حوارات                                            حوار: فائق الشمري

 كنا قد تناولنا في العدد السابق موضـوع الجبر والتفويض.. القضاء والقدر وفق دراسة شيقة اعدها سماحة السيد مرتضى العسكري (قده) في هذا المجال ..
ووجدنا ان الإنسان انما يفعل ما يفعل بمحض اختياره وبما منحه الله من نعم ، وأنّه لم يفوّض إليه الأمر في هذا العالم، ولم يجبر على فعل بل هو أمر بين أمرين، وهذه هي مشيئة الله وسنّته في أمر أفعال العباد، ولن تجد لسنّة الله تبديلا. يقول الله في حديث قدسي: ( يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ، وبقوَّتي أدَّيتَ إليَّ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتُك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك)..
ولاهمية هذا الموضوع ،وعدنا القراء بالاجابة عن مجموعة من الاسئلة المهمة التي غالبا ما ترد بهذا المقام نجدها تغنـي البحث من خلال ايجاد امثلة واقعية لهذا الموضوع ..وقد التقت مجلة النجف الاشرف سماحة السيد غيث شبر ليجيبنا عنها وكان هذا الحوار:

 النجف الاشرف: سماحة السيد كيف يكون الإنسان مختاراً في ما يصدر منه من فعل مع تسلط الشيطان عليه من حيث لا يراه وأغوائه بما يوسوس إلى قلبه ويدعوه إلى فعل الشر؟
- إن الشيطان إنما هو مؤثر للفساد والشر وليس علة تامة لتحققهما، كما أن الرسول مقتضٍ للصلاح والخير وليس علة تامة لتحققهما.
وهذا مما لا يمكن الخلاف عليه فلو كان الشيطان علة تامة لتحقق الشر ولضلّ كل من في الأرض وهو خلاف الواقع فإقتضائية الوسوسة الشيطانية كالدافع الذي لا يستطيع دفع عربة إلا أن تدفع معه فهو بدونك لا يستطيع شيئاً وليس له سلطة على دفع العربة لوحده، وكذلك لو كان الرسول علة تامة للخير لهدي كل الناس على يديه وهذا ايضاً خلاف الواقع. فهو أيضاً كالدافع للعربة، غاية الأمر إنهما متعاكستان في القيمة فالشيطان في السلب والرسول في الإيجاب فهما إذاً على طرفي معادلة من الدعوة للفرد، وبهذه المعادلة يتحقق معنى الاختيار والتكليف، فلو لم تكن تلك المعادلة موجودة لما أمكن الاختيار أصلاً فبوجود الطرفين الدافعين للفرد أمكن للفرد أن يختار. إما أن يكون هناك طرف واحد فلا معنى حينها للاختيار، وإذا كان لا معنى للاختيار فلا معنى للتكليف عندها أيضاً.
النجف الاشرف : معنى كلامكم ان الانسان يبقى بين هذين المؤثرين؛ مؤثر الشر ومؤثر الخير، والإنسان هو الذي يختار ؟
نعم بالتاكيد فالانسان هو وحده الذي يختار ان يدفع باتجاه أحدهما وهذا محصل قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا {الإنسان/3}، ومحصل قوله تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ {البلد/10}) أي الطريقين أي الخير والشر. وبوجود طرفي التأثير المتوقف تحققهما على اختيار الفرد تتبلور فكرة الاختيار ليكون هو الشرط المحقق للعلة التامة للفعل اي ان مقتضي الشر لا يمكن تحققه الا بعد ان يختاره الفرد ويوافق عليه وبهذا يكون فعل المكلف هو المحقق للعلية التامة لتحقق الفعل وكذا الحال في مقتضي الخير.
النجف الاشرف : سيدي العزيز ، يتبادر للذهن السؤال التالي: كيف يكون الإنسان مختاراً وهو يعيش في محيط فاسد ولا يرى فيه غير الشر والفساد؟
- ان من المُسلّم به ان للمجتمع تأثيراً على الفرد وهذا التأثير يمتد أفقياً ليشمل أفراداً بشكل متسع، لكنه مع ذلك لا يرتقي (اي ذلك التأثير) ليصل إلى درجة العلة التامة بل يبقى في حدود الاقتضاء، إذ كما ترى ان اغلب بل كل افراد المجتمع ومع تأثرهم بعادات المجتمع واتباعهم له وحتى مع اقرارهم بحسن عاداته فإنه لابد وان يخالفوه ولو في شيء واحد ولو مرة واحد ولن تجد شخصاً معصوماً لأعراف المجتمع ابداً، بل على العكس نجد الكثير ممن لا ينضبطون بضوابط مجتمعهم وعلى الفرض الثاني وهو وجود الكثير من الأفراد الذين لا يلتزمون بضوابط مجتمعهم يحصل لدينا العلم بان تأثير المجتمع الواسع الذائع الصيت ليس عميقاً في ذات الفرد ولا يصل إلى درجة التأثير التام أو العلة التامة للفعل بل لا يكاد يصل إلى احد المؤثرات الباعثة للتصرف والسلوك، وإذا كان كذلك فهذا يعني انه جزء من معيار ومعادلة تحقق الاختيار فهو أي تأثير المجتمع وبنوعية الرديء والجيد ليس إلا مؤثر ودافع كما مر في سؤالكم الاول.
النجف الاشرف : لكن إذا كان الفرد في مجتمع فاسد ولايوجد اي مقتضٍ للخير والصلاح، فكيف بهذا الفرد؟
- أنه لو فرض وجود هذا الفرد فهو ليس معاتباً بشيء من افعاله.!!
ولكن الانسان بطبعه وخلقته وفكره يدرك الكثير من الامور الحسنة ويدرك الخير ونحوها من الأمور فتكون تلك الامور المؤثرة، الآخر الموازن لمعادلة الاختيار وهي موجودة في كل انسان مدرك وعاقل ويكون الحساب على قدر موازين التأثير فان كانت هذه الموازين المؤثرة الإيجابية هي الأرجح كفةً وموازين التأثير السلبية هي الأقل حوسب بدقة كما يحصل لأهل بلاد العلم والدين والعلماء ونحوهم وبتغير رجحان الكفة تتغاير معايير المحاسبة وبهذا المضمون وردت روايات كثيرة.
النجف الاشرف: ماذا يستطيع ان يفعل الإنسان الذي لم تبلغه دعوة الانبياء في بعض الغابات؟ او بمعنى اخر: ماذا له وماذا عليه؟ وهل يحاسب ويعاقب ام ماذا؟
- ان الله سبحانه وتعالى انما يعاقب الناس ويحاسبهم على ما وصل لهم من اوامره وبمقدار ما عقلوا منها وعلموا بها (و لا يظلم ربك أحداً) (الكهف / 49) فهو جل وعلا لا يحاسب الا بعد  الحجة فالحساب فرع الحجة وبدونها لا حساب. وبهذا صرحت روايات أهل البيت (عليهم السلام) فعن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ومن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟
قال: لا
وكذا ما روي عن الصادق (عليه السلام) انه قال (ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم).
فترى العقوبة متوقفة على العمل والتكليف به وهو متوقف على العلم به وهذا على القاء الحجة بالإرسال او الإيحاء.
النجف الاشرف: سماحة السيد، ما ذنب ولد الزنا وما جُبّل عليه من حبّ فعل الشر بسبب فعل والديه؟!
- سؤال مهم، كما تعلمون ان من اهم الأسس التي يرتكز عليها المذهب هو الإيمان بأن الله جل وعلا عدل حكيم، فلا يمكن ان يعاقب احداً لم يصدر معصيه، ولذا لا يمكن ان يعاقب ولد الزنا لانه تولد من زنا! لانه ليس معصية له، لأنه من وقع عليه الفعل، لا من وقع منه الفعل فهو بالأحرى، (المجني عليه) لا (الجاني) فكيف يعاقب بخطيئة شخصين آخرين كان جل آثار خطيئتهما على ذلك الشخص فهو من تحمل تبعات المجتمع من الشعور بقلة المكانة الإجتماعية والذنب والشعور بالنقص وغيرها من مقتضيات التشويه النفسي للفرد. وعلى هذا فالسؤال (ما ذنب ولد الزنا) جوابه: انه لا ذنب له فإنما هو مكلف كباقي المكلفين من حيث الأوامر والنواهي والثواب والعقاب ولذا روي عن أهل البيت (عليهم السلام) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إن ولد الزنا يستعمل، ان عمل خيراً جزي به وان عمل شراً جزي به). ومعنى الحديث وان كان واضحاً الا اننا زيادة للتوضيح نقول يستعمل اي يطلب منه العمل ان يكلف بالعمل او الاعمال فهو كباقي المكلفين ان عمل خيراً فجزاؤه الخير وكذا ان كان شراً فشر.
النجف الاشرف: لكن اذا كان كذلك لماذا الشريعة لا تجوز ان يكون (ابن الزنا) اماماً للجماعة او مرجعاً للتقليد فما ذنبه لكي يحرم منها؟
- ان هذا الأمر والحكم الشرعي ليس من باب العقوبة لولد الزنا حتى يقال (ما ذنبه لكي يحرم منها) أو يقال إنه أذنب بل لان تلك الاحكام مشروطة بقيود وحاملها فقط يمكنه تأديتها فمثلاً اشتراط الرجولة لإمامة الرجال تحرّم أتقى النساء من إمامة الرجال كفاطمةJ فلا يقال ما ذنبها؟ لأن عدم جواز إمامتها ليس عقوبة لها على ذنب بل حكم شرعي اشتراطي ولا يستلزم الانتقاص منها صلوات الله عليها، فعدم وجود الشرائط لا يستلزم الاستنقاص الشرعي لغير الواجد لها. وعدم تصدي ولد الزنا لإمامة الجماعة ونحوها من الأمور قد يكون تشريعاً دفاعياً لولد الزنا، فالمولود من زنا وان كان يعلم البعض بانه (ولد من زنا) لكنه يحاول كأي إنسان آخر أن يتجنب أن يعلم الكل بعيبه (وهو عيب اجتماعي كما لا يخفى، فضلاً عن أن يحارب به ويشهّر به فان لهذا تأثير شديد عليه وعلى الدين أيضاً، ومعلوم لمن يتصدى لمثل هذه الأمور فان هناك الكثير ممن يحاولون معرفة الكثير عنهم سواء من محبيه او مناوئيه ولذلك يكون (ولد الزنا) هنا صيداً سهلاً ليوقع به في المجتمع ولعله لهذا يأمره الشارع بعدم التصدي فهو كالمعاق الذي لا يمكنه القتال فيمنعه القتال خوفاً عليه مع عدم فائدته وكذا هو.
النجف الاشرف: ورد ت الكثير من الروايات التي تقول ان الانبياء والأوصياء لا يقتلهم الا اولاد الزنا !! ماهو تفسيركم لهذا ؟
- الروايات التي تقول ان الانبياء والأوصياء لا يقتلهم الا اولاد الزنا ، انما تعبّر عن قضية كلية مفادها (كل قاتل لهم ولد زنا) ولا تنعكس هذه القضية. فيكون (كل ولد زنا قاتل لهم) ولا دلالة في المروي على ذلك فهي اذن لا تشير إلى تبشير ( ولد الزنا بالنار) بل تشير إلى تبشير (قاتلي الأنبياء من ولد الزنا بالنار) فهم جزء منهم كما انهم جزء من البشرية ولا يؤاخذ الكل بالجزء. وعلى هذا فيمكن ان يكون ابن الزنا متقياً وملتزماً بالدين الحنيف كما يمكن أن يكون سيئاً كغيره من البشر.
النجف الاشرف: اذن الذنب يقع على من أذنب بحقه وعوّقه ذلك العوق الإجتماعي؟
- نعم بالتاكيد فالشخصان اللذان مارسا الرذيلة حين انعقدت نطفته هما من يتحملان تبعات كثيرة من همومه المستقبلية. نعم ان كون الشخص (ابن زنا) مقتضٍ إضافي في الجانب السلبي لكنه لا يصل إلى درجة العلة التامة فهو لا ينافي الاختيار بل يثبته.
النجف الاشرف: نشكركم سماحة السيد على هذه الايضاحات القيمة، ونشكر لكم سعة صدركم واعطاء المجلة جزء من وقتكم، وفقكم الله.