الافتتاحية
  

 

 

 

 

ثلاث كلمات من العراق

 

بقلم رئيس التحرير

 

 تمر على العراقيين يومياً الكثير من الأحداث والمواقف التي يكتنفها العجب، وكعراقي مرت بي هذا الشهر وكالعادة مواقف عدة، ولكن ثمة مواقف ظلت تتردد في ذهني وانا على فراش المرض في الأسابيع الثلاثة الأخيرة.


الموقف - 1 - الدائرة المربعة
 

 لم يدر في خلد اقليدس وهو يخط بأنامله على رمال أثينا الدافئة اشكاله الهندسية ليؤسس هندسته المستوية أنه سيأتي اليوم الذي ستوصف الدوائر التي يرسمها بأنها مربعة ... أو مثلثة ... أو مستطيلة ...! ولم يكن أرسطو يتوقع يوماً وهو يدوّن اسس منطقة ان يأتي اليوم الذي سيكون اللاعقل واللامنطق اساساً لعقول البعض ومنطقهم. ولم يكن افلاطون المسكين او غيره من فلاسفة اليونان يتوقع انه سيأتي اليوم الذي تكون فيه الديموقراطية ديكتاتورية!. فهاهم بعض الأخوة في جمعيتنا الوطنية يرفعون بين جلسة وأخرى شعارهم (الدائرة المربعة) في اروقة قرارات الجمعية الوطنية وهم ما فتئوا يطالبون بتنفيذه ، لماذا؟ . لا لشيء، الاّ لأن قيادتهم هناك قررت ذلك!! وان حدث وصوتت اغلبية الجمعية الوطنية ضد أي قرار لهم، فإنهم سيصرخون حتى انقطاع النفس بأنها عودة للديكتاتورية ولكنها هذه المرة (ديكتاتورية الأغلبية) وتظل تلك الكلمة تتردد على السنتهم فهي الكلمة الأولى منذ عامين او اكثر، وهي كلمة خاوية لا معنى لها ، فيا اعزائي الديكتاتورية تعني حكم الفرد على الغالبية والديموقراطية تعني حكم الغالبية على الفرد، فانظروا إلى محصل كلامكم، أنه ... دائرة مربعة .. بل أنها مثلثة حتى!! والانكى من ذلك كله حين يخرج ممثل لكتلة برلمانية كبيرة على شاشة احدى الفضائيات ليقول : ((لا نقاش في ما أقول ... نريد 65% من النفط وإن كركوك للأكراد، لا نقاش ، لأن قيادة هذه الفئة البرلمانية قررت ذلك ولأن المعارضة كانت قد اتفقت في مؤتمر صلاح الدين على ذلك... فيجب ان ينفذ ما قرر هناك)) فإذا كان الأمر كذلك فما جدوى الانتخابات أم أن أكثر من ستة عشر مليون شخص ليس لرأيهم قيمة في مقابل قول تلك القيادة!! ام ان الديموقراطية وجدت لها مفهوما جديداً في بعض مناطق العراق، أرى ان نترك هذا الاسفاف والتعنت ولنفكر بجدية في بناء العراق.
اقول : لا دائرة مربعة ولا مؤتمر صلاح الدين.. العراق يقرره كل العراقيين.


 الموقف - 2 - (حماس ستحرر العراق)


كنت انتظر اليوم الذي ستكشف فيه (حركة حماس) عن وجهها الحقيقي وعن رائحتها التي تزكم الأنوف وها هي الأيام... فبعيد تفجيرات لندن، انتفضت (حماس) لتستنكر ذلك الفعل الإجرامي الإرهابي والذي راح ضحيته المدنيون اللندنيون، ولتأمر من يريد الجهاد أن يتوجه من لندن إلى العراق!! فالعراق كله أعداء ... أطفاله أعداء ... نسائه أعداء ... شيوخه أعداء... فلا مانع أن لم تجد جندياً أمريكياً لتقتله، فأذبح بدلاً منه طفلاً عراقياً فهو عند الله أكثر ثواباً!! نعم فليذهب إلى العراق وليجاهد الطفولة فتمزيق أشلاء (36) طفلاً من أروع ملامح الجهاد عندهم! اتعلمون لماذا أمرت (حماس) بالجهاد في العراق؟ .. لأن فلسطين قد حررت ولا وجود الآن لإسرائيل في القدس!! ولأن العلم الإسرائيلي الذي تعوّد أن يرفرف بعز في سماء مصر والأردن وغيرها قد مزقه (اخوانكم المجاهدون) !! ولان القوات الامريكية في معسكر السيلية قد غادرت قطر!! وكذا الحال في السعودية فان الملك الجديد الذي انتخبه الشعب !! قد طرد القوات الأمريكية من اراضيه !! وان مياه الخليج اصبحت تشكو من قلة البارجات الأمريكية بأمر من أمير اسماك القرش هناك. ولم يبق من القوات الأمريكية إلا في العراق وحكومته التي لم تعرف ما هي الانتخابات !! أليست هذه هي المعادلة التي قٌلبت موازينها!! في الوقت الذي ما برحت بعض القنوات الفضائية تصف التفجيرات التي تعصف برؤوس الأطفال (مقاومة) لكنها تسمي تفجيرات (شرم الشيخ) او الرياض (ارهاباً) فان القتل في العراق له عنوانه (مقاومة وشريفة) والذبح في العراق له طعمه الخاص الشبيه بطعم العسل في أفواه التكفيريين ! ورؤوس أطفال العراق لها طعمها الخاص الذي لا يضاهى. أقول : لا نطلب منكم ِإخواننا العرب الإنصاف ، ولكننا نطلب منكم، القليل من الحياء!!


 الموقف - 3 - جناب الوالي والكهرباء


 يحكى في التاريخ ان والي الكوفة (سعيد بن قليل) لما اخطأ عامله في دائرة الكهرباء وقطع عن بلاط الوالي ومنزل السلطانة خاتون الكهرباء ساعتين قام الوالي بطرده من هذا المكان إلى مكان آخر ونسي ان امير الفقراء كان يجلس في داره الصغير من غير نور ولا ماء!! نعم حدث هذا في التاريخ وسيذكره الناس في يوم القيامة، وسيذكرون ويقولون حين تجاهل الصغار آبائهم... وسقطت الأقنعة وظهرت للجميع عيون لم تبصر النور وقلوب لم تعرف الرحمة .
فإلى كل ولاة الأمصار والسلاطين: إذا أردتم أن تتحسن الكهرباء فما عليكم إلا أن تعيشوا يوماً واحداً بدونها.. فإنكم لن تعرفوا تلك المشكلة بحق ما لم تعيشوها، وإني متأكدٌ أنكم لو جرّبتم ذلك فإن المشكلة ستحل بعد نصف نهار ولن تثنيكم قوى الارهاب والظلام بعدها لأنكم تكونون حينها قد عشتم مع شعبكم.