حوارات أخلاقية                           السيد حسين المرسومي

 

 

الحوراية السادسة 

القسم الأول

 الشكر

الصبر هو ثبات النفس وعدم إضطرابها في الشدائد والإبتلاءات.. والصبر هو فضيلة كانت للكثيرين سبباً في رضا الله وقبول الأعمال.. وكما قال رسول الله (ص) (الصبر من الإيمـان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له...) وللوقوف على هذا العنوان تعالوا معاً لنقف على حقيقة هذا المصطلح من خلال إطلالة على حوار بين والدٍ وولده.

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. وبعدُ، فهذا الكلام في أمر كثير تقصير الإنسان فيه ألا وهو الشكر ونبسطه في صورة حوار بين والد وولده. (زيارة عاشوراء)
علي : السلام عليك يا أبي. الأب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. علي : يا أبي منذ أن ارشدتني إلى قراءة زيارة عاشوراء وأنا أحسّ بلذة خاصّة في أثناء قراءتها بل يخالجني انفعال عارم مع كل فقرة من فقراتها فمن التعريف بهوية الإمام الحسين عليه السلام بأنه ابن الرسول والمرتضى والزهراء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى أنه ثار الله وابن ثاره ومن عظم هذه المصيبة في السماوات والأرضين إلى اللعن على من باشر قتل الإمام الحسين عليه السلام بل على المؤسسين لذلك من أول ظالم منهم إلى آخر تابع له على ذلك ومن سؤال الله جل جلاله ان يجعلني وجيهاً بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة إلى ان نسأل الله جل جلاله ان يجعل محيانا محيا محمّد وآل محمد ومماتنا ممات محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا يخفى عليك يا أبي ان كل فقرة من هذه الفقرات تجعل المؤمن ينتفض من أعماق وجدانه كما ينتفض عصفور بالله الفطر ولعل هذا كله واضح لا سترة فيه ولكن.
(شبهة)
الأب: ولكن ماذا يا قرة عيني. علي : ولكن كل هذا الانفعال والتفاعل مع هذه الزيارة الشريفة بتوقف عندي عند الوصول إلى آخر فقرة في الزيارة وهي قول الإمام الباقر عليه السلام وهو منشئ هذه الزيارة العظيمة (اللهم لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم الحمد لله على عظيم رزيتي) فلا أخفي عنك يا والدي انني اقرأ هذه الجملة تعبّداً لانها قد وردت عن أحد أئمتي عليهم السلام ولكن المعنى غير واضح وغير مفهوم عندي فما شأن الشكر مع فاجعة كربلاء فهل واقعة الطف موطن من مواطن الشكر ام انها من ماطن الصبر فالسجود والشكر لهذه الفاجعة الأليمة غير واضح الترابط والتلازم بينهما عندي في مثل هذه المصاب الجلل فكربلاء يا ابي حسبما أفهمه هي جهاد وهي ثورة وهي صرخة بوجه الظلم والظالمين وهي تضحية وهي صبر اما انها شكر فهذا امر لا أجد نفسي تتفهمه أقول قولي هذا وأنا عالم وموقن ان كلامي ليس بسديد وان رأيي مجانف للصواب لأن ما يخرج من فم المعصوم عليه السلام لا يكون الاّ حقاً فأنا لا أنكر ذلك ولكن ما أعاني منه هو عدم فهمي بل هضمي لهذا الكلام، وبما ان كلام الإمام لابد ان يكون حقاً وصدقاً فلذا التجأت إليك يا أبي لتبين لي حقيقة ما التبس عليّ وتوضح لي مراد الإمام عليه السلام الذي خفي عني. (دعف الشبهة) الأب: كما قلت يا بنيّ فكل ما صدر عن الأئمة صلات الله عليهم فهو حق وصدق ولكن جهلنا هو الذي قد يحول احياناً بيننا وبين فهم كلامهم عليهم السلام الذي هو نور وما حصل عندك تجاه المقطع الاخير من زيارة عاشوراء المشهورة هو شبهة ويتوقف دفعها على بيان واستيضاح امور ثلاثة الأول هو بيان حقيقة الصبر، والأمر الثاني هو بيان حقيقة الشكر والأمر الثالث هو بيان الملازمة بين الصبر والشكر. فأما الأمر الأول وهو بيان حقيقة الصبر فقد تقدم الكلام فيه المجلسين السابقين، وأما الأمرين الثاني والثالث فهما محور كلامنا ابتداءً من هذا المجلس ان شاء الله وسأبدأ بالكلام عن الامر الثاني الا وهو الشكر. علي: تفضّل يا أبي فكلّي اذان صاغية.
(حقيقة الشكر).
الأب: بعد الإتكال على الله جل جلاله اقول: الشكر: (هو عرفان النعمة من المنعم والفرج بها والعمل بموجب الفرح) فحقيقة الشكر ملتئمة من اركان ثلاثة وهي المعرفة والفرج والعمل بموجبه. أما الركن الأول وهو معرفة المنعم فهي ان تتيقن بان النعم كلها من الله وانه هو المنعم الحقيقي وما سواه عبارة عن وسائط مسخّرات من قبل المنعم، فلو وصل إليك خير من شخص معيّن فاعلم ان الله جل جلاله هو الذي ألقى في قلبه من الإعتقادات والإرادات التي دعفت ذلك الشخص لا يصال تلك النعرة لك فمن عرف ذلك حصل له احد اركان الشكر الثلاثة. واما الركن الثاني وهو الفرح فالشكر يفرح بهذه النعمة لا من حيث انها مال ينتفع به ويلتذّ منه في الدنيا بل الشاكر يون فرحه بهذه النعمة من حيث انه يقدر بها على التوصل إلى القرب من المنعم والتزلّف إليه ونيل الكرامة عنده، وأمارة وعلامة هذا الفرح هو ان لا يفرح الدنيا الا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها ويخزن بكل ما يليهيه عن ذكر الله جل جلاله ويصده عن سبيله. لانّه لا يريد النعمة لذاتها بل من حيث إنّها توصلة إلى مجاورة المنعم وقربه ولقائه. واما الركن الثالث وهو العمل بموجب الفرح فهو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه وهو يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، اما المتعلق بالقلب فقصده الخير واضماره الكافة الخلق، واما المتعلق باللسان فاظهار الشكر لله جل جلاله بالتحميدات والثناآت الدالة عليه، واما المتعلق بالجوارح فاستعمال نعم الله جل جلاله في طاعته والتوقّي من الإستعانة بها على معصيته حتى ان من جملة شكر العينين ان يستر كل عيب يراه من مسلم، ومن جملة شكر الأذنين ان يستر كل عيب يسمعه عن مسلم، وفي الجملة ل من استعمل شيئاً في طاعة الله جل جلاله فقد شكر نعمة الله عليه في ذلك الشيء وكل من استعمل شيئاً في غير طاعة الله جل جلاله فقد كفر بنعمة الله عليه في ذلك الشيء. علي : عذراً يا أبي للمقاطعة ولكني أراك تستعمل كلمة الكفر في مقابل كلمة الشكر فهل المقصود منها الشرك بالله والعياذ بالله.
(كفران النعم)
الأب: الكفر الذي اقصده بكلامي هنا هو كفر النعمة فهو الذي يقابل شكر النعمة، وهذا الكفر يعرف بمقايسته بحقيقة الشكر، فإذا كان الشكر هو معرفة المنعم والفرج بها والعمل بما يوجبه الفرج فالكفر اي كفران النعم هو جهل المنعم والفرج بالنعمة لذاتها لما يصاب منها من لذّات وحظوظ دنيوية وعدم العمل بما يوجبه الفرج فهذا هو كفران النعمة الذي يقابل شكر النعمة. فظهر لك يا بني من كل ما مرّ ان حقيقة الشكر مركّبة من هذه الأركان الثلاثة وهي المعرفة والفرج والعمل. علي: جزيت خيراً يا ابي على هذا الإيضاح ولكن أودّ ان تذكر لي شيئاً من النصوص الشريفة حول الشكر.
(فضيلة الشكر)
الأب: أعلم يا بني انه قد ورد في فضيلة الشكر كثير من الآيات والروايات، اما الآيات الشريفة فقد ورد في بعضها الحثّ الشديد على الشكر والترغيب الكبير فيه لحقوله جلّ جلاله (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) {إبراهيم/7} وكقوله جل جلاله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ {البقرة/152}وكقوله جل جلاله (وسنجزي الشاكرين) ولكون الشكر غاية الفضائل فلا يصل أية الا الأو حدي من الناس (وقليل من عبادي الشكور) وكفى بالشرف فضلاً وشرفاً انه خلق من اخلاق الربوبية وصفة من الصفات الإلهية كما قال جل جلاله (والله شكور حليم) وهو فاتحة كلام اهل الجنة وخاتمته كما قال جل جلاله (وقالوا الحمد لله الذي صدّقنا وعده) وقال جل جلاله (وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين) وان الروايات فمنها ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله (ينادي منادٍ يوم القيامة: ليقوم الحمّادون، فقال صلى الله عليه وآله (الذين شكرون الله على كل حال) وقيل له صلى الله عليه وآله (لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فأجاب صلى الله عليه وآله (ألا اكون عبداً شكوراً) ومنها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال (ما أنعم الله على عبد من نعمه فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهراً بلسانه فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد) وروي عنه عليه السلام انه قال (ثلاث لا يضر معهن شيء الدعاء عند الكرب والاستغفار عند الذنب والشكر عند النعمة) وروي عنه عليه السلام انه قال (اشكر من انعم عليك (وانعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير) اي من التغيير والزوال والأحاديث الواردة في فضيلة الشكر كثيرة كما قلت لك. علي: جزاك الله خيرا يا أبي علي ايضاحك حقيقة الشكر لي ولكن لما كان الشكر هو استعمال نعم الله وجلاله فيما يحبه والكفر على النقيض من من ذلك فلابد من معرفة ما يحبه الله وما يكره كي أوقف للشكر واحتسب الكفر فكيف اعرف ذلك الأب أرى يا بني ان المقام بنا قد طال ولابد من تأجيل الكلام إلى وقت آخر. علي : بأمرك يا أبي وأنا استميحك عذراً والسلام عليكم. الأب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.