|
قال الإمام الصادق(عليه السلام) في بعض فقرات
زيارته لجدّه الإمام الحسين(عليه السلام): (السلام عليك يا ثار الله وابن
ثاره) حيث يعطي الإمام الصادق(عليه السلام) بهذه الفقرة جوهر وقيمة وعمق
الثورة الحسينية ويلمّح إلى الخصوصية التي تميّزها عن غيرها من الثورات لذا
يقع الحديث في هذا المضمون الذي يلمّح إليه الإمام الصادق(عليه السلام) في
محورين:
المحور الأول : ماهو المقصود من الثأر؟
الثأر يعني : الدم , ثم عدّي الى كل حق، فيقال : لي في عنق فلان ثأر، أي :
لي في ذمته حق، فإذا كان المقصود للإمام الصادق(عليه السلام) هو المعنى
الخاص وهو الدم , فكأنه يقول : السلام عليك يادم الله، فيكون إضافة الدم
لله عزوجل بمعنى : أن الله تعالى هو الذي يملك هذا الدم وهو وليـّه , لذا
جاء في قراءة أخرى لهذا النص: (السلام عليك يا ثائر الله وابن ثائره )، أي
: أنك ثائر من أجل الله عزوجل , كما أن أباك أمير المؤمنين(عليه السلام)
ثار من أجله تعالى , وقد حمله شوقه وحبه لله الى ساحة الإحتدام ضد أعدائه
وغاصبي حقه , حتى قضى شهيدا في محراب الصلاة , وبما أن دمه يسري في دمك ,
فأنت على خط الثورة ضد أعداء الله عزوجل .
المحور الثاني : ماهو المدلول العام لهذا النص؟
يؤكد الإمام الصادق(عليه السلام) للأمـّة - من خلال هذا الخطاب الذي يوجّهه
لجدّه الحسين(عليه السلام)- أمرين مهمّين يمثلان عمق وخصوصية الثورة
الحسينية، وهما :
الأول : ربانية الثورة الحسينية، بمعنى أنها لم تكن ثورة قد فرضها مزاج
خاص, ولا إنفعال نفسي معين , وإنما هي ثورة قـد خطط لها الله عزوجل بعلمه
وحكمته , ورسم لها غايتها , وحدد لها طريقها , وصنع لها تأريخها وكيفية
إنتصار الحق فيها .
فالإنسانية كانت تـتخابر وتـتداول أنباء هذه الثورة منذ زمن الأنبياء(عليه
السلام) الى أن ختم الله الرسل برسوله محمد(صلى الله عليه وآله)، الذي بكى
ولده الحسين(عليه السلام) في كثير من المواقف، وذكر ما يلقاه من الطغاة
والقساة المردة من أمته، ولايسعنا ذكر الشواهد على هذه الفكرة، بل نترك
الأمر لمن شاء أن يتـتبع ذلك في موسوعات التأريخ.
ويكفينا شاهد واحد على هذه الحقيقة هو: أن الإمام الحسين(عليه السلام) لما
حمل ثـقله وأهله ونساءه، إعترضه معترض ليقول له : إن كنت قد امتـنعت عن
البيعة ليزيد وتعلم أنك مقتول إن لم تبايع، فعلام حملت عائلتك ونسائك؟
فقال(عليه السلام) : ( شاء الله أن يراهنّ سبايا).
الثاني : مشروعيـّة الموقف الذي سجله الإمام الحسين(عليه السلام) على ساحة
الطف , وبالتالي مشروعية الدم الذي أريق على هذه الساحة، ممّا يكشف عن
بطلان ما أثاره المغرضون من شبهات ومؤاخذات وضبابية على هذه الثورة , ومن
هذه المؤاخذات :
أولا : أن الحسين(عليه السلام) خرج على وليّ الأمر, ومن خرج على وليّ الأمر
فهو بغيّ والباغي ينبغي أن يقاتل، وعلى هذا فكان يزيد محقا في قتال الإمام
الحسين(عليه السلام)، وأعتـقـد أن هذا ما طرحه ابن عربي وأمثاله.
ثانيا: بما أن المسلمين قد أجمعوا وانسجموا مع الحكم القائم، بغض النظر عن
شكل هذا الحكم، فيكون الحسين(عليه السلام) بهذا الموقف قـد شق عصا وشمل
المسلمين.
ثالثا: بما أن الحسين(عليه السلام) كان على يقين أنه سيقتل ما لم يبايع
حاكم زمانه، وبذلك يكون قد ألقى بنفسه الى التهلكة.
فهذه تصورات تهدف كلها الى سلب مشروعية الثورة الحسينية، لذا فإن خطاب
الإمام الصادق(عليه السلام) لجده الحسين(عليه السلام) يحمل في ثـناياه
مضمونا عاليا من القناعة والإيمان بأحقية هذه النهضة، وبضخامة المردود الذي
سجله موقف الإمام الحسين(عليه السلام) لصالح الإسلام والأمة، والذي تذوب
أمامه الشبهات والمؤاخذات والمواقف الزائفة، مضافا الى ذلك أن هناك ثلاثة
أدلة لشرعية الثورة الحسينية:
الأول : السند التأريخي:
الذي يعني ما هو تأريخ يزيد بن معاوية، وكيف توصل الى كرسي الخلافة، فهو لم
يصل الى المنصب عن طريق النص ولا الشورى حتى يكون قتاله خروجا على شرعية
ولي الأمر، كما أنه لا يملك علما، ولاحكمة ولاعدالة تؤهله للخلافة حتى يكون
قتاله شقا لعصى المسلمين.
فإذا ما ابتليت الأمة برجل مثـل يزيد , فالموقف يتطلب أن تشق العصا بين
الحق والباطل , وذلك بحكم القرآن الكريم، إذ قال الله عزوجل : (وقاتلوهم
حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير
) الأنفال : 39 .
فالبغاة هم الحكام الظالمون الذين يبغون دين الله عوجا , لا الذي يقف بوجه
هذا النمط من الأنظمة التخريبية الفاسدة , وإليك ما قاله الإمام الحسن بن
علي(عليه السلام) بشأن بني أمية , قال: ( لو لم يبق من بني أمية إلا عجوز
درداء لبغت دين الله عوجا ) .
ولذا لايعتبر موقف الإمام الحسين(عليه السلام) تهلكة، إذ أنه وقف من منطلق
المسؤولية الشرعية وهو القائل : ( إني لم أخرج أشرا ولابطرا ولامفسدا
ولاظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله(صلى الله عليه
وآله) لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى
بالحق ومن ردّ عليّ فإن الله يحكم بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين
).
أما التهلكة المذمومة، فهي : إتلاف الإنسان نفسه بلا ثمرة أو فائدة دينية
أو إجتماعية أو وطنية , كيف والإمام الحسين(عليه السلام) قد سمّى ذلك فتحا
من أول خطوة على طريق الشهادة فقال: ( من لحق بنا فقد استشهد ومن لم يلحق
بنا لم يبلغ الفتح ).
وسأل عبيد الله بن طلحة الإمام السجاد(عليه السلام) حين رجوعه الى المدينة
بعد واقعة الطف : من الغالب؟ فأجابه الإمام السجاد(عليه السلام): (إذا دخل
وقت الصلاة أذن وأقم تعرف الغالب) .
الثاني : السند الشرعي:
وهو مايعني الأدلة المتكثرة على إمامة الحسين(عليه السلام) عن طريق السنة
والشيعة , والتي لا يتجرأ على إنكارها إلا مكابر حاقد , أبرزها حديث
الثـقلين، الذي يدل على كونه من العترة الذين نص رسول الله(صلى الله عليه
وآله) على خلافتهـم وإمامتهم.
كما نص(صلى الله عليه وآله) بقوله : ( الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة )،
وابن تيمية نفسه يروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قوله : ( الحسن
والحسين إمامان قاما أو قعدا)، بما يحمل هذا النص من الدلالة الصريحة , على
أن كلا من النهضة أو القعود أمر مشروع لهذين الإمامين(عليه السلام) بحكم
إمامتهما.
الثالث : السند القانوني:
وهو ما يعني أن بنود الصلح الذي أبرم بين الإمام الحسن(عليه السلام)
ومعاوية، تعطي للإمام الحسين(عليه السلام) الحق في الثورة على يزيد بن
معاوية عند الإخلال بالبند المتعلق بخلافته.
فإن هناك مادة في تلك المعاهدة، تـنص على عدم تولي أحد لمنصب الخلافة بعد
معاوية وبالأخص يزيد، بل يؤول الأمر الى الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)
فإن قتل فلأخيه الحسين(عليه السلام).
فلما كان الأمر على خلاف هذا البند , حيث تسلط يزيد بن معاوية على الأمة
بالقهر والظلم بعد أبيه، وأخذ يلهو ويلعب بمقدراتها، وهي لا تستطيع أن
تغيـّر شيئا تحت ظل الرعب والإضطهاد ورقدة الضمير, فقد كان لزاما على
الإمام الحسين(عليه السلام) أن يقول كلمته الفاصلة، ويتخذ الموقف الثابت،
وكما قال شاعر أهل البيت(عليهم السلام):
لم أدر أين رجال المسلميـن مضوا
وكيـف صار يزيـد بينهـم ملكـا
العاصر الخمر مـن لؤم بعنصره
ومن خساسة طبـع يعصر الودكـا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمـه فـي كـربلا سـفكـا. |