رجال من صفحات التاريخ                            إعداد : الشيخ أمجد الجنابي

 

 

الوحيد

 

البهباني

 

ظهر في القرن الثالث عشر النشاط الاخباري و بلغ ذرْوته وعمّت أفكاره على الرغم من بذل المحاولات الجادَّة التي قام بها بعض العلماء المحققين للحد من نشاطه، والحيلولة دون انتشاره ولم تتكلّل جهودهم بالنجاح ، وكان النشاط الاخباري قد عصف بمعالم الحركة الفكرية بالمحاولات التي تدعو إلى الظواهرية، الرافضة للجهود العقلية مما أشرف بالفكر الشيعي على التردي في هاوية الجمود والتخلف والتأخر إلى أن قام رجل العلم والقلم، والتحقيق والتدقيق الإمام المجدد المولى محمد باقرالوحيد البهبهاني فقيه أهل البيت ومحقق أصول المذهب ومحيي معالم الحق فكان له اليد البيضاء في تدارك الأمر ودحر هذا النشاط بتزييف دعاواهم والرد على شبهاتهم ففتح للفقه آفاقه الواسعة وعبد له مشارعه الغنية بمعين الاجتهاد المستمدة من أصول أهل البيت (ع) وفقههم

حياة و سيرته
الشيخ محمّد باقر بن المولى محمّد أكمل الأصفهاني ، المعروف بالوحيد البهبهاني ، وينتهي نسبه إلى الشيخ المفيد ( قدس سره ) .
ولد المحقّق سنة 1118هـ في إصفهان، وقرأ المقدّمات فيها، ثمّ انتقل إلى النجف من جرّاء نشوب القلاقل والفتن وأكمل فيها دروسه عند العلمين الجليلين السيد محمد الطباطبائي البروجردي ـ جدّ السيد بحر العلوم ـ و السيد صدر الدين القمي المشهور بالهمداني شارح كتاب ( وافية الاَُصول ) و صاهر أُستاذه السيد محمد الطباطبائي ولمّا تزوّد من معين تلك الحوزة ، انتقل حينها إلى بهبهان معقل الاَخباريين في ذلك الزمان، ومكث هناك ما يربو على ثلاثين سنة، لعب فيها دوراً هاماً في التعليم والتربية والتأليف والتصنيف ثمّ انتقل إلى كربلاء حيث كانت تعجّ بالاَخباريين يومذاك. يقول الشيخ اغا بزرك الطهراني: لما ورد المترجم كربلاء المشرّفة قام بأعباء الخلافة، ونهض بتكاليف الزعامة والاِمامة، ونشر العلم بها، واشتهر تحقيقه وتدقيقه، وبانت للملأ مكانته السامية، وعلمه الكثير، فانتهت إليه زعامة الشيعة ورئاسة المذهب الاِمامي في سائر الاَقطار، وخضع له جميع علماء عصره، وشهدوا له بالتفوّق والعظمة والجلالة، ولذا اعتبر مجدّداً للمذهب على رأس هذه المائة، وقد ثنيَّت له الوسادة زمناً، استطاع خلاله أن يعمل و يفيد، وقد كانت في أيامه للاَخبارية صولة، وكان لجهّالهم جولة، وفلتات وجسارات و تظاهرات ، فوقف المترجم آنذاك موقفاً جليلاً كسر به شوكتهم، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الاَعاظم، الناهضين بنشر العلم والمعارف، وله في التاريخ صحيفة بيضاء يقف عليها المتتبع في غضون كتب السير ومعاجم الرجال .

انا حجة الله عليكم

ورود الشيخ إلى كربلاء وهي يومئذ معقل الاَخباريين يتزعمها الفقيه الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، فحضر أبحاثه أياماً، ثمّ وقف يوماً في الصحن الشريف، ونادى بأعلى صوته: أنا حجة اللّه عليكم، فاجتمعوا عليه، و قالوا ماتريد: فقال: أُريد من الشيخ يوسف يمكّنني من منبره و يأمر تلامذته أن يحضروا تحت منبري، فأخبروا الشيخ يوسف بذلك، وحيث إنّه كان يومئذٍ عادلاً عن مذهب الاَخبارية، خائفاً من إظهار ذلك من جُهّالهم، طابت نفسه بالاِجابة وشكَّلت هذه الحادثة منعطفاً تاريخياً في قلب الموازين لصالح الاَُصوليين، حيث وضع المحقّق البهبهاني أصابعه على النقاط الحسّاسة التي كانت الاَخبارية تتشدّق بها. ولسعة علمه يحكي المحدّث القمي عن الحاج كريم أحد سدنة الروضة الحسينية المقدسة انّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه، وذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم و هما واقفان يتحاوران، وطال حوارهما حتى حان وقت إغلاق أبواب الحرم، فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم، واستمرا في حوارهما وهما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن وهما يتحاوران، فلما حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الذي ينفتح على القبلة، واستمرا في حوارهما و هما واقفان، فتركهما وذهب إلى بيته ونام، فلمّا حلّ الفجر ورجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرين في الحوار والنقاش، فلمّا أذّن الموَذن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى الحرم ليقيم الصلاة جماعة، ورجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن وافترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، وأذّن وأقام وصلّى صلاة الصبح.

رفع الشتم والسباب

ان الذي يعرب عن خطورة الموقف انذاك هو بلوغ الاَمر إلى الطعن بالعلماء والتشنيع بهم، وقد تصدى المحقّق البهبهاني الى ذلك فجعل يذكر مأثر العلماء في مجلس بحثه ولقاءاته وكتبه ففي رسالة (الاجتهاد والاَخبار) يخاطبهم بقوله: ما الوجه في مطاعنكم الشديدة المنكرة بالنسبة إلى المجتهدين، والتشنيعات المتكثّرة الركيكة على هوَلاء المتقين الورعين، وما المحلّل لهتك حرمة الاَحياء والاَموات من الموَمنين، وإيذائهم مع كونهم من أزهد الزاهدين، وأصلح المتدينين؟! بل ربما تأمّلتم في عدالة من يقرأ كتبهم ويسلك سبيلهم؟! ولم هذه التفرقة بين الموَمنين؟ وممّ هذه المعركة المهيّأة بين العالمين؟ وما هذه البغضاء والنفرة الحادثة بين الشيعة؟ ومن أين اجترأ الجهلة على الطعن في الاَعاظم والاَجلّة بنسبتهم إلى متابعة أهل الضلالة؟! وغيرها من الاَُمور السخيفة؟! وأدخلوا أنفسهم بين العلماء وآرائهم في الآراء مع أنّهم لا يعرفون الهرّ من البرّ، مهدوا لاَنفسهم قواعد مضحكة، ويفتون بفتاوى ركيكة، يدّعون أنّهم أخباريون و انّكم لو اطّلعتم على فتاويهم وقواعدهم لتنفّرتم عنهم، وحذرتم منهم ووجدتم إياهم لا هم منكم ولا أنتم منهم.
وأمّا تلميذه فقال: وقد كانت بلدان العراق لا سيّما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدومه من معاشر الاَخباريين، بل و من جاهليهم والقاصرين، حتى أنّ الرجل منهم إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا ـ رضي اللّه عنهم ـ حمله مع منديل، وقد أخلى اللّه البلاد منهم ببركة قدومه، واهتدى المتحيِّر في الاهتمام بأنوار علومه .

تلاميذه

عند غياب نجم المحقّق البهبهاني (قده) سار ركبه الفقهي الذي أشاد معالمه و لم يزل سائراً نحو الامام بفضل تلامذة مدرسته ومن ابرزهم :
المولى محمد مهدي النراقي المتوفّى 1209هـ - السيد محمد مهدي بحـر العلوم المتوفّى1212هـ الشيخ أبو علي الحائري صاحب كتاب منتهى المقال ا لمتوفّى 1216هـ- المولى محمد كاظم الهزارجريبي الشهيد في كربلاء عند هجوم الوهابيّين عام 1234هـ - السيد جواد العاملـي (المتوفّى 1226هـ) موَلّف الموسوعة الفقهية الشهيرة المسمّاة مفتاح الكرامة في عشرة أجزاء - الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1227هـ) - الميرزا أبوالقاسم القمي (المتوفّى 1231هـ) صاحب كتاب قوانين الاَُصول- السيد علي الطباطبائي صاحب الموسوعة الفقهية المسمّاة بـ (رياض المسائل) (المتوفّى 1231هـ)
انجازاته العلمية
من اهمها تصعيد النشاط الفقهي ومكافحة الرجعية والجمود، وإعادة العقل إلى ساحة الاستدلال، وإحياء الدور الذي قام به المحقّق الاَوّل ومن أعقبه خصوصاً المحقّق الثاني والمحقّق الاَردبيلي ـ قدّس اللّه أسرّارهم.
وظهور ابتكارات أُصولية على يده سار على ضوئها تلامذته في كتبهم الاَُصولية والفقهية كـ(رياض المسائل) للسيد علي الطباطبائي و (قوانين الاَُصول) للميرزا القمي و(مستند الشيعة) لاَحمد النراقي.
وقد تم القضاء على الاَخبارية وأفكارها وتقلّص نشاطها ولم يبق منهم إلاّ النزر اليسير.
واستطاع قدس سره أن يغيّـر وجهة نظر زعيم الاَخباريين في عصره، فقد بدأ الشيخ يوسف البحراني يميل إلى مدرسة الاَُصوليّين شيئاً فشيئاً حتى أنّه أخذ يقول في المقدمة الثانية عشرة من مقدّمات كتابه الحدائق الناضرة :
وقد كنت في أوّل الاَمر انتصر لمذهب الاَخباريين، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، إلاّ أنّ الذي ظهر لي بعد إعطاء التأمل حقّه في المقام، و إمعان النظر في كلام علمائنا الاَعلام هو إغماض النظر عن هذا الباب و إرخاء الستر دونه و الحجاب، و إن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والاِبرام.
أمّا أوّلاً: فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين.
وأمّا ثانياً: فلاَنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلّه بل كلّه عند التأمل لا يثمر فرقاً.
وأمّا ثالثاً: فلاَنّ العصر الاَوّل كان مملوءاً من المحدّثين و المجتهدين، مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الاَوصاف.
وفاته
توفي الشيخ البهبهاني ( قدس سره ) في التاسع والعشرين من شوال 1208 هـ ، بمدينة كربلاء المقدَّسة ، ودفن في رواق حرم الإمام الحسين (ع)، ممّا يلي أرجل الشهداء ، وقبره مُشيَّد عليه صندوق جليل بارز ، مكتوب عليه اسمه ، واسم تلميذه السيّد علي البهبهاني صاحب كتاب الرياض المدفون بجنبه .