|
سُوّدَت وجوه المؤمنين..،
السلام عليك يا مذلّ المؤمنين..، لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك..،
تترك شيعتك كالغنم ليس لها راعٍ..، ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية ومعك
أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة!!
هذه هي بعض الكلمات التي قالها بعض أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) لما
خفيت عليهم الحكمة من مصالحة ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابن آكلة
الأكباد معاوية بن أبي سفيان عليه لعائن الله وهذه الكلمات مع هذه المصالحة
أعادت بنا التأريخ إلى محنة أخرى مرّ بها مولانا أمير المؤمنين(عليه
السلام) لما صالح على سفه التحكيم ولنفس الطاغية معاوية بن أبي سفيان عندما
رفعت المصاحف حيلة ومكراً فأعرض الشك وعزف الحقّ واتّبع الظنّ هذا وهو
ينادي بهم يا قوم إنما فتنتم بها وخدعتم ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب
الله وأول من أجاب إليه ولكن ما الجواب. جاءه من اصحابه زهاء عشرين ألفاً
مقنّعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودّت جباههم من
السجود فنادوا باسمه لا بأمرة المؤمنين قالوا يا علي أجب القوم إلى كتاب
الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو الله لنفعلنها إن لم
تجبهم فطعنوا على ولي الله وأسخطوا عمله. كما وأعادت لنا محنة إمامنا
الحسن(عليه السلام) محنة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما صالح المشركين
في صلح الحديبية على أن لا يدخل مكّة في عامه ويعود العام القابل ويخلوا له
مكّة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فتثاقل عنه كثير من الأعراب
فقالوا نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه وقتلوا أصحابه فتخلّفوا عنه وقال له عمر
ابن الخطاب لما نعطي الدنية من أنفسنا كل ذلك لما خفيت عليهم الحكمة من
الصلح فأجابه(صلى الله عليه وآله) إني رسول الله ولن يضيّعني الله هذا وقد صرّح إمامنا
الحسن(عليه السلام) بهذا في جواب أبي سعيد لما سأله يابن رسول الله لما
داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ فقال يا
با سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماما عليهم بعد أبي قلت بلى
قال ألست الذي قال رسول الله لي ولأخي (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)
قلت بلى قال فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذا قعدت يا با سعيد علة
مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين
انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل يا
با سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما
أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيها أتيته ملتبساً ألا ترى
الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى(عليه السلام)
فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم
بوجه الحكمة فيه ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا
قتل.
قلوبهم معه وسيوفهم ضده
نعم الخذلان هو الخذلان صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ارتدوا على
أعقابهم وخذلوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بقيته وأهل بيته وأصحاب
أمير المؤمنين عشرين ألف يقولون يا علي أجب القوم وإلا قتلناك وهذه أصحاب
أمامنا الحسن(عليه السلام) يخطب بهم يحظّهم على الجهاد ويعرّفهم فضله وما
في الصبر عليه من الأجر وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد فقال
لهم عدي ابن حاتم سبحان الله ألا تجيبون إمامكم ويأتي بعضٌ منهم يطعنه
بمعول كان معه فأصاب فخذه وشقّه حتى وصل إلى العظم وحمل(عليه السلام) إلى
المدائن وعليها سعد ابن مسعود عم المختار وكان أمير المؤمنين(عليه السلام)
قد ولاّه إياها فأدخل منزله فأشار (المختار) على عمه ان يوثّقه ويسير به
إلى معاوية على أن يطعمه خراج (جوحى) فأبى عليه وقال للمختار قبّح الله
رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرّفني أأنسى رسول الله(صلى الله عليه
وآله) ولا أحفظه في أبن بنته وحبيبته ورماه آخر بسهم ولم يثبت فيه لما عليه
من (اللامة) وبعض آخر من رؤساء القبائل يكتب إلى معاوية بالسمع والطاعة له
في السر واستحثوه على المسير نحوه وظمنوا له تسليم الحسن(عليه السلام) إليه
عند دنوّهم من عسكره أو الفتك به وكان له(عليه السلام) موقف آخر معهم لما
أراد أن يمتحنهم ويستبرئ أحوالهم في الطاعة ليتميّز بذلك أوليائه من أعدائه
ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة
جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال. الحمد لله كلما حمده حامد وأشهد
أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله
بالحق بشيراً وائتمنه على الوحي. أما بعد فإني والله لأرجو أن أكون قد
أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم
ضغينة ولا مريدا له بسوء ولا غائلة ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم
مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا
أمري ولا تردوا عليّ رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبّة
والرضا. قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالواما ترونه يريد بما قال قالوا
نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه فقالوا كفر والله الرجل
ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شد عليه عبد
الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً
متقلداً بالسيف بغير رداء ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته
وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال أدعوا لي ربيعة وهمدان فدعوا له فأطافوا
به ودفعوا الناس عنه(عليه السلام) وسار ومعه شوب من غيرهم. هذا من غير
خذلان قادة الجيش له(عليه السلام) عندما أرشاهم معاوية ومنّاهم بالأموال
والأمصار وفعلاً غدروا بالإمام(عليه السلام) ونقضوا ميثاقه كابن عمه عبيد
الله ابن العباس كما وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية فإنا معك وإن شئت
أخذنا الحسن وبعثناه إليك هذا هو حال أغلب من كان مع الإمام إلا نفر قليل
لا يعدوا أربعين رجلاً وأما الباقون فهم كما وصفهم إمامنا الحسن(عليه
السلام) (يا عجباً من قوم لا حياء لهم ولا دين مرة بعد مرة) وقال(عليه
السلام) في كتابه لمعاوية (والله لوجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما
سلّمت لك ولا أعطيت لك ما تريد) وقال(عليه السلام) في موقف آخر واصفاً
وفاضحاً أياهم (أيها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة ومن تكاثف الظلمة فو الذي
فلق الحبة وبرأ النسمة وتردى بالعظمة لئن قام إلي منكم عصبة بقلوب صافية
ونيات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق ولا نية افتراق لأجاهدن بالسيف قدما
قدما ولأضيقن من السيوف جوانبها ومن الرماح أطرافها ومن الخيل سنابكها
فتكلموا رحمكم الله. فكأنما ألجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة إلا عشرون
رجلاً فإنهم قاموا إلي فقالوا يا ابن رسول الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا
فها نحن بين يديك لأمرك طائعون وعن رأيك صادرون فمرنا بما شئت فنظرت يمنة
ويسرة فلم أر أحداً غيرهم. فقلت لي أسوة بجدي رسول الله(صلى الله عليه
وآله) حين عبد الله سرا وهو يومئذ في تسعة وثلاثين رجلاً فلما أكمل الله له
الأربعين صار في عدة وأظهر أمر الله فلو كان معي عدتهم جاهدت في الله حق
جهاده.
الصلح أبقى للإمام وشيعته المخلصين
هؤلاء هم أصحاب الإمام الحسن(عليه السلام) أنّى للإمام(عليه السلام) حرب
معاوية كيف لا يصالح هذا من جهة ومن جهة أخرى من قال لك أن الصلح ذل وهوان
وضعف للإمام(عليه السلام) قل لي من هو المملئ على الآخر من هو الشارط ومن
المشروط عليه من هو الأمير ومن المأمور ألم يأمره برفع السب عن أمير
المؤمنين ألم يأمره بعدم التعرّض لشيعته ولشيعة أبيه ألم يأمره بعدم جعل
الخلافة لابنه يزيد ألم يأمره على ان لا يكون معاوية عليه أميراً وغيرها
يبقى ان معاوية نقض العهد وخالف الوعد فهذا تمرد من معاوية لا عجز من
الإمام، معاوية الناكث، معاوية القاسط، معاوية المخالف، والإمام الحسن لم
ينقص من عزّه شيء كما وأن مصالحة الإمام(عليه السلام) والحال هذه من تقاعس
الناس وتكاسلهم وتثبيطهم سواء كان طمعاً بمكاسب ومغريات ودنيا معاوية أم
لمللهم من كثرة الحروب وعدم صبرهم أم لجهل بكفر معاوية وجنّد الشام، ام
لعدم المعرفة الحقّة بإمام زمانهم الحسن ابن علي(عليه السلام) من كونه إمام
مفترض الطاعة معصوم، وعلى أية حال يكون سبب الخذلان للإمام(عليه السلام) لا
تظر بمكانةِ ومنزلةِ الإمام(عليه السلام) كون إمامته بأبي وأمي لا تنفك عن
الإمام بمجرّد عدم بسط اليد لا تضرّه بشيء ولا تنقص من قيمته بشيء وقد عرفت
كلمة النبي(صلى الله عليه وآله) في ذلك نعم المتضرر والخاسر والهالك هم
الناس أنفسهم وقد أعلن النبي(صلى الله عليه وآله) أمام الملأ عاقبة ذلك
فقال(صلى الله عليه وآله) ما ولت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه
إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجع إلى ملة عبدة العجل وفعلاً خطب
معاوية عندما نزل بالنخيلة بعد أن استتمت الهدنة قائلاً إني والله ما
قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك ولكني
قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ألا وأني كنت
منيت الحسن وأعطيه أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له..
المتخلفون عن آل محمد هم الخاسرون
فذوقوا أمة محمد وبال أمركم وانظروا كيف خلّفتم النبي5 في أهل بيته بئس
الخلف فأفّ وترها يا عبيد الدنيا قد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل
بعدها أبدا ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم وسحقاً فلقد خاب السعي وتبّت
الأيدي وخسرت الصفقة وبوؤتم بغضب من الله وضربت عليكم المهانة والمسكنة
أذلّة خاسئين كيف لا يصالح معاوية وكدتم أن تسلموه أسيراً تتربّصون به
الدوائر وتتوكّفون به الأخبار وتنكصون عند النزال وتفرون من القتال توافيكم
الدعوة فلا تجيبون وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون كيف لا يصالح معاوية وقد ظهرت
فيكم حسيكة النفاق وانعقدت عقد الكفر والشقاق وسمل جلباب الدين كيف لا
يصالح يا أهل الغدر والختل استنهظكم فوجدكم ثقالا وسمتم غير ابلكم واوردتم
غير شربكم هذا وكتاب الله بين أظهركم قال تعالى (أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) وقال تعالى (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا {الأحزاب/33}) وقال تعالى (قُل لَّا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) وهذه
سنة نبيه(صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وقال
(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) قد خلّفتموه وراء ظهوركم بئس للظالمين
بدلا وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ {آل عمران/85). سيدي أبا محمد ما
قتلتك (جعدة) بسمّها بل قتلك الغادرون مرّة بعد مرّة من قبل أبوك ومن ثم
أنت ومن بعد أخوك لنعم الحكم الله. والزعيم محمد والموعد القيامة وعند
الساعة يخسر المبطلون. سلام عليكم أهل البيت كنتم في زمان غير زمانكم. ما
حفظوكم. ما عرفوكم. إن دل هذا فعلى هوان الدنيا عند الله أنتم أجل وأكرم أن
تمشون على الأرض وتعيشون في هذه الدنيا ومع هذه الناس طبتم وطابت الأرض
التي فيها دفنتم وفزتم فوزاً عظيماً.
|