|
إن من السنن التاريخية الثابتة هي أفتقار
الشعوب إلى أطروحة ذات قوانين وأطر تضمن لها الاستقرار والأمان والحياة
السعيدة لاسيما وان تطور الحياة وتعقيد مفاصلها واقع حتمي في كل زمان ومكان
، لهذا أصبح وجود المصلح من لوازم وجود المجتمع السعيد. والذي نقصده هو
المصلح الذي يبلِّغ القوانين الكلية الغيبية التي تتسع وتتضيق تبعا لحال
الفرد والمجتمع أينما حل ومتى حل وهي قوانين سماوية شرِّعت من قبل صانع
الخلائق )عزّ وجلّ ( بها تستأصل المشاكل وتنعم الشعوب بالإلفة والوئآم،
ويتمثل هذا المصلح بالمعصومين سواء كانوا أنبياء أو رسل أو أئمة منتجبين)
عليهم السلام
أو غير معصومين من نواب الأئمة عليهم السلام . فالكلام إذاً عن الأطروحة الكاملة وهي
الأطروحة السماوية الغيبية والتي من خلال مراعاتها يحصل الفرد والمجتمع على
كل ما تستقر به النفس ليكون العيش بها هنيئا رغدا دون مشاكل مهما كبرت
المجتمعات وتلونت أو تعقدت الحياة .
أما ما نراه من وجود مشاكل كبيرة داخل المجتمعات الإسلامية على الرغم من
وجود الإطروحة السماوية في متناول أيديهم إنما منشأها هو سوء الفهم
والتطبيق لا في الاطروحة نفسها، أي أن المسلمين هم الذين أخطئوا التطبيق
إما عصيانا أو جهلاً ، والمجتمع الذي يتفشى به خطأ التطبيق يكون مجتمع
راكدا لا يقدر على تمييز مصالحه من مفاسده ، مجتمع يتخبط بين اطر وقوانين
قاصرة يحسبها كاملة ، ويتميزهذا المجتمع بعدة صفات ابرزها:
استشراء الجهل على مستوى واسع بين أفراده ، ولا نقصد بالجهل هنا هو عدم
القراءة والكتابة بل فقد الثقافات الإسلامية الأصيلة الغير مستوردة والأفق
الواسع التي تنهض بالمجتمع إلى مستوى الشعور بالمسؤلية ومن ثم الاندفاع نحو
معرفة مصالحه ومفاسده ومن ثم نحو الاصلاح .
ويتميز أيضا بتراكم المشاكل والاخفاقات داخله ونتيجتها تفشي الاحباط داخل
نفوس أغلب أفراده بحيث يصعب اقناعهم بفكرة السعي إلى التغيير .
ظهور الخلافات والنزاعات داخل كتل هذا المجتمع تصل إلى حد ذوبان كل
المشتركات فتؤدي إلى ضعفه وتمزقه فيسهل السيطرة عليه من قبل أراذل القوم .
وأخيراً يتميز هذا المجتمع بعدم قدرة معظم أفراده على تمييز قادته
الحقيقيين للالتفاف حولهم ليكونوا نقطة التقاء الجميع ومن ثم النهوض إلى
مستوى التغيير ، بل بالعكس نرى اجتماع كتل متفرقة من هنا وهناك حول زعماء
السوء يزرعوا الخلاف والتناحر بين أفراد المجتمع فيصبح متفتتا مفتونا تعصف
به ألوان المشاكل والخلافات . والحق يقال أن هذه الصفات لا نرها تجتمع في
المجتمع المتمسك بمبادئ وأفكار أهل البيت (ع) لوجود مقومات ودعامات تمنع
اجتماعها فيه ومن أبرز هذه المقومات هي :
إنتماء أفراده إلى مذهب أهل البيت (ع) انتماءاً حقيقياً بحيث أنهم يعتقدون بكل
ما يرد عنهم من إرشادات وأحكام واجبة كانت أم مستحبة .
ومنها أنه دائم التلقي والاتصال بمبادئ وأفكار مذهبه من خلال ما يتمكن من
وسائل مطروحة سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية لاسيما المجالس وخصوصاً
التي تعقد بمناسبات رموزه الأئمة الأطهار (ع) .
بروز قياداته الروحية الدينية في كل وقت بشكل ظاهر جلي لكل أفراد هذه
الطائفة مما يحقق تماسك أفرادها إلى درجة يصعب اختراقها والعمل على تفتيتها
مهما كانت الدسائس خفية . ومن مقوماته أيضاً هو وضوح مسار قياداته الروحية
بحيث لم يعرف على طول تاريخ أتباع أهل البيت انحراف أحد قادته الحقيقيين عن
المسار العام الذي خط لهم من قبل الأئمة الأطهار (ع)، فعلى الرغم من تعدد
القيادات عبر الأزمان المختلفة أو حتى في الزمان الواحد نرى مسيرهم واحد
موافق للمبادئ العامة لهذا المذهب الحق ، حتى أصبح من غير الممكن اختراق
هذا الموقع والتقمص بعنوان القيادة الروحية للإساءة للمذهب وإفتتان أتباع
الطائفة ، وكتب تراجم عظماء هذا المذهب بمتناول اليد وهي خير شاهد ودليل .
وأخيرا فأن الفطرة السليمة لأتباع مذهب أهل البيت (ع) ونقاء روحهم ومودتهم
ورحمتهم على بعضهم البعض وعلى الآخرين - فهم المقصودون بـ( شيعتنا خلقوا من
فاضل طينتنا ...........) جعلتهم غير قادرين على ظلم الآخرين فضلاً على
ظلمهم لبعضهم البعض ، فنراهم - وخاصةً في المفاصل الحرجة - متكاتفين
متراصين متراحمين فيما بينهم . هذه بعض مقومات المجتمع المتمسك بمبادئ أهل
البيتF أعاذهم الله تعالى من شرور خلقه ووفقهم إلى مستقر رحمته انه سميع
الدعاء . |