وآله) بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ومن تلك البشارات ما جاء في الأناجيل من أن السيد المسيح ( كان يأمر حواريّيه بأن يعلنوا للناس اقتراب ملكوت السماوات، كما جاء في إنجيل متّى (... اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة، وفيما أنتم ذاهبون، أكرزوا قائلين: إنّه قد إقترب ملكوت السماوات. وجاء في إنجيل لوقا (وأيّة مدينة دخلتموها وقبلوكم، فكلوا مما يقدّم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اقترب ملكوتك). ولو كان ملكوت السماوات قد تحقق في عهد عيسى المسيح (عليه السلام) ، لكان تعليمه هذا الدعاء لتلاميذه في صلاتهم لغواً وعبثاً، ولكان دعاؤهم (ليأت ملكوتك) بلا معنى.
عيسى
(عليه السلام) يبشّر بالنبي(صلى الله عليه وآله) وبالإمام المهدي(عليه السلام)
وردت في إنجيل يوحنّا عّدة بشارات للسيد المسيح
(عليه السلام) بمجيء خاتم الأنبياء: محمد (صلى الله عليه وآله)، وخاتم الأوصياء: المهديّ (عليه السلام) ، حيث قال لحوارييّه حين اجتمعوا حوله لسماع آخر وصاياه (...لكنّي أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم الفارقليط... ).
وكلمة (فارقليط) أو (بارقليط) تقابل في العربية محمد وأحمد، وتشير عبارة (متى ما جاء ذاك روح الحق) إلى أن روح الحق لم يات بعد في زمن عيسى
(عليه السلام) ، كما تشير عبارة (فهو يرشدكم إلى جميع الحق) إلى أن رسالة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ستكون الرسالة الكاملة (اليوم أكملت لكم دينكم) ،، (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). إذا تذكّرنا أنّ أسم الإمام المهدي (عليه السلام) هو اسم النبي (صلى الله عليه وآله) وأنّ عبارة (يمكث معكم إلى الأبد) ـ أي إلى يوم القيامة ـ يمكن فهمها إذا فسّرنا اصطلاح (الفارقليط) بمحمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) المهدي المنتظر(عليه السلام)، الذي هو فارقليط آخر (أي محمّد آخر)، والذي سيمكث مع الناس إلى يوم القيامة. وإذا لاحظنا الروايات المتكاثرة الواردة في نزول عيسى (عليه السلام) وصلاته خلف الإمام المهدي (عليه السلام)، ومساعدته له في إنجاز مهمّته الكبيرة، فإنّنا سندرك ـ على نحوٍ أفضل ـ البشارات التي ذكرها عيسى (عليه السلام) لحواريّيه. ونلاحظ بشارة أخرى وردت في إنجيل يوحنّا، يقول فيها عيسى (عليه السلام) لتلاميذه : (روح الحقّ (أي الفارقليط) الذي لا يستطيع العالم أن يقبله؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأمّا أنتم فتعرفونه لأنّه ماكثٌ معكم ويكون فيكم). تشير هذه العبارة بوضوح إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، أمّا أتباع عيسى(عليه السلام) فيعرفونه؛ لأنهم سيشاهدون نبيّهم عيسى(عليه السلام) يقتدي به في صلاته، ويعينه في مهمّته، قال تعالى (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيد)، وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (إن عيسى (عليه السلام) ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملّة يهودي ولا غيره، إلا آمنوا به قبل موتهم: ويصلي عيسى (عليه السلام) خلف المهدي (عليه السلام)). ونشير في الخاتمة إلى أنّ عدم الإيمان بالمهدي (عليه السلام) قد نسب في البشارة إلى العالم، أي إلى عامّة الناس، أمّا المؤمنون العارفون فقد وصفتهم الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) بأنّهم قد صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وهؤلاء هم الأقلون عدداً الذي كان أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يتأوّه شوقاً إلى رؤيتهم.