حواريات                                     السيد حسين المرسومي                                 

 التفكر هو سير الذهن وانتقاله من المبادئ إلى المقاصد ومنه معرفة موجد آيات الخلق ومبدعها والعلم بقدرته وعظمته الباهرة ولا يمكن لأحد أن يرتقي من حضيض النقصان إلى أوج الكمال الا بهذا السير..
وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه عن التفكر بقوله:الفكر مرآة الحسنات وكفارة السيئات وضياء للقلوب وفسحة للخلق. وأصابه في صلاح المعاد واطلاع على العواقب واستزادة في العلم وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها) كما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (ليس العبادة كثرة في الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في امر الله عزّ وجلّ). لذا تعالوا نتعرف اكثر بهذا العنوان من خلال الحوارية التالية:

علي: السلام عليكم يا أبي.
ولكن الأب لم يشعر بوجود علي وكان رافعاً رأسه مصوباً نظره إلى سقف الغرفة فاقترب علي من أبيه ثم أعاد السلام بصوت أعلى.
علي: السلام عليكم وهنا التفت الأب لوجود علي ولسلامه وأجاب.
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
علي: لقد سلّمت مرتين فلم ترد سلامي يا أبي؟
الأب: المعذرة يا بني انا لم اشعر بوجودك إلا الآن.
علي: وماذا يوجد في سقف الغرفة حتى يجعلك مستغرق الفكر فيه مشغولاً عن كل ما حواليك؟
الأب: رفعت رأسي يا بني إلى سقف الغرفة فلاحظت في اقصى زاويته رطوبة فتذكرت جدتك رحمها الله تعالى.
علي: وما الربط بين جدتي رحمها الله تعالى والرطوبة؟
الأب: كانت رحمها الله قبل مدة من وفاتها ملتفتة إلى هذه الرطوبة وطالبتني مراراً باصلاحها خشية تحلل السقف وسقوطه ـ لاسامح الله ـ ولكني لم أرَ فيه تلك الخطورة فلم اشأ أن اشتغل عن طلب العلم بما هو غير ضروري.
علي: هذا واضح ولكن أعيد سؤالي وهو ما الذي جعلك غارقاً في الفكر لدرجة انك لم تسمع الكلام؟
الأب: لقد كنت متفكراً في ما قالته لي جدّتك رحمها الله بأنه إذا لم نصلح السقف فسوف يخر علينا وها نحن ذا الآن وبعد سنوات من ذلك الكلام بقي السقف وماتت جدتك رحمها الله عزوجل فتفكري كان في أنه كم يوجد في حياتنا من أمر نشغل انفسنا به ونهتم به وإكماله انه لا يستاهل هذا الاشتغال والاهتمام وان الاهتمام بغيره أولى بل أوجب علينا.
علي: وهل تنهى الشريعة يا أبي عن أن يصلح الإنسان داره؟
الأب: كلا يا بني وكيف تنهانا عن ذلك وهي التي قد ذمّت الإتلاف للأموال والتبذير والتضييع وأرجو ان تتفهم كلامي يا بني وتتدبره فأنا لست ضد إصلاح الإنسان لداره ولكني ضد ان يشغل الإنسان أوقاته بغير المهم ويترك المهم او يشتغل بالمهم ويترك الأهم فهذا ما أعنيه وهذا ما كنت غارقاً فيه فأنا كنت اتفكّر، في ذلك.
حقيقة التفكّر
علي : وما هو التفكر يا أبي؟
الأب: التفكر هو (سير الذهن وانتقاله من المبادئ إلى المقاصد).
علي: وما هي المبادئ وما هي المقاصد؟
الأب: أما (المبادئ) فهي آيات الآفاق والأنفس، وأمّا (المقاصد) فهي الوصول إلى معرفة موجد تلك الآيات ومبدعها والعلم بقدرته القاهرة وعظمته الباهرة ولا يمكن لأحد أن يترقى من حضيض النقصان إلى أوج الكمال الا بهذا السير. فهو مفتاح الأسرار ومشكاة الأنوار ومنشأ الاعتبار ومبدأ الاستبصار وبه تنكشف ظلمة الجهل واستاره وتنجلي أنوار العلم وأسراره.
فضيلة التفكّر
علي: إذا كان للتفكر هذا الأثر العظيم فهل يا ترى حثّت شريعتنا المقدّسة عليه؟
الأب: أشدّ الحث يا بني وأبلغ المدح كقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)، وكقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ) وقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وغيرها من الآيات الشريفة.
علي: وماذا ورد في التفكر في الأحاديث الشريفة؟
الأب: روي عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) انه قال: (التفكر حياة قلب البصير) و( فكرة ساعة خير من عبادة سنة) وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (التفكّر يدعو إلى البر والعمل به) و(نبّه بالتفكّر قلبك وجافِ عن الليل جنبك واتّقِ الله ربك) وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) بإجالة الفكر يستدر الرأي المعشب) وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (الفكر مرآة الحسنات وكفارة السيئات وضياء للقلوب وفسحة للخلق، وإصابة في صلاح المعاد واطلاع على العواقب واستزادة في العلم وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها) وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (ليس العبادة كثرة في الصلاة والصوم إنما العبادة التفكر في امر الله عزّوجل).
أقسام التفكّر
علي : وهل للتفكر أقسام؟
الأب: التفكر الذي حثت عليه الشريعة المقدسة محصور بين التفكر في صفات الله وعجائب افعاله والتفكر بما يقرب العبد إلى الله عزوجل ليفعله وبما يبعده عنه ليتركه فهذا هو التفكر النافع واما التفكر في غير ذلك من الأفكار فهو ليس بنافع ولا متعلقا بالدين.
علي: هل ورد النهي في الشريعة عن التفكر بأمر؟
الأب: نهت الشريعة المقدسة عن التفكر في ذات الله لأنها اجل من ان تدركها أفهامنا فالتفكر فيها يورث اختلاط الذهن والحيرة واضطراب العقل فلذا ورد (أياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه) واشتهر عن النبي
(صلى الله عليه وآله) قوله (تفكروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره).
علي: لعلّي يا أبي أذكر إني قرأت انه
(صلى الله عليه وآله) قال: (أفضل العبادة ادمان التفكر في الله) فما المراد بقوله (صلى الله عليه وآله)  (التفكر في الله)؟
الأب: مراده
(صلى الله عليه وآله) من التفكر في الله هو التفكر في قدرته وصنعه وفي عجائب افعاله ومخلوقاته وغرائب آثاره ومبدعاته، لا التفكر في ذاته لكونه ممنوعاً عنه في الأخبار كما مرّ هذا فضلاً عن انه يورث الحيرة واضطراب العقل.
علي: بناء على ما تفضلت به ينحصر التفكر الممدوح في التفكر في عجائب صنع الله عزوجل وبدائع خلقه؟
الأب: هو ذاك يا بني فعلى أحدنا ان يتدبر في عمل ما يقربه من مولاه.
كيفية التفكّر
علي: وهل للتفكر وقت خاص وكيفية خاصّة؟
الأب: المطلوب ان يتفكر العبد في كل يوم وليلة في وقت واحد او اوقات متعددة في أخلاقه الباطنة وأعماله الظاهرة ويتفحص عن حاله فان وجد نفسه مستقيمة على جادة الشريعة متصفة بالفضائل الخلقية مجتنبة عن رذائلها ووجد اعضاءه ملازمة للطاعات والعبادات المتعلقة بها تاركة للمعاصي فإذا وجد العبد ذلك في نفسه وأعضائه فليشكر الله تعلى على عظيم توفيقه. وان وجد نفسه متصفة بشيء من الرذائل او خالية عن بعض الفضائل او وجد أعضاءه فاعلة للمعاصي تاركة لما أمرت به فليبادر إلى العلاج بما هو مفصّل في محله في الشريعة المقدسة بعد التفكر في سوء خاتمته وأداء تلك الرذائل والموبقات إلى مقت الله له والبعد والخسران المبين وبالجملة كان اخواننا السالفون لا يتفكرو عن هذا النوع من التفكر ويرونه من لوازم الإيمان فويل لنا إذ تركنا التأسي بهم والاقتداء بسيرتهم بل ذكر ان اصحاب الكهف لم يهتدوا الا ببركة التفكر الممدوح فراجع قصتهم يا بني وتأملها تدرك ذلك واجمالا يا بني حول سؤالك عن كيفية التفكر أحب ان اروي لك ما رواه الشيخ الكليني وهو في الكافي عن الحسن الصيقل قال سألت ابا عبد الله
(عليه السلام) عما يروي الناس ان تفكر ساعة خير من قام ليلة، قلت كيف يتفكر قال (عليه السلام) يمرّ بالخربة او بالدار فيقول اين ساكنوك وأين بانوك مالك لا تتكلمين).
علي: جزاك الله أبي خيراً وادامك لي.
الأب: وجزاك الله خيراً على سؤالك.
علي : اتأذن لي في الانصراف؟
الأب: تفضّل.
علي: السلام عليكم.
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.