|
السبب
في ذلك أمران 1- انه لم يكن له طريق للتواصل
المباشر مع المرجعية، فأعتمد في التعرف على آرائها على ما نقله له بعض
الساسة العراقيين ونحو ذلك، وهذا ما اوقعه في الخطأ والاشتباه احياناً كما
ستأتي الاشارة اليه.
2- ان مواقف المرجعية قد أدّت الى افشال خططه الاولية وواجه بسببها عوائق
واخفاقات متكررة، وقد شعر باحباط شديد جراء ذلك، كما سجله بنفسه في احدى
رسائله الى زوجته قائلاً: (ياله من يوم مريع، ربما تتطور هذه الازمة لتنهي
عملي لانني استطيع ان اتصور الان ان الادارة ستخلص الى انها لا تستطيع
تحقيق اهدافها معي، اذ لم اتمكن من تنفيذ اي من خطتي رغم ان ذلك بسبب
السيستاني في كلا الحالتين..لذا فقد وصلنا الى نهاية اللعبة وحان وقت
استبدال الرامي، ويجدر بالرامي الجديد ان يكون متخصصاً) انظر ص310.
ويبدو انه دون مذكراته في ظل هذا الشعور بالاحباط والاخفاق في انجاز
مقاصده، فلم يكن على ما يفترض ان يكون عليه من حياد وموضوعية. وعلى هذا
فليس من الصحيح الاعتماد على هذه (المذكرات) مصدراً للتعرف على رؤى سماحة
السيد دام ظله وما اتخذه من مواقف سياسية خلال تلك الحقبة التي تحدث عنها
بريمر،وبعد ذلك فلا ضرورة في التعليق على ما ذكره ونسبه الى سماحته بل لعل
السكوت عنه اولى، لولا ان يفسر ذلك لدى البعض - من غير المطلعين على حقائق
الامور- بكونه اقراراً بصحة ما اورده، ويبدو كما لوكان حقائق ثابتة وهو
مخالف لها بكل تأكيد، فهذا ما اقتضى اجابة طلبكم بالتعقيب عليه بصورة موجزة
خدمة للتاريخ وتثبيتاً للحقائق ودفعاً للاوهام.
وفيما يأتي نصوص الفقرات الورادة في الكتاب المذكور التي حاول (منتدى الفكر
العراقي) استيضاح رأي أوساط المرجعية فيها، ملحقة بتعقيب المصدر المقرب من
مكتب سماحة السيد حفظه الله في النجف الاشرف.
العلاقة مع الاحتلال
1- قال الكاتب في ص 75: "شجع القادة الشيعة بمن فيهم آية الله العظمى
السيستاني اتباعهم على التعاون مع الائتلاف منذ التحرير".
التعقيب: هذا الكلام - وفيما يتعلق بخصوص سماحة السيد دام ظله- مما لا أساس
له من الصحة، فانه لم يصدر من سماحته ما يشير الى مقولة (التعاون) ابداً،
ويبدو ان الاصل فيما ذكره هو التصريح الذي ادلى به بعض الوافدين الى النجف
الاشرف في الايام الاولى للاحتلال في مقابلة له مع بعض الاذاعات الاجنبية،
اعتماداً على ما سمعه من بعض الافواه! وقد عرف لاحقاً انه غير صحيح فأدلى
بتصريح آخر لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) نفى فيه صحة كلامه الاول،
ولكن بعض المسؤولين الامريكيين وأطراف اخرى ظلوا متمسكين بالرواية الاولى!!
2- حكى الكاتب في ص213 عن احد مساعديه (هيوم هوران) تحليلاً لعدم استقبال
سماحة السيد حفظه الله لأية شخصية من سلطة الاحتلال مفاده: "انه لا يمكن ان
يشاهد علناً انه يتعاون معنا"، وادعى في ص214 ان سماحة السيد حفظه الله
ارسل اليه من يقول له "انه يفقد مصداقيته في اوساط المؤمنين اذا تعاون
علناً مع مسؤولي الائتلاف".
التعقيب: ان ما نسب الى سماحة السيد دام ظله عار من الصحة تماماً لان موقف
سماحته من عدم استقبال المسؤولين في سلطة الاحتلال وعدم التواصل معهم كان
موقفاً مبدئياً، يعبر عن عدم الاقرار بمشروعية الاحتلال، ويشير الى ان
تعامل سماحته مع ما يجري انما هو على اساس تأمين المصالح العليا للشعب
العراقي قدر المستطاع ووفق ما تسمح به الظروف والاوضاع المستجدة.
وبقي سماحته متمسكاً بموقفه الرافض لان يستقبل هو شخصياً او اي من ممثليه
او العاملين في مكتبه لأية شخصية من سلطة الاحتلال - امريكية او غير
امريكية- رغم اصرار البعض من السياسيين، ومحاولتهم اقناع سماحته بخلاف ذلك.
ويلاحظ ان بريمر قد ذكر في ص160 من كتابه "انه ارسل هيوم هوران الى النجف
لتوجيه رسالة الى آيات الله هناك" في ايحاء الى تواصل مباشر مع المرجعية
الدينية، ولكن الذي لم يقله هو انه ارسل مساعده المذكور الى النجف الاشرف
وقد وصل الى باب مكتب سماحة السيد دام ظله قبل ظهر يوم الجمعة 17 / 4 /
1424هـ = 18 / 6 / 2003م محاولاً الدخول لمقابلة سماحته فلم يؤذن له بذلك،
ثم طالباً الاذن بالدخول في المكتب ولو من دون مقابلة سماحته فلم يؤذن له
بذلك ايضاً. ولعل ذلك احد الاسباب التي فتحت مخيلته لافتراضات واستنتاجات
تبدو تبريراً لاخفاقات معينة.

3- تحدث الكاتب في ص214 وغيرها عن "تقاسم الاهداف نفسها" و"المساعي
المشتركة" بينه وبين سماحة السيد حفظه الله، وقال في ص 214 ايضاً: "ان كلا
منا يرغب في عراق مستقر ديمقراطي يعيش بسلام مع جيرانه".
التعقيب: لم يكن للمرجعية الدينية العليا هدف من وراء ما اتخذته من مواقف
سياسية منذ حصول الاحتلال وانهيار النظام وارتباك عمل الدولة العراقية الا
تخليص البلد من المحنة التي حلت به بأقصر الطرق وأقلها كلفة، والتأسيس
لعملية سياسية سليمة مبنية على القسط والعدل وبعيدة عن التحكم الطائفي
والعرقي.
ولقد وضعت المرجعية الدينية العليا تأمين (مصلحة العراقيين) لجميع قومياتهم
وطوائفهم هدفاً لحركتها ومقياساً لكل ما اتخذته من مواقف وخطوات بغض النظر
عن تقاطع او التقاء تلك المواقف والخطوات مع اغراض او اهداف اي طرف آخر،
وعليه فلا مجال ابداً للحديث عن (تقاسم الاهداف نفسها) فانه يعطي انطباعاً
خاطئاً ويسيء الى موقع المرجعية ومواقفها المستقلة، بالاضافة الى انه مما
تفنده وتنقضه نصوص السفير في الكتاب نفسه، حيث قال على سبيل المثال لا
الحصر:
1- غير ان السيستاني لم يتزحزح عن موقفه.وسيؤدي موقفه المتصلب الى ابطال
خطتنا الاولى للعملية السياسية"ص215.
2- لذا علينا ان نبدأ العملية الدستورية بطريقة او بأخرى، والالتفاف على
فتوى السيستاني" ص243.
3- أبلغته - اي الرئيس بوش- بأننا نواجه مشكلات جديدة مع السيستاني"ص305.
4-.. فإننا مختلفون مع السيستاني... وها هو الاخير يرفض فكرة الهيئة غير
المنتخبة التي تتسلم السيادة. وهذا مطلب جديد متفجر"ص308.
5-.." شعرت بالغضب... ولم نكن لنصل الى هنا لو كان الائتلاف يتراجع امام
الشيعة والسيستاني"ص309.
6- "قلت - لـ كوندليزا رايس-: إننا نواجه عدة تحديات سياسية متشابكة فعلى
الرغم من التحسن الذي طرأ مؤخراً على الوضع الامني ثمة مشكلات غير محلولة
مع السيستاني"ص353.
7- "قلت - للأخضر الابراهيمي-: وعلينا ان نظهر أن آية الله السيستاني لا
يرهبنا"ص356.
4- ذكر الكاتب وفي اكثر من موضع وجود رسائل متبادلة بينه وبين سماحة السيد
حفظه الله عبر عدد من (الوسطاء)،وادعى في ص 478 "انه تبادل مع سماحته
ثلاثين رسالة خلال الشهور الاربعة عشر التي قضاها الائتلاف في العراق" وقال
في ص339: "في رسالة وجهها لي بتاريخ 15 كانون الاول قال السيستاني انه يريد
ان تأتي لجنة..".
وقال في ص307 عن احد وسطائه "انه القناة الخاصة جداً"، وفي ص345 "انه
القناة السرية" وقال في ص297 عن شخص ثاني "انه احد القنوات الرئيسية"
واصفاً اياه في ص4.3 بـ"انه مساعد السيستاني" وقال في ص215 عن شخصية ثالثة
"انه يقابل السيستاني في كل اسبوع")).
التعقيب: ان سماحة السيد دام ظله بحكم موقعه ومسؤوليته في رعاية الامة كان
ولا يزال يستقبل كافة الشخصيات العراقية - السياسية والدينية والثقافية
والعشائرية وغيرهم- يستمع الى وجهات انظارهم واستفساراتهم
ويستمعون الى رؤاه وتوجيهاته، وكان في عداد زواره خلال المدة التي حكم
العراق فيها السفير بريمر اعضاء في مجلس الحكم ومجلس الاعمار وسائر
المسؤولين في الحكومة العراقية، ومن هؤلاء من كان ينقل الى سماحته مواقف
وآراء وتصورات سلطة الاحتلال وممثلها بريمر بتكليف منه او من تلقاء نفسه،
وكان سماحته يعلق على ما يسمعه منهم في كل القضايا التي لها مساس بالمصالح
العليا للشعب العراقي كقضية الدستور والانتخابات وقانون ادارة الدولة
وتشكيل الحكومة المؤقتة وغيرها.
واحياناً كان يتم الاتصال هاتفياً من مكتب سماحة السيد دام ظله ببعض
المسؤولين العراقيين لتحذير سلطة الاحتلال من الاقدام على خطوة او استنكار
وادانه امر ما ونحو ذلك.
ولم تكن هناك (رسائل متبادلة) بين المرجعية الدينية وبين بريمر، ولو كان قد
تلقى من سماحة السيد دام ظله ولو رسالة واحدة لكان ينبغي له ان يثبتها
بنصها في كتابه توثيقاً لمدعاه.
ولعل عدم وجود أية رسائل من المرجعية اليه هو احد اسباب التخبط وعدم وضوح
الرؤية لديه، فأتهمها بتغيير مواقفها وتبدل آرائها (انظر306) وهو امر غير
صحيح بتاتاً كما ستأتي الاشارة اليه لاحقاً.
ويبدو ان عدداً من (وسطائه) كما عبر هو ، و(زوار المرجعية من العراقيين)
كما نعبر لم يكونوا يحسنون تلقي ما يستمعون اليه من رؤى المرجعية وانظارها،
او كانوا ينقلونها اليه بصورة مخففة في محاولة منهم لعدم توتير الاجواء، او
كانوا ينقلون ما يتناسب مع ما يرونه صالحاً للعملية السياسية، والا فليس من
المنطقي عدم تعرف السفير بريمر على حقيقة مواقف المرجعية في كثير من
القضايا المطروحة الا في آخر المطاف وربما من خلال البيانات الصادرة من
مكتب سماحة السيد دام ظله، كما حدث له ذلك بالنسبة الى اتفاق 15 تشرين
الثاني الذي اعترف انه اطلع على موقف سماحة السيد دام ظله من خلال البيان
الصادر من مكتب سماحته المنشور في موقعه على الانترنيت (انظر345).
اتفاقية 15 تشرين الثاني
5-((ذكر الكاتب في ص387 وهو يتحدث عن الخطة التي على اساسها تم اتفاق 15
تشرين الثاني بين مجلس الحكم وسلطة الاحتلال: "لقد اكد لي (...) و(...) بان
السيستاني سيدعم الخطة" وقال في ص292: "ان الدكتور (...) سافر الى النجف في
13 تشرين الثاني بطلب من طالباني وقد اخبرني طالباني بأن (...) اطلع آية
الله السيستاني على العملية الجديدة وان السيستاني وافق عليها".
ولكنه قال في ص305: "ابلغته - الرئيس- باننا نواجه مشكلات جديدة مع
السيستاني، :ان طالباني في النجف أمس وافاد بان آية الله يصر الآن على وجوب
انتخاب المجلس التشريعي الذي سيستلم السيادة في حزيران، وذلك تراجع تام عن
موقف السيستاني السابق وعن اتفاق 15 تشرن الثاني".
وقال في ص306: "يبدو ان السيستاني اضاف مطلباً جديداً تماماً بان تنتخب
الحكومة المؤقتة التي ستنتقل اليها السيادة، وهذا الطلب يهدد اتفاق 15
تشرين الثاني والذي صيغ لتلبية مطلبه السابق بوجوب انتخاب المؤتمر
الدستوري")).
التعقيب: ان سماحة السيد دام ظله لم يكن على علم بالخطة التي تضمنتها
اتفاقية 15 تشرين الثاني لنقل السيادة قبل ابرامها، وعندما اطلع عليها ابدى
اعتراضه على جملة من بنودها، وقد نشر ذلك في حينه في نص مكتوب اصدره مكتب
سماحته جواباً عن سؤال وجهه اليه مراسل صحيفة واشنطن بوست في بغداد، وورد
فيه: "ان لسماحة السيد دام ظله بعض التحفظات على الخطة المذكورة:
اولاً: انها تبتني على اعداد قانون الدولة العراقية للفترة الانتقالية من
قبل مجلس الحكم بالاتفاق مع سلطة الاحتلال وهذا لا يضفي عليه الشرعية بل
لابد لهذا الغرض من عرضه على ممثلي الشعب العراقي لاقراره.
ثانياً: ان الآلية الورادة فيها لانتخاب اعضاء المجلس التشريعي الانتقالي
لا تضمن تشكيل مجلس يمثل الشعب العراقي تمثيلاً حقيقياً فلا بد من
استبدالها بآلية اخرى تضمن ذلك وهي الانتخابات، ليكون المجلس منبثقاً عن
ارادة العراقيين ويمثلهم بصورة عادلة ويكون بمنأى عن اي طعن في شرعيته،
ولعل بالامكان اجراء الانتخابات اعتماداً على البطاقة التموينية مع بعض
الضمائم الأخرى. 3 شوال1424هـ=28تشرين الثاني2003م".
اما ما ادعاه بريمر من ان سماحة السيد دام ظله وافق في البداية على الخطة
المذكورة ثم غير رأيه فيها لاحقاً فليس صحيحاً بتاتاً، وقد اعترف هو ضمناً
بخلاف ذلك عندما اشار في ص306 الى انه اكتشف في وقت لاحق ان اطرافاً في
مجلس الحكم "نقلوا رسائل غامضة - لم نعرف اذا كانت معتمدة ام لا- الى
السيستاني قبل اسبوعين بشأن المسار المقترح المتقدم".
الانتخابات والامم المتحدة
6- تحدث الكاتب في ص 340 عن معارضة سماحة السيد حفظه الله لنظام مؤتمرات
المناطق الذي ورد ذكره في اتفاق 15 تشرين الثاني لاختيار اعضاء الجمعية
الوطنية الانتقالية، واصراره على ضرورة اجراء الانتخابات لهذا الغرض،
واعتبر ذلك في إطار محاولة التفاوض على طريقة انك كلما قدمت تنازلاً يأتي
الاخر بمطالب جديدة، وقال انه ابلغ الرئيس بوش بانه "لاشك في ان هذه
تجربتنا مع السيستاني في الاشهر الاخيرة".
وقد عبر عن ذلك ايضاً بـ"مزيد من المساومة" في ص345.
وقال في ص339: "في رسالة وجهها لي بتاريخ 15 كانون الاول قال السيستاني انه
يريد ان تأتي لجنة من الامم المتحدة الى العراق لدراسة المسألة - لمدة
ثلاثين يوماً- ثم تقدم تقرير له بعدم امكانية اجراء الانتخابات بحلول 30
حزيران".
وعقب على ذلك في ص 340 بقوله "وذلك يعني على ما أرجو انه يبحث عن انقاذ ماء
وجهه" وذكر مثل هذا في ص 312 ايضاً.
التعقيب: من المعروف ان سماحة السيد دام ظله اصدر فتوى شهيرة في 25 ربيع
الاخر 1424هـ= 26 حزيران 2003 حدّد فيها آلية تشكيل مجلس كتابة الدستور وهي
الانتخابات الحرة المباشرة، وعارض بذلك بشكل قاطع خطة سلطة الاحتلال لتشكيل
المجلس الدستوري على أساس التعيين بعد التشاور مع الفعاليات السياسية
والعشائرية والدينية.
وهذه الفتوى اطلقت اول جدل فكري وسياسي في الساحة العراقية بعد سقوط
النظام، وتحولت خلال مدة وجيزة الى حركة نخبوية وشعبية ضغطت باتجاه اجراء
الانتخابات، وقد شكلت لجنة رسمية من عدد من الخبراء لبحث الآلية المناسبة
لاختيار اعضاء مجلس كتابة الدستور، وزار اعضاء اللجنة سماحة السيد دام ظله
وأبدوا موافقتهم على رأيه في لزوم اجراء الانتخابات العامة لهذا الغرض
ورفعوا توصية بذلك الى مجلس الحكم، وهذا ما اغاض سلطة الاحتلال (انظر ص211)
ولكنها لم تجد في النهاية بدّاً من الاذعان لفتوى سماحة السيد دام ظله، الا
انها حاولت الالتفاف عليها كما قال بريمر نفسه (انظر ص243) فكان اتفاق 15
تشرين الثاني وما تضمنه من تشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية وفق نظام
مؤتمرات المناطق.
وهذا ما عارضه سماحة السيد دام ظله ايضاً، ودعا مرة اخرى الى اعتماد
الانتخابات العامة كأفضل آلية لتشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية، ولكن زعم
بعض اعضاء مجلس الحكم وسلطة الاحتلال عدم امكانية اجراء الانتخابات بحجة
ضيق الوقت المتبقي الى التاريخ المحدد لنقل السيادة، بالرغم من شهادة عدد
من الخبراء العراقيين بامكانية ذلك.
وحين احتدم الجدل في هذا الامر طلب سماحة السيد دام ظله استدعاء خبراء
الامم المتحدة والاستعانة بهم في حسم الموقف، ولكن سلطة الاحتلال التي
استبعدت في اتفاقها مع مجلس الحكم في
15
تشرين الثاني اي دور للامم المتحدة في عملية نقل السيادة رفضت الاستعانة
بخبراء المنظمة الدولية.
ولما أشار سماحة السيد دام ظله على مجلس الحكم بتوجيه طلب بهذا الشأن الى
الامين العام للامم المتحدة استجابوا لذلك، وبعثوا برسالة اليه يطلبون فيها
بصورة رسمية ارسال فريق للتحقق من امكانية اجراء الانتخابات واقتراح طريقة
بديلة اذا لم يمكن اجراؤها.
وقد فوجئت سلطة الاحتلال بهذه الرسالة لانها ارسلت من دون علمها (انظر
ص340) ولكنها اضطرت في النهاية الى الموافقة على ما ورد فيها.
وقد اوضح نص صادر من مكتب سماحة السيد دام ظله في 13 ذي القعدة 1424هـ=6
كانون الثاني 2004م موقف سماحته في هذه القضية على النحو التالي: "ان
تقارير الخبراء العراقيين المقدمة الى سماحة السيد - دام ظله - تؤكد
امكانية اجراء الانتخابات بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية خلال الاشهر
القليلة المتبقية الى التاريخ المقرر لنقل السيادة الى ممثلي الشعب
العراقي، ولكن هناك في مجلس الحكم وسلطة الاحتلال من يدعي عدم امكانية ذلك،
ومن هنا كان اقتراح مجيء فريق من خبراء الامم المتحدة الى العراق للتحقق من
هذا الامر ودراسة الموضوع من كافة جوانبه، وقد قدم مجلس الحكم طلباً بذلك
الى السيد كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة . واذا جاء فريق الخبراء
وتوصلوا بعد العمل مع نظرائهم العراقيين الى عدم امكانية اجراء الانتخابات
فعليهم التعاون معهم في ايجاد آلية اخرى تكون الاصدق تعبيراً عن ارادة
الشعب العراقي، وأما الآلية المذكورة في اتفاق مجلس الحكم وسلطة الاحتلال
فلا تضمن أبداً تمثيل العراقيين بصورة عادلة في المجلس الوطني المؤقت".
ان هذا الموقف - كما يلاحظ- يتماشى مع منهج المرجعية في التعاطي مع
المسائل، فلأهل الاختصاص والخبرة الكلمة الفصل في المسائل المختلف عليها،
فعندما شكّك بعض الاطراف في شهادة الخبراء العراقيين بامكانية اجراء
الانتخابات اقترحت المرجعية استدعاء الفريق الدولي والاستعانة بخبرتهم
المشهودة لها في هذا المجال، فهي لم تطلب رأياً سياسياً من الامم المتحدة،
وانما خبراء يجلسون مع نظرائهم العراقيين، ويتباحثون في الامر ليصلوا الى
نتيجة مشتركة.
ولم يكن سماحة السيد دام ظله بمطالبته باجراء الانتخابات لاختيار اعضاء
الجمعية الوطنية الانتقالية - بعد خضوع سلطة الاحتلال لفتواه بلزوم اعتماد
الانتخابات لتشكيل مجلس كتابة الدستور- يمارس اساليب التفاوض الرائجة بين
السياسيين المشتملة على المناورة والخداع، بل كان يحاول منع (بريمر) من
(الالتفاف) على الفتوى السابقة، حيث كان يسعى الى ذلك كما اقرّ به في ص243.
ولما طالب سماحته بارسال الفريق الدولي لم يكن يبحث عن "حفظ ماء الوجه" بل
كان يأمل ان يساعد ذلك الفريق في تثبيت امكانية اجراء الانتخابات او اقرار
بديل عنها يكون افضل من نظام مؤتمرات المناطق الذي كان يصر عليه بريمر
واعوانه، وايضاً كان يريد بذلك ضمانة دولية لاجراء الانتخابات لاحقاً، تقف
حائلاً أمام ما يحاك من مخططات غير واضحة المعالم، وهذا ما أمنّه التقرير
الذي صدر عن فريق الامم المتحدة بقيادة الاخضر الابراهيمي كما سيأتي.
وقد صرح (بريمر) بما يتناقض وتصوراته عن "حفظ ماء الوجه" عندما قال
لكونداليزا رايس: "اجل، ولكن علينا ان نكون مستعدين لمواجهة السيستاني اذا
جاءت الامم المتحدة ببديل معقول ينسجم مع اهدافنا والجدول الزمني ورفضه
السيستاني" انظر ص353.
إذن، لماذا يرفض سماحة السيد البديل اذا كان هدفه حفظ ماء الوجه؟!!
والغريب ما حكاه في ص355 عن كوفي انان من تساؤله ايضاً "هل يريد آية الله
السيستاني ادخال الامم المتحدة لتقديم طريقة لحفظ ماء الوجه لكي يغير موقفه
من الانتخابات".
ويبدو انه اخذ هذا التصور الساذج ممن يماثل بريمر في طريقة التفكير.
ومن الغريب ايضاً ما ذكره في ص 345 من "أن آية الله رحّب بقدوم وفد صغير من
الامم المتحدة الى العراق.. خلافاً لما قاله للباجه جي قبل ثلاثة ايام فقط
وما نشره على موقع الويب".
ذلك ان النص المتقدم المبين لموقف سماحة السيد (دام ظله) قد نشر قبل خمسة
ايام من مجيء الباجه جي الى النجف الاشرف في 18 ذي القعدة 11 كانون
الثاني!!
والاكثر غرابة ما ذكره في ص 418 من "ان السيستاني وافق على مضض على إعادة
اشراك الامم المتحدة" ذلك ان المرجعية كانت هي وراء مطالبة مجلس الحكم من
كوفي انان ارسال الفريق الدولي فكيف يقول بان سماحته وافق على مضض على
إعادة إشراك الامم المتحدة؟!!
ان ما ذكره السفير بريمر عن مواقف سماحة السيد دام ظله بشأن موضوع
الانتخابات واستدعاء الفريق الدولي مما لا يمت الى الحقيقة بصلة، وقد تجاوز
كل الحدود باستخدامه تعابير غير لائقة في بعض المقاطع المشار اليها.
قانون ادارة الدولة
8- حكى الكاتب في ص 376 عن بعض (وسطائه) موافقة سماحة السيد حفظه الله على
النص المعد لقانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية. ثم ذكر في ص 381: "انه
تلقى في 4 مارس ما كان بمثابة قنبلة وهو ان آية الله السيستاني لم يكن
راضياً عن مسودة القانون الاداري الانتقالي الوثيقة نفسها التي قال (..)
انه وافق عليها قبل خمسة ايام".
وقال في ص 382: "طلب (...) مقابلتي في الساعة العاشرة من مساء 4 مارس قبل
اقل من اربع وعشرين ساعة على التوقيع المنتظر على القانون الاداري
الانتقالي يأتي حاملاً معه لائحة من ثماني تغييرات يريد السيستاني ادخالها
على النص المتفق عليه بما في ذلك النص المتعلق بالمصادقة على الدستور".
وأورد في ص 386 نقلاً عن بعض اعضاء مجلس الحكم العائدين من النجف " (لقد
حصلنا على ما نريد) فبعد نقاش طويل وافق السيستاني على السماح لاتباعه في
مجلس الحكم بالتوقيع على القانون الاداري الانتقالي".
وذكر في ص 418:"ولم يدرك - السيستاني- الا مؤخراً ان القانون الاداري
الانتقالي على الرغم من مشكلاته مع بعض اجزائه هو الوثيقة التي تقدم المسار
الوحيد للتقدم الى الامام".
التعقيب: ان الموقف السلبي لسماحة السيد دام ظله من قانون ادارة الدولة
وعدم الاعتراف بشرعية آلية إقراره كان واضحاً وصريحاً منذ ابرامهم اتفاقية
15 تشرين الثاني وقد تقدم نص البيان الذي صدر من مكتب سماحته بهذا الشأن.
وبعد اتفاق القوى السياسية في مجلس الحكم على اصدار هذا القانون وإعداد
مسودته طلب مجموعة من أعضائه ان يبدي سماحته رأيه فيها، على أساس ان اشكال
المرجعية الرئيس ينصب على عدم شرعية آلية اقرار هذا القانون لا على النص
المعد نفسه، فلا شيء يمنع من ابداء أية ملاحظات تصوِِب الوثيقة وتزيد من
متانتها وتقلل من حجم الاعتراض عليها.
وبالفعل وصل النص النهائي للمرجعية يوم الخميس 5 المحرم 1425 هـ= 26 / 2 /
2004م وتم التدقيق فيه حتى ساعة متأخرة من الليل وابديت اربع عشرة ملاحظة
مهمة عليه وبلّغت للمعنيين في مجلس الحكم يوم الجمعة 6/المحرم=27/ شباط، مع
التأكيد على ان ابداء الملاحظات انما هو لغرض ان تحسن الوثيقة ويقلّل مما
فيها من سلبيات لا الاقرار بتمامها وشرعية آلية اصدارها.
ثم حدّد يوم الاربعاء 11المحرم=3/آذار لحفل التوقيع على الوثيقة الا ان
تفجيرات ارهابية حدثت في كربلاء يوم الثلاثاء 10المحرم اجلت حفل التوقيع
الى يوم الجمعة.
وفي يوم الاربعاء 11 المحرم=3/آذار وعن طريق الصدفة علمت المرجعية بحصول
اضافات اساسية على النص الذي قدّم اليها على انه (نهائي) فاستدعت النص على
عجل، وبالفعل اكتشفت مواقع خلل مهمة ومنها ان فقرة كاملة أضيفت الى النص
وهي الفقرة ج في المادة 61 التي تعطي لثلثي سكان ثلاث محافظات حق نقض
الدستور، فتم الاعتراض على ذلك بقوة، وبعد التحقيق تبين ان هذه الفقرة
اضيفت في الساعة الاخيرة من آخر جلسة لمجلس الحكم استمرت حتى فجر يوم الاحد
8/المحرم=29/ شباط.
وعلى ذلك فان كلام بريمر عن (الوثيقة نفسها) غير صحيح، اذ ان تلك الوثيقة
لم تكن نفسها التي قدمت الى سماحة السيد دام ظله، فهم الذين غيّروا وبدّلوا
فيها وأما المرجعية فلم تغيّر من رأيها أبداً.
وأما قول بريمر "وافق السيستاني على السماح..." فليس دقيقاً، لان سماحة
السيد لم يتعاط مع هذه المشكلة بأسلوب السماح او عدم السماح، وللموضوع
تفصيل ليس هنا محل ذكره، ولكن نشير الى ان اعضاء مجلس الحكم الذين جاءوا
النجف بعد ما أبلغوا باعتراضات المرجعية على النص الجديد أرتأوا بعد
مناقشات طويلة أن يوقعوا على النص مع اصدار بيان بالتحفظ على بعض بنوده،
وبالفعل أعدّ البيان وقرأه بعض الاعضاء بعد حفل التوقيع،ولكن سلطة الاحتلال
التي علمت بهذا الامر مسبقاً عملت لهم مكيدة، حيث أدرجت في صدر الصحيفة
التي أعدت ليوقعوا عليها التصريح بالموافقة على الوثيقة من دون تحفظ!
والجماعة وقّعوا عليها من غير التفات الى ذلك!!
ومهما يكن فقد بقيت المرجعية الدينية على موقفها المتحفظ على ما يسمى
بقانون ادارة الدولة ،وصدر بيان من مكتب سماحة السيد دام ظله بهذا الشأن في
يوم التوقيع عليه نفسه، وورد فيه ما يأتي: "لقد سبق لسماحة السيد مد ظله ان
اوضح في تحفظه على اتفاق 15 تشرين الثاني ان اي قانون يعدّ للفترة
الانتقالية لن يكتسب الشرعية الا بعد المصادقة عليه في الجمعية الوطنية
المنتخبة، ويضاف الى ذلك ان هذا (القانون) يضع العوائق امام الوصول الى
دستور دائم للبلد يحفظ وحدته وحقوق ابنائه من جميع الاعراق والطوائف. 16
المحرم1425هـ=8آذار2004م".
وقد تجلى هذا الموقف بوضوح اشد في الرسالة الجوابية التي ارسلها مكتب سماحة
السيد دام ظله الى الاخضر الابراهيمي في 27 المحرم 1425 ـ 19 آذار2004 حيث
تحدثت الرسالة بالتفصيل عن سلبيات هذا القانون وثغراته وحذرت من اي غطاء
دولي له.
وبعث مكتب سماحته برسالة اخرى الى مجلس الامن الدولي في 17 ربيع
الآخر1425هـ ـ 6 حزيران 2004م للتحذير مجدداً من ذكر هذا القانون في القرار
الدولي الذي كان من المزمع اصداره.
وفي النهاية نجحت المرجعية في مساعيها الرامية الى تجريد هذا القانون من اي
شرعية، حتى الشرعية الدولية.
الحكومة المؤقتة
9-ذكر الكاتب في ص 436: "وصلتنا معلومات بان السياسيين الشيعة في مجلس
الحكم.. وبتشجيع (...) يخططون لطبخ الحكومة سلفاً بالتعاون مع آية الله
السيستاني وتقديمها الى الابراهيمي والينا على انها امر واقع".
ونقل في ص 449 عن (...)" ان السيستاني يرى ضرورة ان تتولى شخصية سنية رئاسة
الوزراء فانه ستكون المهمة شديدة الصعوبة على اي كان وسيفشل كل من يتولى
هذا المنصب على الارجح لذا فليكن الفاشل واحداً من السنة".
التعقيب: الحقيقة ان سماحة السيد دام ظله لم يتدخل في شأن من يتولون مناصب
الحكومة المؤقتة، وقد اتصل الاخضر الابراهيمي بمكتب سماحته في حينه وطلب ان
يوافق سماحته على مقترحه باسناد رئاسة الوزراء الى احد السياسيين غير
الحزبيين (انظر ص448من كتاب بريمر) ولكن سماحته رفض ذلك، واكتفى بذكر
الصفات التي ينبغي توفرها في ورئيس الوزراء وسائر اعضاء الحكومة وهي
الكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار، وأما من يتولى هذا المنصب او
ذاك فقال سماحته: انه متروك لتوافق القوى والفعاليات السياسية ، وليس من
شأن المرجعية التدخل فيه.
وعندما طرح الابراهيمي على مكتب سماحة السيد دام ظله اسماء عدد من اعضاء
مجلس الحكم كمرشحين لتولي رئاسة الوزراء اجيب بانه لا ممانعة من قبل سماحته
بالنسبة الى اي منهم مع توفر الشروط فيه.
وأما الحديث عن (طبخ الحكومة بالتعاون مع آية الله السيستاني) أو (ضرورة ان
يكون رئيس الوزراء من الطائفة الفلانية) فمما لا أساس له من الصحة بل هو
غير لائق اصلاً.
هذه اهم المقاطع التي تم عرضها من مذكرات السفير بريمر على مصدر مقرب من
مكتب سماحة السيد السيستاني حفظه الله للتعقيب عليها، وهناك مقاطع اخرى قال
المصدر نفسه: "انها غير صحيحة او غير دقيقة ولكن لا تحظى بالاهمية ولذلك لا
حاجة للتعقيب عليها، وفي النصوص والبيانات الصادرة من سماحة السيد دام ظله
خلال حكم بريمر ما يوضح جملة من ذلك فلتراجع".
منتدى الفكر العراقي
14شوال1427=7تشرين الثاني 2006
|