كتابات

ارهاصات شاب                                                                     سعيد قنبر

وصلتني قبل أيام رسالة من أحد الشباب والتي سأشرككم بقراءتها معي لما حملته من أحاسيس ومشاعر سطرها ذلك الشاب بأدب ووعي وبقدر ما تحمله الرسالة من معاناة شخصية إلا إنها فتحت أمامي مشكلة أوسع وأكبر وتخص شريحه مهمة في المجتمع ان لم تكن الأهم وهم الشباب فأحسست بالمعاناة والعزلة التي يعاني منها شبابنا اليوم بين من ينظر لهم بعين الإستصغار والإنحلال والخواء الفكري وبين من ينظر لهم بعين الشفقه والعطف والأحتواء وبين هذا وذاك تتأرجح ارهاصات وطموحات الشباب دون أن تستقر على جادة الهدى والصواب والرشاد، وقد عنون المرسل رسالته بهذه العبارة (من يسمع الشباب ؟ ) وإليكم نصها: (كلفني احد الأساتذة بكتابة بحث عن موضوع ((حقوق الإنسان)) ..

وعندما شرعت بكاتبة هذا التقرير كان ظني أني سأبدأ بأول ممارسة فيها تعدي على حقوقي كفرد في الشارع أو محل دراستي أو في الأماكن العامة الأخرى، ولكن ما أن أوشكت على مغادرة المنزل حتى تناهى إلى مسامعي صوت والدي وهو يزخني بوابل من الأسئلة إلى آين؟ وكيف؟ ومتى؟ ومع من؟ و..و.. وكان لزاماً علي ان أحضر لكل سؤال جواب يشفي غليل والدي المحموم للإطمئنان علي وكأني لا زلت طفلاً يحتاج التقويم والتوجيه، وعندها شعرت أن حقوقي مهدورة وأنا لم أخطو خطوة خارج بيتي، وقد يعترض البعض متذرعاً ان حرص الوالد ومتابعته لأبناءه لا تعتبر خرقاً أو تعدياً على الحريات، ولكني أقول هذا الطرح يحمل شيء من الصحة... ولكن هذا الحرص ومدياته يجب أن تتناسب مع عمر الأبن فإذا كنت وأنا في أواسط العشرينات من العمر ولا أستطيع ممارسة طقوسي وهواياتي ورغباتي وتكبيلي بمختلف الذرائع.

وهذا الشعور يشترك فيه كل فئة الشباب، حيث أرى أن جوهر المشكلة اننا لا نعطي لكل مرحلة عمرية حقها، فالطفولة لدينا فاقدة للبراءة والمرح وسط أجواء العوز والحرمان والمشاكل الأخرى ومرحلة الفتوه والشباب قليلة بقيود وشروط الذي يصح ولا يصح ثم تعصف بك مشاكل الحياة وتعقيداتها في أول عتبة على مرحلة الرجولة ورويداً رويداً يذوي العمر بدون الإستمتاع بزهو كل مرحلة من هذه المراحل دون أن تكون لنا هناك أي محطة اعتزاز واعتبار في محطات الحياة).

لحد هذه النقطة انتهت رسالة الشاب وتتفقون معي رغم إني لا أتطابق بكل ما ورد فيها لكنها تحتاج إلى وقفة وتأمل وكأنها صرخة في جوف الصمت والنسيان فإننا أن صدقنا أن الشباب هم الشريحة الفاعلة والمحركة في المجتمع وهم أداة التغيير والبناء فهل استطعنا أن نعطيهم ما يوازي هذه المكانة؟ وهل انتبهنا لهم وسط هذه التغييرات الجذرية العاصفة بالمجتمع؟ هل استطعنا أن نولد لديهم حصانة ضد كل الثقافات الدخيلة على مجتمعنا؟ أم بقينا نناشدهم ـ ونأمرهم ـ بما يجب وبما لا يجب دون أن نتفهم خلفيات تصرفاتهم ودوافعهم حتى تركناهم عرضه للأفكار المنحرفة الفاسدة... اليوم نحن بأمس الحاجة إلى حوار جدي وموضوعي رصين مع شريحة الشباب بما يمثلهم من إتحادات للطلبة أو منظمات مجتمع مدني لطرح مشاكلهم وأفكارهم والحديث بصوت مسموع لنذيب جبال الجفوة والبعد بين الأجيال وهذه مهمة ومسؤولية تقع على عاتق كل من يهمه بناء مجتمع صحي وسليم فالمؤسسة الدينية تلعب دور كبير في تنوير وتثقيف الشباب خاصة ونحن نملك تراث إسلامي زاخر مليء بالشواهد والأحداث التي ممكن أن تكون مادة دسمة وغنية لتوجيه الشباب كما لا ننسى دور المؤسسات الأكاديمية من جامعات ومعاهد ومدارس في إعطاء بعض الحصص التوعوية والإرشادية بين الحين والآخر وعقد لقاءات حوارية مع الطلبة وهناك دور كبير للأسرة ومتابعة أبناءهم متابعة ذكية منهجية بعيداً عن الضغط والإكراه.. هي دعوة صادقة ومخلصة نطلقها من هذا المنبر للإهتمام بشريحة الشباب والموضوع قابل للكثير من الآراء والطروحات من قبل الأساتذة والباحثين لتفعيل برنامج إعداد الشباب أعداداً صحيحاً يتوافق مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف مراعين تطورات العصر والمرحلة التي نعيشها.