شبهات وردود

تحاول مجلة النجف الأشرف من خلال منبرها شبهات وردود التصدي للشبهات المثارة ضد الاسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) من قبل أعدائهم ومبغضيهم حقداً وحسداً من عند أنفسهم والاجابة عليها بأدلة عقلية ونقلية مقنعة لا يختلف عليها أثنان.
وسيحاول قسم الشبهات والردود في مجلة النجف الاشرف في هذا العدد ان يجيب على مجموعة من الاسئلة والشبهات المثارة حول مسألة التقية والتي وردت اليها من قرائها الاعزاء ، كما يسر منبر النجف الأشرف ان يجدد دعوته واستعداده لاستقبال مختلف أسئلتكم واستفساراتكم حول الشبهات المثارة ضد الإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام) وتفتح أبوابها لطلاب الحق والحقيقة كي يشاركوها في هذه المسؤولية الإلهية الكبرى.
يمكن ارسال الاسئلة والشبهات والمشاركات على العنوان الإلكتروني gheyth@alnajafalashraf.net او najaf@alnajafalashraf.net أو الى مكتب بريد النجف الاشرف ص.ب 365.

 الاخوة الاعزاء في قسم شبهات وردود، حبذا لو تساعدوني بفهم معنى التقية من خلال منبركم المبارك هذا ؟ وهل التقية نوع من أنواع النفاق؟
محمد حسين البصري / قضاء ابو الخصيب/البصرة:
التقية: في اللغة، اسم للفعل أتقى يتقى وفي الاصطلاح الفقهي على ما ذكر بعض الأعلام هو التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في فعل أو قول مخالف للحق .. وقد ذكرت في القرآن الكريم إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ {آل عمران/28} وذكرت في روايات أهل البيتF كقولهA : (التقية ديني ودين آبائي وأجدادي ) وغيرها.
اما بخصوص الشطر الثاني من سؤالكم ايها الاخ العزيز،فالتقية تفترق عن النفاق بل هي نقيضه إذ التقية أظهار الباطل وإخفاء ما يعتقده أنه حق أما النفاق فهو إظهار الحق وهو يعتقد الباطل ومثال الأول إفطار الإمام
(عليه السلام) في أخر رمضان مع أنه يعتقد أن هذا اليوم من رمضان وأن كونه يوم عيد باطل، لكنه أفطر تقية عندما طلب منه الخليفة العباسي الإفطار، ومثال النفاق هو ما كان يفعله اليهود وبعض الصحابة من إظهارهم الإيمان بنبوة النبي المرسل وهم يعتقدون عدم ذلك ، فهم قد اظهروا الحق وخفي ما كان في قلبهم من باطل ، أما التقية فهي كما أسلفنا كتمان ذلك الحق وإظهار الباطل مراعاة ودفعا للضرر وحفاظا على الدين كما في شأن عمار بن ياسر حينما اظهر كلمة الكفر أي إنه أظهر الباطل مع إنه يعتقد الحق والإيمان بالله ومنه يظهر قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) أي أن إظهار كلمة الكفر عند الإكراه واطمئنان القلب مستثناة لان الله جعل مناط الإيمان التصديق القلبي كما في قوله تعالى:(قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ايها الاعزاء كيف تفسرون هذه الرواية (التقية ديني ودين آبائي )؟ وهل التقية خطيرة لهذه الدرجة بحيث يجعل منها الإمام الصادق
(عليه السلام) (دين) ومن لا يتقي لا دين له؟!
احسان عبد الله /الحلة :
التقية من التشريعات الإسلامية والتي نستطيع أن نسميها تشريعا دفاعيا فإن تشريع التقية إنما هو للحفاظ على أرواح المسلمين ومعلوم أن الإسلام لا يتقوّم في ارض الواقع إلا بوجود المسلمين فنفي المسلمين وإهلاكهم يلزم منه نفي الإسلام العملي والخارجي وبهذا كانت التقية من الفروع المهمة وكما روي عن الإمام الصادق
(عليه السلام): (أن قلت تارك التقية كتارك الصلاة ما كذبت). وتارك الصلاة كما هو معلوم من الأحاديث إن كان استخفافا وناتجا من عدم تصديق الرسالة المحمدية كان كفرا وبهذا المعنى نستطيع أن نقول أن تارك الصلاة لا دين له وبهذا المعنى نستطيع أن نقول أن تارك التقية لا دين له .
هل تؤثر التقية على الدين بحيث يضمر الدين وتختفي معالمه خصوصاً بالنسبة للمسلمين في الدول الأخرى الذين يضمرون العداء لأهل البيت
(عليهم السلام)؟ افيدونا رجاءا.
ناصر الدوسري / القطيف/ السعودية:
محصل الإشكال إن التقية تتسبب في اضمحلال الدين وضموره ، والجواب عنه أن حصول الاضمحلال والضمور في منطقة ما اذا حصل فانما يحصل بترك التقية اذ بتركها يهلك كل مؤمن بالحق فلايبقى احد يؤمن ويحمل الايمان وعندها يكون سبب الاضمحلال ليس التقية وإنما هو من يُتقى منه اي الظالم وترك التقية منه، فالمسلم يحاول أن يتقي من إظهار عقائده الحقّة بسبب الظالم مثلا ولو لم توجد تلك التقية لمحق الدين حتما أما معها فيبقى هناك مجال لعدم اضمحلال الدين وضموره، وتوضيح ذلك ؛ أن الظالم إنما يريد أن يمحق الدين ويقتل كل من هو خلاف عقيدته فيحاول جاهدا محق الدين بأن يقسم الناس قسمين؛ الأول من يتبع عقيدته (عقيدة الظالم) فيتركه حيا ، والقسم الآخر من يتبع غير عقيدة الظالم فيقضي عليه وهنا محصل النتيجة انه لن يبقى من الناس إلا من يتبع الظالم وهنا سيمحق الدين حتما لأنه سيعدم ويهلك كل من يحمل الدين لكن مع وجود التقية تنقلب المعادلة فحينما يظهر القسم الثاني من الناس توافقهم مع عقيدة الظالم مع إنهم يعتقدون بخلافها فسوف يبقى ذلك الاعتقاد القلبي موروثا من جيل إلى جيل في قلوب حامليه أما مع عدمها فسوف يمحق الدين، إذن التقية شرّعت وأسست للحفاظ على الدين بالحفاظ على حامليه فهي أساسا إنما شرعت لعدم حصول تلك الحالة وهي محق الدين .
كيف تفسرون حالة من تضرروا من زوار الإمام الحسين
(عليه السلام) بعصور منصرمة أو من قتلهم النظام البائد؟ هل يلامون لأنهم لم يتقوا ورموا بأنفسهم في التهلكة؟ أم كيف تفسرون هذا الأمر؟
علي عباس المعمار/النجف:
قبل البدء بجواب هذا السؤال نود أن نشير أن هناك جملة من الروايات عن أهل البيت
(عليهم السلام) في ثواب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) خائفا والتي وردت في كتاب كامل الزيارات، منها ما روي عن زرارة عندما سأل الباقر(عليه السلام) : ما تقول فيمن زار اباك على خوف ، فأجابه الباقر(عليه السلام) : يؤمنه الله يوم الفزع الاكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ، ويقال له لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك).
وكذلك ماروي عن الصادق
(عليه السلام) حينما سأله ابن بكير وقال له : اني انزل الأرجان ( مدينة من بلاد فارس ) وقلبي ينازعني الى قبر ابيك ، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى ارجع خوفا من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح (أي أصحاب السلاح وهم الذين يكونون في الثغور - وهي كربايا الجيش في عصرنا الحاضر-)، فقال : يابن بكير أما تحب ان يراك الله فينا خائف ، أما تعلم انه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين(عليه السلام) تحت العرش، وآمنه الله من افزاع يوم القيامة ، يفزع الناس ولا يفزع، فان فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة. وكذلك ما روي عن الصادق(عليه السلام) قال لمعاوية بن وهب: ( يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين(عليه السلام) لخوف ، فان من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان عنده ، أما تحب ان يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله(صلى الله عليه وآ وعلي وفاطمة والائمة(عليهم السلام)،أما تحب ان تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ، ويغفر له ذنوب سبعين سنة ، أما تحب ان تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يتبع به ، أما تحب ان تكون غدا ممن يصافحه رسول الله(صلى الله عليه).
وكذلك ما روي عن الإمام الجواد
(عليه السلام) حينما سأل محمد بن مسلم هل تأتي قبر الحسين(عليه السلام) ؟ فأجابه: نعم على خوف ووجل، فقال(عليه السلام): ما كان من هذا أشد فالثواب فيه على قدر الخوف، ومن خاف في اتيانه امن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وانصرف بالمغفرة ، وسلمت عليه الملائكة وزاره النبي(صلى الله عليه وآله) ودعا له، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله.
وقد يتبادر إلى الذهن لاول وهلة ان زيارة الحسين
(عليه السلام) ليست مندرجة تحت موضوع التقية وليس هذا بصحيح فإن هذه الاحاديث التي وردت عن المعصومين(عليهم السلام)في مدح زيارة الحسين(عليه السلام) على خوف ووجل من السلطان لا تنافي موضوع التقية فإنه لو فرض أن الزائر لا يكون خائفا من احتمال الضرر بل كان متيقنا أو ظانا لحصوله ظنّا معتدا به و كان الضرر المتيقن مما لايمكن تحمله عادة فإنه يكون مأمورا بالتقية كما ورد في رواية يونس بن ضبيان حينما سأل الصادق(عليه السلام) عن زيارة قبر الحسين(عليه السلام) في حال التقية فأجابه الصادق(عليه السلام) قائلا : إذا أتيت الفرات فاغتسل ثم البس أثوابك الطاهرة ، ثم تمر بازأ القبر وقل: صلى الله عليك يا ابا عبد الله، صلى الله عليك يا ابا عبد الله ، صلى الله عليك يا ابا عبد الله . فقد تمت زيارتك. فنرى الإمام(عليه السلام) قد أقر السائل ببقاء التقية في الزيارة فيستفاد منه عدم المنافاة بين الزيارة وحكم التقية أي عدم سقوط التقية عند الزيارة وكذلك أمر الإمام(عليه السلام) بالإقتصار على الصلوات الثلاث فحسب مراعاة للتقية دال على العمل بالتقية في الزيارة .
فزوار الحسين
(عليه السلام) في زمن النظام السابق كان يغلبهم الشعور بالخوف من الظالم وكانوا يحتملون نجاتهم من الظالم احتمالا معتدّاً به، فلذلك تكون التقية في تلك الحالات رخصة وليست عزيمة كما قد فصل الشيخ الأنصاري قدس سره في التقية الواجبة وغير الواجبة ، وهذا نفسه ينطبق على الأزمان السابقة ، والبحث في المقام له إجابات كثيرة تكون تلك الروايات من باب الورود أو من باب الحكومة وغير ذلك مما ليس هنا مقام ذكره.
نحن مجموعة من أتباع أهل البيت
(عليه السلام) نسكن في مناطق اطلق عليها اصطلاحا بالساخنة، اضطررنا في وقت من الاوقات إلى البراءة من علي وآل علي(عليه السلام)، هل يدخل عملنا هذا ضمن التقية ؟ام اننا اقترفنا ذنبا عظيما بفعلنا هذاكما ينقل عن الامام علي(عليه السلام) قوله(سبونا ولا تتبروا منا) ،اجيبونا رجاءا فنحن قلقون جدا..؟
مجموعة من المؤمنين/ بغداد
البراءة تطلق مرة على الاعتقاد القلبي وهي فعل من أفعال القلوب والوجدان وأخرى على التلفظ بها ، والأولى لا يمكن تصور الأكراه فيها فلا يمكن تصور التقية فيها أصلا ، أما الثانية وهي البراءة اللفظية فهي محل الكلام.
فنقول في البدء ان الحديث المروي عن أمير المؤمنين علي
(عليه السلام) : مرسل بل ويكذبه الخبرالمروي عن الصادق(عليه السلام) حينما سأله مسعدة بن صدقة وقال إن الناس يروون أن عليا(عليه السلام) قال على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤوا مني ، فقال الصادق(عليه السلام): ما أكثر ما يكذب الناس على علي(عليه السلام)، ثم قال : إنما قال : إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ، ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد ، ولم يقل : لا تبرؤوا مني . فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال : والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان ، فأنزل الله عز وجل فيه " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي(صلى الله عليه وآلله) عندها : يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عز وجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.
وأما ما روي في الكافي عن رجلين من أهل الكوفة اخذا فقيل لهما : ابرئا من أمير المومنين فبرئ واحد منهما وأبى الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر ؟ فقال : أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرء فرجل تعجل إلى الجنة . فإن هذا الحديث ظاهر على ان الشخص الأول قد وصفه الإمام بالفقاهة في دينه أي المعرفة ومن المعلوم ان مورد المعرفة في خصوص هذا الحديث هو معرفة حكم التقية وبالمقابلة يُعلم عدم فقاهة الشخص الآخر وعدم علمه بحكم التقية ومع عدم العلم يسقط التكليف الفعلي في التقية ولا يعاقب بتركها بل قد يثاب لأنه علم بما يعلم فهو رجل تعجّل الجنة أي إنه لم يأثم لأنه إنما ترك التقية لعدم علمه بالحكم لا لعدم عمله بالحكم. وكذلك هذه هي المسألة من المسائل التي كثر فيها البحث وما ذكرناه يغني في مقامنا هذا.
هل التقية تتنافى مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا يكون تعارض بين حكمين، كيف تفسرون ذلك؟
كامل محمد المختار/ الديوانية
أنه لا تعارض واقعا بين وجوب الامر بالمعروف ووجوب النهي عن المنكر ووجوب التقية لأن وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بخمس شروط ومن أهم هذه الشروط عدم تحقق الضرر على الآمر والناهي فبهذا ينتفي التعارض فيتم الوفاق بين وجوب التقية ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبعبارة أخرى أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يكون عاصيا بتركه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الضرر لأنه لن يكون مأمورا أصلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.