مسيرة المواكب الحسينية في
الذاكرة الكربلائية
اجرى اللقاء / السيد عقيل الموسوي
تصوير/ غزوان العيساوي
قال الامام الصادق(ع) لفضيل تجلسون وتتحدثون ؟ قال: نعم جعلت
فداك ، قال ان تلك المجالس أُحبها فأحيوا امرنا يا فضيل رحم الله من احيا امرنا ،
يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه
ولو كانت اكثر من زبد البحر.
وقال(ع) لأبي عمارة المنشد ، أنشدني في الحسين بن علي. قال: فأنشدته فبكى ثم انشدته
فبكى فو الله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار فقال: يا أبا عمارة من
أنشد في الحسين بن علي(ع) فأبكى خمسين فله الجنة ومن انشد في الحسين(ع) شعراً فأبكى
اربعين فله الجنة ومن أنشد في الحسين(ع) فأبكى ثلاثين فله الجنة ومن انشد في
الحسين(ع) فأبكى عشرين فله الجنة ومن انشد في الحسين(ع) فأبكى عشرة فله الجنة ومن
انشد في الحسين(ع) شعراً فبكى فله الجنة ومن انشد في الحسين(ع) شعراً فتباكى فله
الجنة.
ويسر مجلة النجف الاشرف ان تستضيف في رحابها الرادود الحسيني عبد الامير السلامي
الاموي ليستعرض لنا تأريخ المواكب الحسينية.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين
.
فيما يخص المواكب الحسينية والمسيرة الحسينية عامة يمكن لنا ان نقسمها الى ثلاثة
مراحل ، مرحلة السبعينات ومرحلة نظام الطاغية ومرحلة ما بعد سقوط النظام ، وسوف
نتكلم عن كل مرحلة وعن ظروفها وعن كيفية آداء المواكب فيها.
المرحلة الاولى : يمكن ان نقسمها الى قسمين :
الفترة الاولى : الخمس سنوات الاولى 1975-1980: المواكب الحسينية في كربلاء كانت
تتسم بالبساطة ومقتصرة على أناس معينين واسلوب معين واضح قديم تسري عليه الرتابة،
هذا الى حد سنة 1975 ، بعد هذه الفترة بدأ النظام السابق يكشر عن انيابه ، ويعلن
محاربته للمواكب الحسينية بشكل أو بآخر. ففي بادئ الامر تم منع المواكب الحسينية
وكان المنع تدريجياً وأحس الناس أن هناك أمر مدبر.
في سنة 1980 منعت المواكب الحسينية بشكل تام ، السنوات الخمس من السبعينات كانت
المواكب الحسينية تتسم باحياء الذكرى والشعائر الحسينية كما هي متعارفة ، اما بعد
سنة 1975 الى سنة 1980 اتسمت المواكب الحسينية بالمسيرات والتجمعات الاحتجاجية
لمقارعة النظام، وبهذا فقد ارست نهاية السبعينات حالة وأسس جديدة للمواكب الحسينية
تختلف عن سابقتها من السنين، وواكب هذه العملية ظهور الصرخة الكبيرة لآية الله
العظمى السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر وتحركه على الساحة ، وبدأ هذا التحرك
من مواكب الجامعات ، ففي ليلة العاشر كان هناك حدث مهم تتلهف الناس له وهو مواكب
الجامعات ، فكانت الثقافية الحسينية متأججة في هذا الوقت ، تبقى على ما هي عليه كان
يصل الى المواكب الحسينية دعم لا محدود على يد احد الأخوة وهو الحاج اسعد من قبل
سماحة آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) فهذا الدعم المادي والتوجيه المعنوي
من قبل السيد محمد باقر الصدر كان مبدأ لإرساء معالم جديدة للمواكب ترك لدينا
انطباع جديد وحفزت لدينا روحية خاصة عن المواكب الحسينية جعلنا نتمسك ونستمر بهذه
المواكب والى يومنا هذا . فمرحلة ما بعد سنة 1975-1980 مرحلة تهيئة جديدة لأجيال
متعاقبة بنظرة حسينية جديدة ، واستطاعت هذه المرحلة محو ما كان ملصق بالمواكب من
امور غير لائقة.
فهي مرحلة تحدٍ للشباب فاذا منع موكب من الخروج يخرج الموكب رغم وجود الاجهزة
القمعية للنظام السابق وجهازه الحزبي، فقد كان والدي الحاج مهدي يصعد على منبر عزاء
طوريج ويقرأ قصيدة كلماتها تمس النظام.
وفي سنة 1980 تم انهاء المواكب الحسينية من قبل الانظمة القمعية.
ما بعد 1980 بدأت الحرب العراقية مع ايران والتي فرضت على الشعبين، واخذت الحرب
الكثير من الشباب الى ساحات القتال وفي ذلك الوقت قلة المواكب الحسينية واقتصرت على
المجالس الحسينية ، وبعد سنة 1982 منع حتى المجلس الحسيني ، وفي سنة 1984 منع حتى
المقتل الحسيني من القراءة.
عندما منعت المواكب الحسينية على المستوى العام ، الناس لم تترك المواكب فبدأت
الحركة في البيوت ، فأحد الأخوة لم يقطع المجلس الحسيني في بيته مطلقاً ، ففي كل
اول يوم أحد من الشهر يقيم مجلس عزاء حسيني وكان عدد الحضور يصل الى سبعة اشخاص ،
وفي بعض الاحيان لصعوبة الظروف لا يحضر اي أحد فيقيم المجلس هو وزوجته واطفاله
ويستمعون الى القارئ. وهذا كمثال ، فالسادة بيت آل يحيى كانوا ايضاً مستمرين على
اقامة المجالس الحسينية ويجتمع السيد جعفر والسيد عبد الحسين ويأتي الخطيب ويستمعون
الى المجلس ، ونحن ايضاً في البيت لم ننقطع عن اقامة المجلس، فقد كان الوالد (رحمه
الله) مع بعض الاخوة المؤمنين الذين لا يتجاوز عددهم العشرة ويقام المجلس الحسيني
في ذكرى وفاة الزهراءJ.
فمن سنة 1984 الى الانتفاضة الشعبانية اقتصرت المجالس الحسينية في البيوت، اما
اللطم فكان من النادر ان يقام عزاء لطم خشية من النظام.
وفي الانتفاضة الشعبانية اول ما سمع من الروضتين المقدستين هي القصائد الحسينية،
وبعد الانتفاضة سارعنا الى إعادة المأتم عامة ، وقمت مع بعض الاخوة باعادة المواكب
الحسينية وهم الحاج علي جواد محمود ابو زينة و محمد الرادود وكانت الفكرة في
البداية مبسطة في محل محمد في حي المعلمين، فاتفقنا على اقامة مولود وكانت اقرب
مناسبة هي مناسبة المولد النبوي ، فكانت اول حركة لنا في بيت ابو زينة ، وكان
الحضور لايتجاوز عشرون شخصاً وبالخفية والسر قرأنا قصيدتين وكان هذا سنة 1992.
مباشرة قمنا بالاتصال بالاخوة الحسينين الذين لنا علاقة بهم وموثقون لدينا ، لأننا
عشنا فترة عدم ثقة والتي زرعها النظام السابق ، وكنت انا وابو محمد محمد حسين
الصفار والحاج مهدي المصور وأخوة الحاج مهدي من النخبة الأولى لإحياء المواكب
الحسينية وكان والدي موجّه لنا حيث كان يوصينا بالحذر.
وكانت أول مرة قمنا فيها بلطمية في بيت الحاج مهدي المصور وكنا سبعة اشخاص في غرفة
صغيرة في نهاية البيت. ومن ذلك الحين بدأت المواكب تنشط شيئاً فشيئاً.
وفي تلك الفترة كنا نقوم بزيارات دورية الى مراقد الائمة الاطهار ، وأثناء الطريق
كنا نهيأ قصائد ويتم العزاء من اللطم وغيره في السيارة بالاضافة الى فتح باب النقاش
في السيارة لمداولة وفضح اساليب النظام السابق التي كان يقوم بها وكانت هذه العملية
في قناعتي ناجحة مئة بالمئة حيث انها اخذت ابعاد كبيرة فبدل من ان تكون سيارة واحدة
تقوم بزيارة العبتات المقدسة وصل عددها الى مئة سيارة.
بعد هذا بدأت المواكب الحسينية تأخذ اطاراً اوسع باقامة المجالس الحسينية فلم تقتصر
على البيوت في كربلاء ، بل بإقامتها في المحافظات.
ففي سنة 1995 دُعيت الى مدينة النجف لإقامة مجلس عزاء في احد البيوتات ، ووجدت ان
نفس التحرك حصل في مدينة النجف من احياء المواكب الحسينية ومجالس العزاء.
وفي سنة 1996 حصلت حركة عيظمة جداً في كربلاء حيث زادت مجالس العزاء بشكل غير طبيعي
وصار لدى الناس اندفاعاً كبيراً جداً لإحياء المجالس رغم المضايقات التي كانت
موجودة آنذاك.
بعد سنة 1996 في كربلاء بالذات كان عندنا شخصيتان اخذت على عاتقها التثقيف وكانت
الجموع تتلهف وتتراكض اليهم وهم سماحة السيد احمد الصافي وسماحة الشيخ عبد المهدي
الكربلائي ، وقاموا بمحاضرات على مستوى المحافظة ككل ، وكانت مجالسهم مركز اشعاع
وتنوير لقلوب الشباب والناس الحسينين فتفاعلت معهم الناس تفاعلاً كبيراً وآتت هذه
العملية ثمارها ، فالشعائر والمجالس الحسينية كان لها الأثر الكبير في ربط الناس
بالمرجعية وتثقيفهم على القضية الحسينية باعتبارها ارست قواعد الدين الحنيف.
اما مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين:
قبل دخول القوات الامريكية الى العراق بيومين اقمنا مجلس عزاء وشاءت الاقدار ان
يسقط نظام الطاغية صدام فاليوم الثاني على فتح الصحن الشريف ورأيت توافد الناس عليه
واطلاق شعارات عفوية منها (ابدا وا... ما ننسا حسينا) اقترحت على الشيخ عبد المهدي
باقامة مجلس عزاء صباحاً وعصراً في الصحن الحسيني والعباسي الى حين مجيء مناسبة
وفاة النبي(ص).
وفعلاً تم التصدي لهذا الامر وكانت كربلاء غير واقعة تحت يد النظام آنذاك والنظام
لا زال قائماً في بغداد واستمرت هذه العملية لمدة 20 يوماً وشارك كثير من الاخوة
الرواديد في هذا الامر.
ولابد من الاشارة الى أمر وهو أن عدد المواكب سابقاً كان محدوداً اما الآن فقد
فوجئت بعدد المواكب.
ففي العام الماضي وصل عدد المواكب الحسينية الى خمسين موكباً وفي هذه السنة وصلت
الى مئة وستين موكباً وهذا مفرح ولكن بشرط وهو اننا نريد من هذه المواكب ان تحافظ
على هيبة وروحية المواكب الحسينية.
وأدعو الاخوة الحسينين من خلال المجلة ان يتكاتفوا في وضع دراسة لإنشاء المجالس
الحسينة بما يتناسب مع هيبة المجالس وتنظيمها وروحيتها وتبقى على اتصال مباشر مع
المرجعية حتى لا نسيء الى الشعائر الحسينية ، ومن الله التوفيق والحمد لله رب
العالمين.