|
حواريات السيد حسين المرسومي |
|
الشك واليقين |
|
علي: السلام عليك أبي، واريد منك ان تحدثني عن الشك والحيرة. الأب: وعليكم السلام ورحمة الله، اعلم يا بني ان الشك هو عجز النفس عن تحقيق الحق وابطال الباطل في المطالب الخفية والغالب حصوله من تعارض الأدلة وتضارب الاقوال والدعاوى. علي: وهل هو مضر يا أبي؟ الأب: بل هو مهلك للنفس يا بني إذ الشك ينافي اليقين الذي لا يتحقق الإيمان بدونه. علي: وهل ذّمته الشريعة المقدسة؟ الأب: اشد الذم يا بني، قال أمير المؤمنين في بعض خطبه (لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا، وقال الإمام الباقر(عليه السلام) (لا ينفع مع الشك والجحود عمل) وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) (أن الشك والمعصية في النار ليس منّا ولا إلينا) وسُئل (عليه السلام) عن قوله جل جلاله (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) قال (بشك) وروي عنه (عليه السلام) (من شك أو ظن فأقام على أحدهما أحبط الله عمله، إن حجّة الله هي الحجّة الواضحة). ولا يخفى عنك يا بني ان المراد عن الشك ما يضعف الإعتقاد ويزيل اليقين لا مجرد الوسوسة وحديث النفس. علي: هلكت اذن يا أبي. الأب: ما لم تعالجه يا بني. علي: وكيف السبيل إلى ذلك؟ الأب: عليك يا بني بتحلية نفسك بضد الشك إلا وهو اليقين. اليقين علي: وما اليقين يا أبي؟ الأب: لليقين مراتب اولاها عبارة عن اعتقاد ثابت جازم مطابق للواقع غير زائل بشبهة وإن قويت. علي: وإذا لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقاً للواقع؟ الأب: عند ذلك لا يكون يقينا وان جزم به صاحبه واعتقد مطابقته للواقع بل هو جهل مركب ينشأ عن اعوجاج القريحة أو خطأ في الاستدلال او حصول مانع من إفاضة الحق كتقليد أو عصبية أو غير ذلك. فاليقين من حيث اعتبار الجزم فيه يكون ضدا للشك والحيرة ومن حيث اعتبار المطابقة للواقع فيه يكون هذا للجهل المركب. علي: وهل حثّت الشريعة على اليقين؟ الأب كيف لا يا بني واليقين من اشرف الفضائل الخلقية وأهمها وأفضل الكمالات النفسية وأعظمها ومن وصل إليه فقد فاز بالسعادة العظمى وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (قل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أوتي حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل) وقال(صلى الله عليه وآله) (اليقين الإيمان كله) وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)(ان العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله تعالى من العمل الكثير على غير يقين) وروي عنه (صلى الله عليه وآله)(إن الله تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط). علامات صاحب اليقين علي: وكيف اعرف اليقين وأهله؟ الأب: أعلم يا بني ايدك الله جل جلاله ان لصاحب اليقين علامات يعرف بها. منها الاّ يلتفت في أموره إلى غير الله جل جلاله ولا يكون اتكاله في مقاصده إلا عليه تعالى ولا ثقته الاّ به جل جلاله ويرى ان ما ورد عليه منه تعالى فتستوي عنده حالة الوجود والعدم والزيادة والنقصان والمدح والذم والفقر والغنى والصحة والمرض ولم يكن له خوف ورجاء إلا منه تعالى والسر في ذلك انه يرى الأشياء كلها من عين واحدة هو مسبب الاسباب ولا يلتفت إلى الوسائط بل يراها مسخّرة تحت حكمه وروي عن الإمام الصادق (صلى الله عليه وآله) (من ضعف يقينه يتعلق بالأسباب ورخّص لنفسه بذلك). وقال (صلى الله عليه وآله)(ليس شيء إلا وله حد) قيل فما حد التوكل قال: (اليقين) ،قيل فما حد اليقين قال (ألا تخاف مع الله شيئاً) وروي عنه (صلى الله عليه وآله)(من صحة يقين المرء المسلم إلا يرضي الله بسخط الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا ترده كراهية كاره ولو ان احدكم فرّ من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما أدركه الموت). ومنها ان يكون في جميع أحواله خاضعاً لله جل جلاله خاشعاً له مواظباً على امتثال الشريعة من الفرائض والسنن والسر في ذلك ان صاحب اليقين عارف بالله جل جلاله وعالم بانه جل جلاله مشاهد لأعماله وأفعاله ومطلع على خفايا ضميره (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) فيكون دائماً مراقباً لحضوره بين يدي الله جل جلاله فلا ينفكّ لحظة عن الحياة والإشتغال بوظائف الأدب ويكون سعيه في تخلية باطنه عن الرذائل وتخليته بالفضائل بعين الله جل جلاله الكالئة اشد من تزيين ظاهرة لأبناء نوعه وبالجملة من يقينه بمشاهدة الله جل جلاله لأعماله الباطنة والظاهرة وبالجزاء والحساب يكون أبداً في مقام امتثال أوامره واجتناب نواحيه. ومن يقينه بما فعل الله في حقه من اعطاء ضروب النقم والإحسان يكون دائماً في مقام الحياء والشكر لمنعمه الحقيقي ومن يقينه بما يعطيه الله للمؤمنين في الآخرة من البهجة والسرور وما أعده لعبيده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد يكون دائماً، مقام الرجاء. ومن يقينه باستثناء وجميع الأمور إليه جل جلاله يكون ابداً في مقام الصبر والتسليم والرضا بالقضاء من دون عروض تفاوت في حاله. ومن يقينه بغناء (الدنيا لا يركن إليها). فالنتيجة ان اليقين يوصل العبد كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)(اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب). علي: فرّج الله عنك يا أبي كما فرّجت عني. الأب: أنا بخدمتك يا بني. علي: اتأذن لي في الإنصراف؟ الأب: كما تريد يا بني. علي: السلام عليكم. الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. |