التفسير                                                        الشيخ ناجح العبودي

بسم الله الرحمن الرحيم               

{فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ }                     الروم / 38-39

 1- شرح المفردات
القربى: القرابة المذكورة في الاية فسرت بمعنيين ، الاول: منها المراد بالقربى قرابة رسول الله (ص) ورحمه فيكون المعنى اعط يا محمد قرباك حقوقهم التي جعلها لهم من الاخماس في اشارة الى قوله تعالى ((وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) الانفال/41، روى ابو سعيد الخدري وغيره انه لما نزلت هذه الاية على النبي (ص) اعطى فاطمة فدكاً وسلمه اياها وهذا هو المروي عن ابي جعفر الباقر (ع) وعن ابي عبد الله الصادق (ع).
وفي كتاب الاحتجاج للطبرسي (رحمه الله) عن علي بن الحسين قال لبعض الشامين اما قرأت هذه الاية (({وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)) قال نعم قال (ع) فنحن اولئك الذين امر الله عز وجل نبيه (ص) ان يؤتيهم حقهم.
الثاني/ انه خطاب للرسول الاعظم (ص) ولغيره والمراد بالقربى قرابة الرجل فتكون الاية امر بصلة الرحم بالمال والنفس.
فيكون المراد للقريب حق على قريب الغني وهو الانفاق عليه بما يسد الخلة، واختلفت المذاهب في تحديدهم فقال الامامية والشافعية الاقارب الواجب نفقتهم هم الاباء وان علو والابناء وان نزلوا، وقالت المالكية لا تجب الا نفقة الابوين والابناء الادنيين دون اباء الاباء وابناء الابناء، وقالت الحنابلة تجب نفقة القريب بشرط ان يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه اما الحنفية فيرون ان شرط القرابة التي تجب معها الانفاق هي التي توجب حرمة الزواج.
المسكين: وهو اشد حالاً من الفقير فالفقير هو الذي لا يملك قوت سنته بالفعل او بالقوة اما المسكين فلعله الذي لا يملك قوت يومه.
ابن السبيل: المسافر الذي انقطع به الطريق ولا يملك ما يعود به او هو المسافر المحتاج.
المعنى الاجمالي للأية الاولى
ان الذي يريد ارضاء الله سبحانه وتعالى ويقصد ذاته المقدسة بعمله ويريد ان يكون من المفلحين عليه ان يتولى اهل البيت وهم قرابة الرسول 5 ويحب ما يحبون ويبغض ما يبغضون لان رضاهم رضا الله تعالى وسخطهم سخطه وهم الباب الذي ينبغي ان يؤتى للدخول لمدينة العلم الى غير ذلك وبذلك يكون قد اتى قربى الرسول حقهم، ويمكن ان يكون المعنى المراد على الذي يريد وجه الله سبحانه وتعالى ان يتقي الله في امواله وغنائمه ومكاسبه بان يعطي حقوقها من الخمس والزكاة الى مستحقيها لاسيما سهم القربى والمساكين وابن السبيل ويمكن ان يكون المعنى على المؤمن الذي يقصد الباري تعالى بعمله عليه اعانة المحتاج بما يسد الخلة والاحتياج القدر المتيقن من الوجوب هو وجوب الانفاق على الاقربين بالمعنى المتقدم وكذلك المسكين وابن السبيل وفي الحديث المأثور روي عن الحسين (ع) قال سمعت رسول الله (ص) يقول (ابدا بمن تعول امك واباك واختك واخاك ثم ادناك ادناك ثم قال (ص) لا صدقة وذو رحم محتاج، ويمكن ان يراد المعاني معاً ومن المعلوم ان اصناف المستحقين للخمس والزكاة اكثر من ثلاثة فما هو الوجه في ذكر هذه الثلاثة دون غيرها، قيل في جوابه انه تعالى ذكر الثلاثة لاهميتهم ووجه الاهمية ان نفقتهم تجب على كل من له مال سواء زكوياً ام لا قبل الحول او بعده فحالهم لا تقبل التأجيل والتأخير والذي يرشدك الى ذلك ان جميع الايات التي ورد فيها تعداد لاصناف المستحقين تقدم ذوي القربى على غيرهم وتقدم المسكين على ابن السبيل كما في سورة البقرة الايات 177 و215 و83 فراجع.
ومن الجدير بالذكر ان الغرض المنشود من الانفاق الاخروي وكذلك الغرض والمنفعة الدنيوية والتي ابرز مظاهرها اصلاح النظام الاجتماعي وابراز الجانب التكافلي بابهى صوره وباشاعة روح التسامح والمساعدة وافشاء حالة التواصل والتراحم دون القطيعة والتزاحم كل ذلك لا يحصل الا بنية خالصة متقرباً بهذا الفعل الى وجهه تعالى ذاته راجياً رحمته مبتعداً كل الابتعاد عن الرياء والتفاخر وطلب السمعة والجاه والى هنا الاشارة بقوله تعالى ((يريدون وجه الله)) وفي الجملة هذه الاية تؤشر الى اعطاء المال الغير خالصاً لوجه سبحانه وتعالى بخلاف الاية التي تليها التي تنبأ الى ان هناك نحو اعطاء للمال لطلب الربح والزيادة وليس الرضا والمغفرة.
ربـــا
استعملت هذه المادة في ايات كثيرة وكانت اشهر معانيها الزيادة والارتفاع كما في الحديث المعروف عن الصدقة ((انها تربو في كف الرحمن حتى تكون اعظم من الجبل)، ومن الزيادة سميت الربوة ربوة لانها زيادة في الارتفاع على المتعارف منها والربا المحرم وردت فيه ايات عدة اشهرها ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))130/ ال عمران ، وقوله تعالى ((يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ )) البقرة / 276 وقوله تعالى ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )) البقرة/ 275، وهذا كله ظاهر ولا كلام فيه انه ربا محرم ولكن هل الاية التي نحن بصددها من هذا النحو او هناك نحو آخر من الربا يكون محللاً.
الربا المحلل
الربا المذكور في الاية الكريمة قيل فيه قولان الاول انه الربا محرم وهذا القول منقول عن الجبائي المعتزلي فيكون من قبيل ((يمحق الله الربا ويربي الصدقات)).
والقول الثاني هو الربا الحلال وهو ان يعطي الرجل العطية او الهدية ليثاب اكثر منها فلا يكون فيه وزر ولا آجر وهذا مروي عن ابن عباس وعن الباقر (ع) وكذلك الصادق (ع) فهو اي الصادق (ع) يقول كما في كتاب تهذيب الاحكام في تفسير هذه الاية ((هو هديتك الى الرجل تطلب منه الثواب افضل منها فذلك ربا يؤكل)).
وفي حديث اخر ((الربا رباوان احدهما حلال والاخر حرام فاما الحلال فهو ان يقرض الرجل اخاه قرضاً يريد ان يزيده ويعوضه باكثر مما يأخذه بلا شرط بينهما فان اعطاه اكثر مما اخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له وليس له عند الله ثواب ما اقرضه وهو قوله تعالى ((فلا يربو عند الله)) واما الحرام فالرجل يقرض قرضاً ويشترط ان يرد اكثر مما اخذه فهذا هو الحرام)) انتهى الحديث والذي يقوي هذا القول مقتضى المقابلة، ففي الاية السابقة اعطاء لوجه الله تعالى لا لطلب الزيادة وهذا اعطاء لطلب الزيادة وان لم تكن شرطاً فالاول يربو ويزداد وينمو عند الله لانه ما كان لله تعالى ينمو وفي هذه الاية اعطاء بنية الزيادة فلا يربو عند الله لان المعطي طلب الزيادة والجائزة لا وجه الله تعالى، واما اعطاء الزكاة بنية صالحة وخالصة فليس كالربا فهو من الامور التي تسبب صلاح دار الدنيا وعمران غرف الاخرة وفيما تنميه للدارين، وقال امير المؤمنين (ع) (فرض الله تعالى الصلاة تنزيهاً عن الكبر والزكاة تسبيباً للزراق والصيام ابتلاءاً لاخلاص الخلق وصلة الارحام منماة للعدد).
المضعفون: قيل هم الذين يضاعف لهم الاجر والثواب وقيل ذوو الاضعاف في الحسنات يقال رجل مقو اي ذو قوة كما يقال لذي اليسار موسر وقيل هم المضعفون للمال في العاجل وللثواب في الاجل لان الله سبحانه وتعالى جعل الزكاة سبباً لزيادة المال وعليه الحديث (ما نقص مال من صدقة).
المعنى العام: الذي يريد باعطاءه المال للغير الزيادة ان كانت مشرطة حرمت المعادلة وان لم تكن الزيادة مشروطة فقد يعطيه وقد لا يعطيه وعلى كل التقادير لا يعطيه الباري تعالى شيء فهكذا ربا وزيادة لا تربو عنده تعالى.
فائدة فقهية
الاولى:
النفقة والانفاق

1- الزوجية: فتجب نفقتها على الزوج اذا كانت زوجة دائمة مطيعة له فيما يجب اطاعته عليها، ولا فرق بين المسلمة والكتابية.
2- القرابة: وهم الاباء وان علو والابناء وان نزلوا مع شرط الاحتياج وتفصيل ذلك مذكور في محله.
3- الملك: فمالك كل حيوان يجب عليه ان يبذل له ما يحتاج اليه الحيوان من الامور التي لا يحصلها الحيوان بنفسه من الطعام والماء والمأوى وسائر ضرورياته سواءكان الحيوان محلل اللحم ام محرم وسواء كان اهلياً او وحشياً.
4- الاضطرار: وهو الشخص الواجد للطعام والماء غير المضطر اليه يجب عليه بذلهما للفاقد لهما انقاذاً له من الهلاك ويجوز ان يكون هنا البذل بعوض على تفصيل في محله.

الثانية :
انواع الربا

الربا قسمان ، ربا المعاملة، والاعيان وربا الاموال.
الاول/ ربا المعاملة: وهو بيع احد المثلين بالاخر مع زيادة عينية في احدهما كأن يبيع مئة كيلو حنطة بمئة وعشرة منها او مئة كيلو منها بمئة كيلو ودينار، فهذا حرام ويشترط في تحققه امران: 1- اتحاد جنس المبيع وذاته بحسب العرف وان كان هناك اختلاف في الاوصاف بالدقة وعلى هذا فلا يجوز بيع الحنطة بالحنطة ولا الرز بالرز حتى لو كانت الاولى جيدة والثانية رديئة او كان الاول عنبر مثلاً والثاني هويزاوي، وينبغي الاشارة الى ان الحنطة والشعير جنس واحد في الربا وكذلك التمر بانواعه والضآن والمعز جنس واحد، والبقر والجاموس والاصل مع فرعه على المشهور جنس واحد كالحنطة والطحين.
2-ان يكون كل من الثمن والمثمن من المكيل او الموزون اما المحدود فلا ربا في بيعه مع المماثلة والزيادة. ولا ربا بين الاب وابناءه وبناته ولا بين الزوج وزوجته ولا بين المسلم الحربي اذا اخذ المسلم الزيادة.
الثاني/ ربا الاموال:
وهو ان يقرض شخص شخصاً آخر مالاً بشرط الزيادة للمقرض اما اذا كان المقترض يعطي زيادة من دون اشتراط فهو جائز وهو من حسن قضاء الديون وفيه تشجيع للاقراض لذلك قيل خير الناس احسنهم قضاءاً ولكن يكره للمقرض اخذ الزيادة وهناك تفاصيل فقهية مهمة تلاحظ في محلها من الكتب الفقهية والرسائل العملية .
والحمد لله رب العالمين