|
السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك واناخت
برحلك.
كتبت الأقلام عن الطف، وكشفت هذه الأقلام عن الإنتماء الفكري والعقائدي
لكاتبيها، وقف أرباب هذه الأقلام على مسرح الطف ناقدين، ومعللين مصيبين
ومخطئين فجعل بعضهم واقعة الطف إفرازا لذلك العداء القديم الذي نصبه بنو
امية لبني هاشم، فأولوا خروج سيد الشهداء طلبا لثأرٍ قديم ومنازعةً على
كرسي الحكم غير أن هذا الاتجاه سرعان ما اصطدم بجدار الحقيقة الكاشفة عن
حقيقة الطف الحاكمة بامر المولى أن تكون ثورة الاصلاح الكبرى في تأريخ
الإنسانية جمعاء، إنما خرجت لطلب الإصلااح في أمة جدي.
نعم كانت الطف صراعا لكنه أي صراع؟ صراع الأزل بين الحق والباطل" فكان حريّ
بحملة الباطل وأبنآئه في كل عصر أن يحوّلوا الحقيقة عن مسارها، وأن يحيلوا
الصراع الى ما روجوا ورغبوا.
هكذا اقتضت ارادة الله أن يكون التوازن الكوني بين خطي الحق والباطل بان
يتوازيا في المسير والصراع فلا بد لموسىA من فرعون ولا بد لمحمد5 من أبي
سفيان، ولابد لعليA من معاوية، ولا بد للحسينA من يزيد.
لا يسع المقام للحديث عن الطف كما شرفها الله واودع فيها الجلال
والعظمةوالإيثاروالوفاء والعدل,لكني وددت الوقوف على وجهٍ من وجوه حقيقتها
العظمى التي تلامس شغاف القلب.
وهو أن الطف لمّا كان امتدادا لذلك الصراع بين الحق والباطل -إذ عسكر خط
الأنبياء في جانب الحسينA، وعسكر خط الجبابرة والظلمة في خط يزيد ـ تهافت
آل الله وعشاقه أن يبذلوا أرواحهم لمّا شعروا ان معقِل العشق الإلهي مهدد
بالخطرو أن الحرم الإلهي المقدس عرضةً للخدش فما كان من أحباء الله الحسين
والصفوة من أهل بيته، والغرّة من أصحابه الا أن يقفوا سدا منيعا ويجيبوا
نداء الحق ,فدافعوا عن حرم الله"حرم العشق وبذلوا أغلى ما يملكون لأنفس ما
له يجودون فكان حقاً على الله أن يغرس ديمومة الحياة عطاء غير مجذوذ في
الطف وينبوع الخير الذي لا ينضب فترى انوار هذه الواقعة يستلهم منها
العظماء والثوار عزمهم وقوتهم لانهم وجدوا فيها ضالتهم، ولأنهم أحسّوا
بشعور الانتماء الانساني الى تلك الملحمة التي كشفت عن عظم خطر الداعي
اليها الحسينA، ثورة الاصلاح، الأصلاح في كل شيء، في احترام آدمية الأنسان
عقيدة، وفكرا، ووجوداوالحفاظ على حقوق العباد، والتحرر من أغلال الاستعباد،
فخرجت لنا صورة الطف بعنصريها المتلازمين العِبرة، والعَبرة، العَبرة التي
أضفت ـ بما هيجت من الثورة العاطفية، والوجدان الانساني ملامح الحق الراسخة
في العِبرة.
وإني تارك قلم المقصِّر أن يجود بما جاد به في تصوير مأساة الطفِّ، وعِبرة
الطفّ في سلسلة شعرية منتظمة.
|