الفقه                                  الشيخ محمد رضا الدكسن

بسم الله الرحمن الرحيم

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ

لقمان / 6

إننا بحاجة إلى توظيف أقلامنا ولو بالجملة بتسليط الضوء على الأحكام الشرعية التي باتت شبه بعيدة عن الأمة

 اعتقد ان هناك من الواجبات مايدخل في صلب عملنا بل هو تكليف شرعي واضح اجد من الضروري ان توظف الاقلام والطاقات الخيرة من اجل ان تسهم اسهاما مباشرا في حقن دماء الامة.

  فلا يختلف اثنان ان الكلمة الواحدة قد تُهلك امة كاملة وقد تصلح بين فئتين متناحرتين ومن قال ان السيف والقوة هي الحل الوحيد الذي يلي اليه الناس في اصلاح شؤونهم ؟ وهذا العمل الذي قد يتضح من خلال ما تقدم هو كيف نُسهم برفع الشبهات من عقول الابرياء الذين دائما ما يكونوا ضحية للافكار المسمومة والهدامة .
نعم بين الحين والاخر نجد ان هذه الطائفة المهظومة والمظلومة تكون عرضة لما يسمى بالغزو الثقافي حيث المناخات الملائمة والارض الخصبة والتي هي عبارة عن افكار وتقاليد وربما عقائد صحيحة بها لكن المغرضين يوظفون هذه المناخات لصالحهم من اجل الفتك بأتباع اهل البيت (ع).
اذن اكرر نحن امام هكذا مسؤولية عظيمة فغداً نُسأل أمام الله تعالى حين ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ).
ماذا قدمنا على نحو المقروء والمسموع والمرئي والفرصة سانحة والامة امانة في اعناقنا فهل من مجيب ؟!
ولعل من المحاور التي يستخدمها ذوي الاغراض البغيضة والهدامة هي كتب الضلال التي تستثمر بين الحين والاخر في اوساط المحرومين ليغرر بهم ويركز على الخلاص من الفقر والحرمان والجور فسرعان مايهرع هؤلاء الى بصيص الامل هنا او هناك وعليه نجد الرسول الاكرم5 واهل بيته الاطهارF تعرضوا الى هذه المواضيع الحساسه اذكر شيئا بهذا الصدد ...
ككتب الضلال سأتعرض الى جملة من الادلة المانعة والمحرمة من حفظ هذه الكتب التي تصفها بكتب الفساد واللهو الى اخره من الاوصاف .
أولا :-
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله / لقمان /6 فمن الواضح ان هناك ذم تشير اليه الاية الكريمة وهو عبارة عن لهو الحديث الذي هو الكلام بالباطل وبالتالي هذا الذم يدل على التحريم اذ لولاه لما كان للذم معنى وبطريق آخر يمكننا ان نعتمد القياس المنطقي اذا ما احتجناه في موضوعنا لهذا العدد وعليه نقول ان كتب الضلال من لهو الحديث وكل ماكان من لهو الحديث فهو حرام فكتب الضلال حرام بيعها وشراؤها وأقتناؤها ، هنا أود ان اشير الى ان الشراء والاقتناء في واحد من الاستثناءات قد يحتاج اليها المتتبع والمحقق والذي يريد ان يرفع الشبهات فلكي تحصل عنده الملكه والمقدمه لاداء واجبه فلا مانع من شرائها وأقتنائها اما الذي لاتوجد عنده المنعه والمقدمات الكافيه لتمكنه من التمييز فهذا هو محل كلامنا بأعتبار انها تضلله وتحرفه عن جادة الصواب .
ثانيا :
ورد في قوله تعالى وأجتنبوا قول الزور فقد امر الله تعالى بالاجتناب وهو ابلغ واوقع تأثيرا في نفوس الناس وقد استفدنا من دراستنا الحوزوية المباركة ان صيغة افعل وما في معناها للوجوب ومن الواضح جدا ان كتب الضلال مشتملة على الزور والبهتان فيجب الاجتناب عنها بكل مايحقق مصداق الاجتناب في الخارج كالبيع والشراء والاحتفاظ .
ثالثا :
أضف الى ماتقدم باعتبار ان كتب الضلال تشتمل على لهو الحديث والزور والبهتان وان العقل يحكم بذلك ايضا فقد ورد في تحف العقول ان الامام الصادق (ع) قال: ( انما حرم الله تعالى الصناعة التي يجيء منها الفساد محضاً) عزيزي القاريءالمتتبع الصناعة هنا المراد منها كل اشكال التقلب كالتجليد والطباعة والكتابة والتصحيح والتنضيد بعرفنا اليوم به دور الطباعة من الفرز والتصحيف الى اخره وكذا الاحتفاظ بها وتعليمها وتعلمها وقراءتها بأستثناء ما اشرنا اليه قبل قليل أي من كانت له عقيدة راسخة ثابتة في الدين فلا يخاف عليه من الفساد فالبيع وشبهه يدخل في حيز مايقوي به الكفر في جميع وجوه المعاصي او مايوهن به الحق وهذه ابواب اشار اليها المعصومون (ع).
رابعا :
في رواية عبد الملك حيث شكا الى الامام الصادق (ع) اني ابتليت بالنظر في النجوم أتقضي؟!
قال نعم إحرق كتبك .
وهذا يعني انه اذا لم يترتب على احتفاظ كتب الضلال إضلال ومفسدة لم يكن الاحتفاظ بها حراما . أود الاشارة الى اننا لازلنا نتكلم عن المكاسب المحرمة وحيث انتهى الكلام عن التداول بكتب الضلال او مايتعلق بهذا الامر حان الانتقال الى امر اخر متفشي في الاونة الاخيرة ولما له من اثر سلبي على العلاقات العامة وددت ان اسلط الضوء على .
الرشوة
ومعناها لغة : اعطاء الحاكم او غيره ممن بيده الرتق والفسق كما يعبرون عنه ومن بيده الحكم والفصل شيئا من المال المعبر عنه بالجعل بضم العين وفي الاصطلاح : اعطاء الجعل للقاضي ليحكم له سواء اكان المعطي على حق ام على باطل وقد اشار اليها الكتاب العزيز بقوله تعالى شأنه ( ولاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلو بها الى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون ) البقرة /188 اذن الاية الشريفة حددت الموضوع وهذا هو حيز الرشوة لا كما يفهمه الناس حيث يطلق على جملة من المعاملات التي هي اقرب الى هذا الموضوع بالرشوة .
وعليه اذا حُدد الموضوع علينا ان نفهم الاثر المترتب عليه فقد بينت الروايات انه كفر بالله العظيم اوشرك ولذا نجد ان الائمة (ع) يحثون على قضاء حوائج الناس ابتغاء وجهه تعالى لاطمعا بالدنيا وزخرفها .فقد روى الاصبغ بن نباته عن امير المؤمنين (ع) قال ايما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامه وعن حوائجه وان اخذ هدية كان غلولاً وأن اخذ الرشوة فهو مشرك. أذن ما اشرت اليه قبل قليل هناك تضييق لما يؤخذ منه ماهو هدية حيث انه حاجة الانسان احيانا يقيدها المسؤول او الموظف او الوالي بشكل عام بأن يضطر الى ان تقدم الهدايا والعطايا فقد عبر عنها انها غلول أي هي الخيانة والسرقة والغلول مأخوذ من غل يغل .
اما الرشوة فقد عبرت الرواية عنها انها الشرك. كما ورد عن عمار بن مروان قول الامام (ع) كل شيء غل من الامام فهو سحت والسحت انواع كثيرة منها ما اصيب من اعمال الولاة الظلمة ومنها أجور القضاة واجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر والربا بعد البينة .
فأما الرشى - ياعمار - في الاحكام فان ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله .
فهذه الرواية تدفعنا لان نستعيد ماتقدم في الفصل الاول والذي كان عن كتب الظلال فقد انفت الاموال الكثيرة من اجل ان توظف الايات والروايات في خدمة السلطان وتصحيح اعماله التخبطيه فقد دفع معاويه بن ابي سفيان اربعمائة الف دينار لغرض ان يقال ان الايه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ )البقرة207 انها نزلت في عبد الرحمن بن ملجم كما ورد عن الرسول الاكرم (ص) في رواية يوسف بن جابر لعن رسول الله (ص) من نظر الى فرج امرأه لاتحل له ، ورجلا خان اخاه في امرأته ، ورجلا احتاج الناس اليه لفقهه فسألهم الرشوة .
ومن المعلوم ان كل فقرة من هذا تحتاج الى شرح واف لكن الوقوف عند الحاجة والمسألة وتقيد بالهدية او الجعل تصريحا او تلويحا سيما اذا كانت من السلطان وهنا يتضح اان الفقيه المراد منه الحاكم المخصص في الدعاوى والفصل بين المتنازعين فكيف له ان يأخذ مالا قل ذلك أو كثر من اجل ان ينتفع بعلمه وقضائه بهذه الطريقة الوضيعة اليس حريٌ بنا ان نلجأ الى مدرسة امير المؤمنين (ع) الذي لم تأخذه لومة لائم في القضاء وفي هذا كلام كثير لعلي اتعرض اليه بتفصيل في الحلقة القادمة .
اقول اننا بحاجة كما قدمت الى توظيف اقلامنا ولو بالجمله بتسليط الضوء على الاحكام الشرعية التي باتت شبه بعيدة عن الامة علما انها كثيرة الابتلاء بها فهي من جهة تلتبس عليها الامور وتثبته عليها الحقائق والافكار ومن جهة أخرى لايوجد مايكفي لرفع ذلك الغموض والالتباس .
فيقع الامر والمأمور في هذه الشبكة الكبيرة التي قد لاينجو منها إلا القليل اسأل الله تعالى ان يمن على الامة بأحقاق الحق والمسير على هدى النبي المصدق وان يتغمد شهدائنا بوافر رحمته انه حميد مجيد وان يوفقنا لخدمة الدين الحنيف والحمد لله على ما انعم والصلاة والسلام على نبيه واله الطاهرين .