كتابات                                    السيد طلال الحكيم

هو جهاد الضعفاء ووفادة إلى الله ومدحضة للذنب وهو الحشر الأصغر وأحد الجهادين، هو لله على الناس وهو أشهر معلومات، هو شعبة من رضوانه وطريق تؤدي إلى غفرانه ، استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه فحثّهم على تعظيمه، فهو علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزته، جعله للإسلام علماً وللعائذين حرماً. هكذا قال العرفاء، ففروا إلى الله.

 

 الحج مرآة للدين كله
 لما أتحدث عن فريضة الحج فإني اتحدث عن عبادة هي ليست كباقي العبادات، لم تكن هذه الفريضة عبادة وحسب قل فيها عبادات قل فيها فروض قل فيها شعائر قل فيها طقوس، قل فيها مناسك، قل فيها الدين كلّه... توحيد.. نبوّة .. إمامة.. عدلٌ .. معاد.. رجعة.. دنيا.. آخرة.. قل فيها صلاة، صوم، زكاة، جهاد، حياة، موت ، تشييد للدين، قل فيها كل شيء.. عظيم هو الحج... يرعبني هذا اللفظ .. لفظ استعيره إلى ملحمة يشترك فيها الزمان والمكان وعباد الله غنيهم وفقيرهم، عبدهم وسيدهم، أسودهم وأبيضهم، صغيرهم وكبيرهم حيهم وميتهم. لو تأملت في معنى الحج فستجد كل ما ذكرته في هذه الأمور ستجد أصل التوحيد ألم يقل تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {قريش3 /4} ألم يقل (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ) ألم يقل (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {الحج/26}) وهكذا قال زين الموحدين أمير المؤمنين (عليه السلام) (فهو علامة لتواضعهم لعظمته) أي الحج. ستجد النبوّة في آدم وإبراهيم وإسماعيل ومحمد (صلى الله عليه وآله) .. سترى آدم لما جعله الله خليفة في الأرض وإبراهيم يرفع القواعد وإسماعيل ومحمداً (صلى الله عليه وآله) لما وضع الحجر الأسود. سترى الإمامة في الركن اليماني وعند بطن البيت لما دخل صاعداً على المنكب الشريف ليكسر الأصنام، سترى في الحج عدل الله ان لا فرق بين عربي وأعجمي وسيد وحبشي بين أحمر قاتم وأسود فاحم وأبيض ناعم بشهادة واحدة (لبيك اللهم لبيك) لا يتمايزون إلا بالتقوى وهو عدل الله إذا أعطى لكل ذي حق حقه... ستجدهم بهيئة واحدة وبلباس واحد واقفين بعرفات وكأنهم واقفون بين يدي الله في معاده ، يطلبون رحمته ويرجون غفرانه، بدؤوا به في طواف عمرتهم وانتهوا إليه في طواف حجّهم فمن الله وإلى الله وإنا لله وإنّا إليه راجعون اشبه هذا الحال بابتدائي في خلقي ورجعتي إليه في موتي فمن الله وإلى الله وكل شيء بيد الله منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى... نعم الحج حياة وموت لكن بلباس الدنيا أرى من الحج الصلاة قال النبي (صلى الله عليه وآله) إنه ليس شيء أفضل من الحج إلا الصلاة وفي الحج ها هنا صلاة ... أرى من الحج الصوم قال الله تعالى (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) (البقرة / 196) وأرى منه الزكاة إذ قال تعالى (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)(الحج / 37) فانظر كيف قبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل قال امير المؤمنين (عليه السلام) ( لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحوا إنه يغفر لصاحب الأضحية عند أول قطرة تقطر من دمها، وأرى منه الجهاد كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) بذكر الحج إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال هو أحد الجهادين هو جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء) وكما قال فيه العرفاء هو الجهاد الأصغر. أرى فيه الحياة وذلك لما أحل من إحرام عمرة التمتع حيث يطيب لي كل شيء أرى فيه الموت لمّا أقف في الميقات محرماً مستعداً للقاء الله كقيامي من قبري مؤتزراً كفني مستعداً للقائه.. هو تشييد للدين كما قالت الزهراءJ في خطبتها الكبيرة كيف لا وملايين المسلمين يتجمعون ويتجمهرون في مكان واحد وزمان واحد ولباس واحد وبصوت واحد (لبيك اللهم لبيك) كيف لا يكون قوّة للمسلمين يرهبون به أعداء الله، أرى من الحج غنايي وفقري وقوتي وضعفي فعن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) ان قال: (من حج ثلاث حجج لم يصبه فقر ابدا) وعن ابي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سافروا تصحوا وجاهدوا تغنموا وحجّوا تستغنوا وأما فقري فلما اقف بين يدي الله مشعثاً فيه رأسي ومقشعاً فيه جلدي قد تغير فيه مطعمي ومشربي وريحي لا شمس استطيع ردها ولا مخيط أدفع به بردها استخرج فيه أموالي وأتعب فيه أعضائي واحضرها عن الشهوات والطيبات واللذات، أتقرب فيه إلى الله بالخضوع والإستكانة والذل شاخصاً في الحر والبرد والأمن والخوف ثابتاً في ذلك دائماً قال تعالى (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ) (النحل/ 7) وأما قوّتي فعلى بعد السفر وكبر العمر وكثرة الزحام وعلّة المرض وشدّة الحر والبرد وصعود التلال والوديان أحس بيد خفية تدفعني! ما أدري أهي قوّة ربانية؟ من المضيف إلى الزائرين؟ أم ملك كريم موكل يحفظني يتلقفني فلا ارجع إلا وأنا منجز جميع مناسكي. متى ، أين ، كيف لا أدري فأنا في بيتي لا أقوى حتى على مشيي وفي بيته لا أدري ما الذي تلبس بي حتى صرت استطيع ان اهرول في سعيي بين الصفا والمروة ا وان امشي طويلاً كي ارمي الجمرات ا وان اطوف سبعاً حول البيت بضيق الطريق مع كثير الناس لا أرى رجلي من يدي وكل ذلك بحول منه وقوّة. فإليك إيها الفار إلى الله الهارب إليه بعض الأحوال المرتبطة بالحج التي ما إن عرفها الحاج إلا وزادته قربة إلى الله وبعداً عن الدنيا في هذه الأيام المعدودات.
لماذا جعل الله بيته في هذا المكان؟
قال تعالى (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ {إبراهيم/37}) الجواب على هذه الأسئلة يرجع إلى معنى واحد وهو ما ذكره إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته القاصعة حيث قال (وكلما كانت البلوى والاختبار اعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع فجعل بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياماً ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً وأقل نتائق الدنيا مدراً وأضيق بطون الأودية قطراً بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة لا يزكوا بها خف ولا حافر ولا ظلف ثم أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع اسفارهم وغاية لملقى رحالهم تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلون الله حوله ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم وشوهوا باعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاء عظيماً وامتحاناً شديداً واختباراً مبيناً وتمحيصاً بليغاً جعله الله سبباً لرحمته ووصلة إلى جنته ولو أراد الله سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعر العظام بين جنان وأنهار وسهل وقرار جم الأشجار داني الثمار ملتف البنى متصل القرى بين برة سمراء وروضة خضراء وأرياف محدقة وعراص مغدقة وزروع ناضرة وطرق عامرة لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور ولوضع مجاهدة ابليس في القلوب ولنفي معتلج الريب من الناس ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ويتعبدهم بألوان المجاهد ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبر من قلوبهم وإسكاناً للتذلل في نفوسهم وليجعل ذلك أبواباً فتحاً إلى فضله وأسباباً ذللا لعفوه.
علّة الحج
قال الإمام الصادق (عليه السلام): واعلم بإن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران /97) ولا يشرّع لنبيه (صلى الله عليه وآله) سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه إلا للإستعداد والإشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة وفضل بيان السابقة من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النهى فهو كما قال (عليه السلام) في رواية ابن ابي العوجاء حيث قال الإمام: (فهو شعبة من رضوانه وطريق تؤدي إلى غفرانه استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه فحثّهم على تعظيمه). معترفين بفقرهم وضعفهم وحاجتهم ملبين دعوة الإقرار بالعبودية معترفين بالوحدانية كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام يردونه ورود الأنعام ويألهون إليه ولوه الحمام جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته واختار من خلقه سماعاً أجابوا إليه دعوته وصدّقوا كلمته ووقفوا مواقف أنبيائه وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه يحرزون الأرباح في متجر عبادته ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علماً، وللعائذين حرماً، فرض حجّه وأوجب حقه وكتب عليكم وفادته فقال سبحانه (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران / 97) نعم الحج هو مرآة لقول إبراهيم (عليه السلام) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ {إبراهيم/35}) ولقوله (عليه السلام) (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ {إبراهيم/37} ) ... الحج تجسيد لقول نوح (عليه السلام) (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ {نوح/3} يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) الحج مصداق لقول موسى (عليه السلام) (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء) (المائدة / 20). الحج عبارة أخرى عن القربان الذي قرّبه هابيل إنما قرّبه قربة إلى الله وتعبدا إلى الله والله يتقبل من المتقين الحج مضمون دعوة عيسى (عليه السلام) لما قال (أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) الحج وصيّة لقمان لأبنه (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{لقمان/13}).. هو نذير محمد (صلى الله عليه وآله) لما قال (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ {فصلت/6}) .. وبالجملة الحج مجلى الرسالات النبوية من لدن آدم (عليه السلام) إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) أن (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً).