مقالات                                د. حيدر نزار السيد سلمان / الكلية الإسلامية الجامعة / النجف الأشرف

المعروف إن العراق ومنذ ثمانينات القرن العشرين قد مر بظروف وحوادث خطيرة وجسيمة تمثلت بما شهده البلد من حروب واحداث مشتعلة استمرت حتى بداية القرن الواحد والعشرين والتي أدت إلى تخريب واسع في قطاع التعليم بكافة مراحله وصفوفه وإنحلال وتفكك لاصوله وهيبته فانتشرت الفوضى والفساد في مرافق التربية والتعليم المختلفة لم تستطع كل المحاولات لايقاف حالة التدهور والإنحطاط لأن هذه المحاولات لم تكن بالجدية المطلوبة ولم تتوفر لها مقومات التوفيق وفي كل الأحوال فأن ذلك لا يعنـي إن قطاع التعليم في العراق قد فقد رصانته وثقله وإمكانياته بل في وسط هذا الحطام نرى إشعاعات وقبسات وروح نشطة تدل على حالة التوهج والمقدرة والإمكانية.

 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 وما خلفته من دمار وخراب في البلدان والمناطق التي شملتها السنة نار هذه الحرب الطاحنة والملايين من القتلى والمعوقين والمفقودين وكذلك الأضرار الخطيرة والبالغة في البنى التحتية والمؤسسات المختلفة ولا سيما المؤسسة التعليمية سعى قادة الدول الأوربية الخارجة من هذه الحرب الضروس إلى إعادة إعمار وبناء ما لحقه الخراب والدمار وكان التركيز وخاصة في بريطانيا التي خرجت تئن من شدّة أوجاع الحرب وعواقبها الوخيمة على الرغم من إنتصارها مع حلفاءها في هذه الحرب كان التركيز على المؤسسات العلمية والتعليمية والتربوية وإعادة الاعتبار إلى التعليم والمؤسسات التعليمية بكل أنواعها والبدء بحملات لترسيخ الأنماط العلمية ورفد هذه المؤسسات بالكفاءت الحقيقية والاهتمام البالغ بالمستوى العلمي والتعليمي سواء في مجال التربية أو التعليم بشقيه الأولي والجامعي وإزالة حالات الفوضى والإرباك وربما الفساد الذي شهده قطاع التعليم بسبب تداعيات الحرب، في هذا الشأن نسوق هذه المقدمة التأريخية من أجل الإفادة من تجارب الشعوب والأمم والبلدان التي مرت بظروف قريبة الشبه بما مررنا به ولعلنا لا نخطأ التصور عندما نشير إلا ما حققته دول عربية وإسلامية من تطور وتقدم في قطاع التعليم مستفيدة من تجارب الآخرين.
الانظمة التعليمية
السؤال الذي يندفع مترادفاً مع سرعة التفكير هو ماذا عملنا وما حققنا بغية إيجاد مؤسسات علمية تعليمية قادرة على قيادة النهضة والوثوب إلى مراتب أعلى وأرفع مع كثرة المحاولات والدعوات الفكرية الإصلاحية التي أطلقها وعمل بها مفكرون وإصلاحيون مسلمون للولوج إلى عالم التقدم والتطور وقد بدأت هذه المحاولات والدعوات منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي هادفة إلى إيجاد توازن علمي مع بقية العالم سواء عن طريق الأخذ او التوفيق أو التجسير مع ما قدمته البلدان المتقدمة من علوم ومعارف وحتى فكر ولكن الهوة ما زالت سحيقة وواسعة وذلك يعود لأسباب لسنا في إطار ذكرها ومناقشتها. المعروف إن العراق ومنذ ثمانينات القرن العشرين قد مر بظروف وحوادث خطيرة وجسيمة تمثلت بما شهده البلد من حروب وحرائق مشتعلة استمرت حتى بداية القرن الواحد والعشرين عندما سقط نظام البعث في نيسان 2003 وقد أدت هذه الحوادث الكبيرة والحروب المستعرة إلى تخريب واسع في قطاع التعليم بكافة مراحله وصفوفه وإنحلال وتفكك لاصوله وهيبتة فانتشرت الفوضى والفساد في مرافق التربية والتعليم المختلفة لم تستطع كل المحاولات لايقاف حالة التدهور والإنحطاط لأن هذه المحاولات لم تكن بالجدية المطلوبة ولم تتوفر لها مقومات التوفيق وفي كل الأحوال فأن ذلك لا يعني إن قطاع التعليم في العراق قد فقد رصانته وثقله وإمكانياته بل في وسط هذا الحطام نرى إشعاعات وقبسات وروح نشطة تدل على حالة التوهج والمقدرة والإمكانية.
ما هي الأسباب
لابد لنا ونحن نخوض في هذا الموضوع الخطير العودة إلى الجذور والأسباب التي قادت إلى تردي حالة التعليم والتربية في البلاد ولعل في محاولاتنا هذه معرفة العلل التي رافقت ظاهرة الحروب والحرائق أو كانت نتيجة لها فالخلل بدأ عندما زج المعلم والمدرس والاستاذ الجامعي في أتون تلك الحروب وهو الحال الذي ينطبق على الطالب حين جرت سياسة عسكرة المجتمع بكافة قطاعاته وسيق الطالب والاستاذ إلى حضيرة عسكرية واحدة دون الإلتفات إلى مخاطر إزالة هيبة الاستاذ والتلاعب بشخصيته العلمية بل إن الأمر الأكثر خطورة حصل عندما أدخلت السياسة الواحدية والتطرف الأيدلوجي إلى المؤسسات التعليمية فأمسى الطالب مسؤولاً حزبياً عن إستاذه فضاعت قيم التربية والتعليم وتفككت العلاقات التقليدية الضرورية لقيام نظام تعليمي صارم وحازم ومنضبط في الوقت الذي قلت المخصصات المالية للتربية والتعليم وأصبح كل شيء موجه من أجل المعركة ورماد حروبها وهذا ما فعل فعله في إضعاف التعليم بكل مراحله وشح مصدر رزق الاستاذ والمعلم والمدرس عندما أصبح معاشه الشهري لا يكفيه لسد متطلبات معيشته مع أفراد أسرته فصبر واحتسب البعض وإنساق وراء الفاقة ووجع العوز والحاجة آخرون وهنا بدأ الفساد ونمطية الارتشاء والتهاون والتساهل سواء في مسألة التدريس وتبسيط القدسية العلمية وفي إزالة الفوارق بين المجتهد والكسول وبين الطالب المتفوق وشبه الأمي وكانت النتيجة النهائية ومحصلة نهاية العام الدراسي أن تقدم الاثنان دراسياً دون تمييز وكأن الفساد أرخى بكلكل المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون والا نكى والاقبح من ذلك وهو ما حصل في المراحل الجامعية ان الطالب اللا مثابر وغير المجد رجحت كفته عندما منح ونتيجة لفساد نفوس قليلة وشاذة درجات أعلى أهلته للدراسات العليا على حساب الآخرين.
التغيير والاصلاح
إن ذكر الأخطاء والعيوب والسلبيات واشكال التدهور لا يعني بأي حال من الأحوال إن الوضع التعليمي منهار بل هي دعوات للإصلاح والتغيير وإعادة البناء ووضع الضوابط والأسس الصائبة للنظام التعليمي وهذا يحدث حتى في البلدان التي تشهد رصانة تعليمية ومؤسسات علمية مقتدرة فالسعي نحو الأفضل والكمال هو الهدف والمبتغى، وحتى لا يكون الأمر مجرد سرد لأخطاء وعثرات فأننا نقدم مجموعة من المقترحات والحلول التي نرى انها قد تساهم في ما نسعى إليه وجاءت بعض هذه المقترحات والحلول من بعض الأساتذة والمدرسين الذين لهم آراء وافكار جديرة بالإهتمام والحقيقة إن مسألة إستقلالية الجامعات والتعليم العالي حصراً يأتي في مقدمة هذه المعالجات إذ لابد من إبعاد الحرم الجامعي والدراسة الجامعية من كل التأثيرات والمؤثرات السياسية وغيرها وإبقاء هذه المؤسسات كرمز للإستقلالية والرصانة والعمل العلمي والأكاديمي بالإضافة إلى منح الجامعات بجهازها الإداري صلاحيات واسعة ومركزية بعيداً عن سيطرة البيرقراطية الوزارية والأوامر العليا حتى تتمكن من إبراز نشاطات وأعمال المسؤولين عليها وتأكيد مسألة المنافسة والكفاءة بين مختلف الجامعات وقد تصل هذه الدعوات الإستقلالية للجامعات إلى حد فك ارتباطها بوزارة التعليم العالي وجعل الجامعة هي المرجع الوحيد في إدارة النظام التعليمي ويأتي هذا متناغماً مع توفير الإمكانات والتقنيات وإدخال الحداثة العلمية إلى المؤسسات التعليمية وتجاوز حالة البطئ والركود الحالي في مجال التحديث والتوسعة وهذا يرجع بالأساس إلى عناية الحكومة المركزية ودعمها المالي لتطوير البنى التحتية والمرافق العلمية للجامعات بما تحتاجه من خدمات وتقنيات في هذا الجانب وكذلك لابد من الالتفات إلى مسألة الإهتمام بالحالة المعاشية للأساتذة والموظفين والإداريين.
الكليات الاهلية.. الرافد الجديد
ومن ناحية أخرى وبعد الأنفتاح الذي شهده العراق عمل الكثيرون من أصحاب المروءة وحب العلم على فتح مجموعة من الكليات والمعاهد العلمية التي فتحت ابوابها لمن لديهم الإرادة لتحصيل العلوم والمعارف ورفع مستواهم الأكاديمي والوظيفي فأن الضرورة تدعو الحكومة المركزية إلى دعم ومساندة التعليم الأهلي بأعتباره رديفٌ ومساندٌ للتعليم الحكومي وإذا ما لاحظنا النظام التعليمي في الدول التي اعتمدت على التعليم غير الحكومي نرى المستوى الراقي الذي وصل إليه هذا النوع من التعليم في هذه البلدان وما قومه من علماء واساتذة كبار كان لهم صيت كبير في مجالات العلوم والمعارف المختلفة وفي هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال تتنافس الجامعات الأهلية مع الحكومية تنافساً كبيراً بل في الكثير من الأحيان يتفوق على التعليم الحكومي وإذا أردنا النجاح في تجربة التعليم الأهلي لابد من إزالة العراقيل والمعوقات التي تقف في طريقه وتأتي في مقدمتها عزوف الأساتذة عن العمل في الكليات الأهلية نتيجة فقدان الضمان والميزات المتوفرة في الجامعات الحكومية من تقاعد وزيادات في الرواتب والرعاية والامتيازات في مجال السكن والبعثات والترقيات العلمية، وبمساوا ة النظامين يأتي التنافس العادل والمشروع ومنه يخرج الابداع والتطوير الذي هو الهدف الأساس لرفع مستوى التعليم من أجل البناء والوصول إلى مصاف الدول الأخرى المتقدمة. وفي مجال التعليم الأولي (الابتدائي ـ المتوسط ـ الإعدادي) لابد من النظر إليه من زوايا مختلفة بوصفه الأساس الذي تطلق منه المسيرة العلمية في كل البلدان، والحقيقة ان هذا التعليم يواجه مجموعة كبيرة من المشاكل تقف الحكومة المركزية ومن بيدهم السلطة موقفاً غير واضح ومفهوم منه في الوقت الذي كان من الضروري تشكيل هيئة عليا متخصصة من اصحاب الكفاءات للإشراف والتطوير وإعادة إعمار هذا القطاع الأساس وما نلاحظه ضعف وقلة الدورات التطويرية للمعلمين والمدرسين وهبوط في مستوى البعض من هؤلاء وهو ما أثر سلباً في مستوى الطلبة حتى بتنا نرى طلبة وهم ينتقلون من مرحلة دراسية لأخرى دون أن يتمكنوا من القراءة الصحيحة أو الكتابة السليمة الخالية من الأخطاء بينما كان من يكمل الصف الأول الابتدائي قادراً على القراءة والكتابة وربما ذلك يعود إلى ما ذكرناه سابقاً من ضعف وتدهور الحالة المعاشية لفئة المعلمين والمدرسين مما أدى إلى ضعف الوازع العلمي عند البعض وإنشغالهم في أعمال آخرى تجارية ومهنية لسد حاجتهم المعيشية وكذلك هذا الإهمال غير المبرر للأبنية المدرسية وعدم التوسع في إنشاء المدارس الجديدة إذ أربك ذلك الكادر التدريسي بوجود عشرات التلاميذ في الصف الدراسي الواحد ولا أدري كيف يستطيع أي معلم إدارة صف يضم سبعين طالباً صغيراً يتعلمون الألف والباء وكيف ستصل المعلومات إليهم هذا إذا ما علمنا إن بعض الصفوف خالية من المقاعد مما يجبر الطلبة على إفتراش الأرض فضلاً عن انعدام وسائل الإيضاح والتعليم والأجهزة الحديثة .
إن الهدف الأساسي من التطرق إلى موضوع التربية والتعليم هو محاولة للتحذير من الاستمرار في اغفال هذا القطاع وضعف الاهتمام به أو التستر على سلبيات نراها في التجسيد الواقعي فتغطية العيوب والأخطاء والسكوت يعني تضخم حالة التدهور وإتساعها بدل معالجتها والتخلص من أعراض امراضها ما دامت في بدايتها مثلما فعل غيرنا وحقق طفرات مهمة في مجال التربية والتعليم .