|
هندسة البناء
العراقي
|
 |
|
بقلم : رئيس التحرير |
من الأمور التي لا يستغني عنها المهندسون في بناء أي
مُنشأ، معرفة المحصلة فكل نقطة في التركيب توجه إليها عدة قوى باتجاهات مختلفة
والقوة النهائية الناتجة من تراكب هذه القوى يسمونه (المحصلة) (Resultant)
والتي تكون ناتجاً لعزوم مختلفة وقوى متباينة وبالتالي يمكنهم توجيه العنصر
المسلطة عليه هذه القوى لفائدة المجموع المطلوب. وإذا نظرنا عن كثب للساحة
السياسية في العراق نجد أن القرار العراقي ليس ملكاً صرفاً لقوّة معيّنة بذاتها
مهما كان تأثيرها أو اتجاهها، مهما كان مقدار وجودها العسكري أو السياسي، مهما
كانت تمثل من نسبة الرأي العام العراقي أو العالمي. بل أن مسار القرار العراقي
هو محصلة نهائية لتلك القوى كماً واتجاهاً. وهذه الحالة لا يظنّها البعض أنها
سلبية أو شاذة بل هي الحالة الطبيعية خاصّة في بلد مثل العراق حيث يرتكز الصراع
العالمي اليوم كله عليه.
وإذا أردنا أن نعدد تلك القوى داخل (الألمنت) السياسي نجدها ذات اتجاهات
متباينة وبكميات متباينة تختلف شدتها في الواقع العراقي باختلاف الاحداثيات
الثلاثة : المكان، الزمان، الحدث.
والدستور العراقي الذي كتبه العراقيون لا يشذ عن تلك القاعدة أيضاً فليس هو إلا
محصلة لتلك القوى والتيارات ولذا لا تجد أنه قد طابق مصالح أو مطالب فئة معينة
بالكامل وليس هذا إلا لأنه كان محصلة للقوى العاملة فيه. وعلى السياسيين أن
يلتفتوا جيداً إلى مقادير تلك القوى واتجاهاتها في كل نقطة توتر ويحسبوا بحساب
رياضي دقيق كيف يمكنهم توجيه دفّة مسار القرار السياسي العراقي إلى جانبهم،
فالقضية ليست عشوائيةً كما تبدو للناظر من أول وهلة وليس من فائدةٍ لإلقاء
اللوم على أي قرار يصدر في العراق على أي جهة معيّنة فالقضية محسوبة والشاطر في
الحساب هو من يكسب. وإذا كانت الإنتخابات على الأبواب وقد رشّح جمعٌ غفير
أنفسهم لصيانة العراق وبنائه فعليهم أن يعرفوا أن أمامهم هذه المرة طريق صعب
للبناء فإن فقدوا الكفاءة في دبلجة القوى فقدوا أنفسهم، وعليهم أن يتذكروا من
الآن أن ما أقدموا عليه ليس مغنماً كما يتصور الكثيرون بل مَغرمٌ كما يقولون،
وعجيب أن يتهافت الناس على المغارم إلا إذا أحسنّا الظن وعسى أن لا يخلوا ذلك
الجمع من محبي المغارم.
الفترة القادمة بُعيد الإنتخابات المتمثلة بأربعة سنوات هي فترة بناء الهيكل
العراقي بعد أن كانت الفترة السابقة التي تمثل فترة إنشاء الأساس والتي تمثلت
بكتابة الدستور ومثلما للأساس من أهمية بالغة فإن للهيكلية القادمة أهمّية
يجدها العامّة والناظر أكثر جدواً مع أننا ندرك أن الفترة الأولى هي الأصعب
لكننا نقول أن ما سيأتي سيكون صعباً وتكون الأخطاء واضحة للعيان أكثر من ذي
قبل. ولأن البلد والمجتمع يجب أن يمر بمراحل التكامل كما هو دأب البشر إذ أن
فرقهم عن الحيوانات أن الحيوان يبدأ من حيث بدأ أبوه وأما الإنسان فيبدأ من حيث
انتهى أبوه ولهذا كان حظّه التكامل والعلو وكسنّة كونيّة للخلق كان البشر أكثر
المخلوقات تكاملاً حيث حضت هذه الخلقة بنعمة الإختيار وهي سلاح ذو حدين (إما
شاكراً وإمّا كفورا) ولذا ترى المرجعية الدينية من رؤيتها الواسعة للمجتمعات
البشرية أنها تريد من العراقيين أن يتعلّموا من الآن الإعتماد على أنفسهم في
بناء العراق، فها قد أوصلتنا تلك التوجيهات في المرحلة السابقة إلى بر الأمان
وإلى إتمام الأسس فعلينا أن نكمل البناء بذات الصبر والصلابة التي كنا عليها
أيام الأسس، وتجدها أي المرجعية أنها لم تدعم أي قائمة في الإنتخابات القادمة
لكي تدعم العملية السياسية وتزيدها قوّة لا تستند إلى غيرها فهذه لطائف الأب
على أبناءه الذين أراد لهم أن يكملوا مشوارهم حاملين على أكتافهم آمالهم في
قُفَّةٍ تتقاذفها الغربان من كل حدب وصوب لتسرق منها بصيص أملهم. |