|
تمهيد
إن الأجواء العامة للآية هي أجواء ترهيب وتحذير وإلزام للنبي (صلى الله
عليه وآله) بإبلاغ أمر له أهمية شديدة وكأن النبي (صلى الله عليه وآله)
يخشى من إبلاغ هذا الأمر ردود أفعال بعض الناس كما عبرت عنهم الآية
المباركة وأن الله عز وجل وعده بالعصمة أي الحفظ منهم وهذا الشيء يثير
الرغبة الشديدة في معرفة هذا الأمر الخطير والمهم الذي جعله الله عدلا
لتبليغ الرسالة وسببا للتهديد وقد كان للمفسرين إتجاهات متعددة في تفسير
الآية المباركة ، البعض منها لا ينسجم مع جو الآية والبعض الآخر لا يتلائم
وطبيعة هذا الأمر المهم ، وسوف نستعرض هذه الإتجاهات التفسيرية ونترك الحكم
لك عزيزي القارئ على هذه الإتجاهات ويظهر لك الإتجاه الصحيح إن شاء الله .
أهم الاتجاهات التفسيرية
الاتجاه الأول: يرى أن الآية نزلت في بدأ الدعوة وقد يكون السبب الذي دعاه
إلى هذا الرأي كلمة (بلغ) إن أردنا أن نحسن به الظن .
مناقشة هذا الرأي :
1. إن هذه الآية نزلت في سورة المائدة ، وسورة المائدة مدنية وبدء الدعوة
لا يتناسب إلا مع السور المكية .
2. إن الآية تشير ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحذر من الناس
(وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وهذا لا ينسجم مع شخصية النبي (صلى
الله عليه وآله) الذي ضحى بكل شيء من أجل نجاح الدعوة المباركة لأن المعنى
سيكون أنه يؤمر بالتبليغ لكنه يماطل خوفا على نفسه وهل هذا المعنى يقبله
عاقل!!
3. إن الآية تشير أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان مبلغاً للرسالة (فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) فيكون المعنى يا أيها الرسول بلغ الرسالة فإن لم
تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة وهذا الكلام لا معنى له كمن يقول اشرب الماء
فإن لم تشرب الماء فما شربت الماء ، وهل هذا الكلام يليق بالله عزوجل؟!
الإتجاه الثاني: إن الآية نزلت بحق أهل الكتاب والذي أوهم الوقوع في
هذا الرأي إن الآية التي سبقتها تتحدث عن أهل الكتاب والآية التي تلتها
تتحدث عنهم أيضاً فأرادوا أن يستدلوا على رأيهم من خلال وحدة السياق .
مناقشة الإتجاه الثاني:
1. إن اليهود والنصارى كانوا في أوائل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى
المدينة أصحاب شدة وقوة ولم يحذرهم النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك
الوقت ، فلو كانت الآية نازلة بحقهم كان الأولى نزولها في وقت شدتهم وبأسهم
.
2. قد بلغهم النبي (صلى الله عليه وآله) ما هو أشد من ذلك وكذلك بلّغ غيرهم
وهم مشركوا العرب الذين كانوا أشد منهم بأساً بالتوحيد ونفي الشريك وهم
أغلظ من اليهود فلو كان السبب لخشية النبي (صلى الله عليه وآله) انه يعارض
من قبل جماعات تمتلك القوة والبطش لكان ذلك مع مشركي العرب أولى لأن لهم
السطوة آنذاك ورغم ذلك طعن في عقائدهم وسفه أحلامهم وشكوه أكثر من مرة لأبي
طالب.
3. أن اليهود أثناء نزول هذه الآية بإعتبارها من أخريات السور التي نزلت
على النبي (صلى الله عليه وآله) كانوا قد كسرت شوكتهم وخمدت نيرانهم فلا
معنى للخوف على الدين منهم وقد دخل الكثير منهم في الإسلام وقبلوا هم
والنصارى الجزية فكيف يقرر المولى خوف النبي (صلى الله عليه وآله منهم مع
أخذ الجزية وكسر شوكتهم.
ومن هنا يظهر إن الآية لم تكن نازلة في بدء الدعوة ولم تكن نازلة في شأن
أهل الكتاب وليس لها علاقة بالآية التي سبقتها والآية التي تليها بل لها
شأن نزول مستقل وهذا هو الإتجاه الثالث. فإنكشف لك عزيزي القارئ القيمة
العلمية لهذه الإتجاهات التفسيرية كما وعدناك في صدر هذه المقالة .
الإتجاه الثالث:
إن الآية نزلت بحق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإن الأمر الذي تشير
إليه الآية هو الإمامة وأخذ البيعة له ولكي يتضح هذا المعنى جلياً سوف نذكر
بعض الأسئلة المرتبطة بالآية والإجابة عنها وهي كالآتي:
ما هو سبب خشية النبي (صلى الله عليه وآله) ؟
يمكن أن يقال في المقام إحتمالات ثلاثة ، إثنان منها لا تصح ويتعين الثالث
فنجعله مفتاحاً لتفسير الآية المباركة .
الإحتمال الأول: خوفه على نفسه.
وهذا المعنى لا يمكن قبوله لأنه لا ينسجم مع شخصية النبي (صلى الله عليه
وآله) كما قدمنا ، على أن الله عزوجل شهد لرسله بأنهم لا يخشون أحداً إلا
الله (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا
يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
{الأحزاب/39}).
الإحتمال الثاني: انه يخاف على بطلان الدعوة بقتله.
وهذا الأمر أيضا لا يمكن قبوله لأن الله عزوجل يقول (لَيْسَ لَكَ مِنَ
الأَمْرِ شَيْءٌ) وأنه قادر على أن يحيي دينه بأي وسيلة من الوسائل وبأي
سبب أراد، وهذا الإحتمال لا ينفع في المقام لأنه على خلاف تدبير الله.
الاحتمال الثالث : وهو الحق.
إن خشيته كانت من إبلاغ أمر يعتقد المسلمون ان للنبي فيه منفعه أن يتهموه
بأمر يفسد فيه الدعوة فساداً لا تنجح معه فيكون معنى الآية بلغ هذا الحكم
الذي أنزل إليك وتخشى إنقلاب الناس بسببه فإن لم تبلغه فما بلغت الرسالة
وهذا المعنى مقبول .
ما هو ذلك الحكم ؟
إن ظاهر الآية يؤكد وجود تلازم بين هذا الحكم وبقية أحكام الشريعة بحيث لو
لم يصل هذا الحكم لفسدت أحكام الشريعة فلا بد أن يكون لهذا الحكم المنزلة
الكبيرة فلو أهمل فكأنما أهملت الشريعة برمتها فيكون موقعه من بقية الأحكام
موقع الرأس من البدن والروح من الجسد التي تكون سبب الحياة والحركة وتكون
الآية كاشفة عنه وأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يترقب مخالفة الناس
وينقلبوا عليه بحيث تنهدم عليه أركان ما بناه من بنيان الدين ، ولذا فهو
يؤخر في تبليغه من حين إلى حين كي يجد الظرف المناسب له حتى لا يصيب الدعوة
التصدع والإنهيار ، وهذا المقدار من تأجيل التبليغ كان مأذونا له به كما هو
واضح ، فجاءه الأمر بالتبليغ العاجل وبين له أهمية الإبلاغ في هذا الظرف
ووعده أن يعصمه من الناس وسيتضح لك عزيزي القارئ أن هذا الأمر الذي ترتبط
به بقية أحكام الشريعة هو الإمامة دون غيرها .
من هي الجهة التي كان يخشاها النبي (صلى الله عليه وآله)
والمعبر عنها في الآية بالناس؟
إن هذه الآية نزلت بعد إنتشار الدعوة الإسلامية في أرض الجزيرة العربية
لأنها نزلت في آخر حياة النبي كما أوضحنا ، فلا يمكن أن يكون خوفه من
المشركين لأنهم في هذا الوقت قد كسرت شوكتهم ولأنه (صلى الله عليه وآله) لم
يكن يخشاهم عندما كانوا أصحاب سطوة وشدة فلا يعقل أن يخشاهم وهم الآن في
حالة ضعف ، وكذلك لا يمكن أن يكون المقصود من الناس هم أهل الكتاب لأنهم في
هذا الوقت في حالة ضعف شديد وكانوا يدفعون الجزية كما أوضحنا .
نعم الجماعة التي كان يخشاها النبي (صلى الله عليه وآله) هو نفس المجتمع
الذي استقر فيه لأنه كان خليط من الصلحاء والمنافقين ، وكان المنافقون
أصحاب قوة لا يستهان بها وكذلك توجد طائفة في المجتمع الإسلامي يعبر عنها
القرآن أصحاب القلوب المريضة ، وهؤلاء المنافقون وأصحاب القلوب المريضة
كانوا ينظرون إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نظرهم إلى الملوك ويتعاملون
مع الدين تعاملهم مع القوانين الوضعية فكان من الممكن أن يكون تبليغ بعض
الأحكام ما يوقعهم في الوهم، وان النبي (صلى الله عليه وآله) ينتفع به
وخصوصاً نظرتهم إليه ، (ملك في صورة نبي و قانون وضعي في صورة دين) ، وهذه
الشبهة لو قويت عندهم وسرت في نفوسهم لضعف أمر الدين ، إذن هذا الحكم
النازل فيه توهم إنتفاع النبي ، وهذا المعنى يؤيده ما ورد في كتب الفريقين
من إن الآية نزلت في أمر ولاية الإمام علي (عليه السلام) فخشي النبي (صلى
الله عليه وآله) أن يتهموه في إبن عمه ، وبهذا يتضح جلياً معنى الآية
وينكشف المراد منها , والآن نمر على الآية بشكل سريع ونتأمل فيها سوية .
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) هذا الخطاب واضح لماذا اختار المولى صفة الرسول
في نداءه لأنها ترتبط بالمقام إرتباطاً وثيقاً فإن الرسول وظيفته إيصال
الرسالة.
(بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) وفيه عناية كبيرة بإن مقتضى
ربوبية الله وتربيته لكم أن يأمر النبي بإيصال هذا الحكم إليكم وهو ولاية
أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم تذكره الآية بشكل صريح إشعاراً بتعظيمه ،
وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ليس له دخل فيه فيكون له العذر في إظهاره
للناس وتلويحاً بأنه كان مصيب بخشيته منهم .
(وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) قد تقدم أهمية هذا
الأمر المرموز إليه في الآية وعلاقته ببقية الأحكام وأنه لو لم يُبلّغ لما
بلغت الرسالة بأسرها ويؤيد هذا المعنى الحديث الوارد (من لم يعرف إمام
زمانه مات ميتة جاهلية) لأن الذي لا يعرف الإمام لا يصل إلى حكم الله
الصحيح فهو يعمل بأمر لم يطلبه الله منه ، وكل حكم خلاف أمر الله فهو
جاهلية .
(وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) العصمة بمعنى الإمساك والمراد منها في
المقام الحفظ من كيد الناس وعدم ذكر متعلق العصمة أي يعصمه من ماذا؟
يدل على الإطلاق أي أنهم قصدوا النبي (صلى الله عليه وآله) بشتى أنواع
الأذى الجسدي والنفسي والإفتراءات وإثارة الفتن وغير ذلك ، ولكن من أهم
أنواع الأذى والفتن هو سعيهم لتصديع أركان الدين كما أشرنا إليه سابقاً ،
وكلمة الناس تستعمل في الأعم الأغلب والمراد منها الجماعة والمقصود منه في
الآية ذلك الخليط الذين تحدثنا عنهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأن
المؤمنين يفرحون بهذا الأمر ويتقبلون كل أمر يأتي من الله عز وجل وإن
المولى جل وعلا وعده بأن يحفظ الدعوة رغم سعي هذه الجماعة إلى الخراب ،
ويبقى المجتمع قائما بإذن الله تعالى ، وتورد في المقام قصة يذكرها
المؤرخون وهذا مما يؤكد صحة مخاوف النبي (صلى الله عليه وآله) وعناية الله
عزوجل في حفظ الرسالة فقد ذكروا لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله )
غدير خم ما بلغ، وشاع ذلك في البلاد أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة
العبدري.
فقال: يا محمد ؟ أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله
وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع
ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه .
فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله: والذي لا إله إلا هو أن هذا من
الله .
فولى جابر يريد راحلته وهو يقول: أللهم ؟ إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر
علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .
فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله وأنزل
الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع .
وبهذا يتضح لك عزيزي القارئ المحنة التي كان يعيشها أهل البيت (عليهم
السلام) بسبب الخليط من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، فبعد البيعة
للإمام في غدير خم إنقلب هؤلاء عليه وسلبوه حقه وأجلسوه داره ثم بدأوا
يترجمون أحقادهم في عزل أهل البيت (عليهم السلام) عن الحياة السياسية
والإجتماعية ومن ثم ناجزوهم القتال في حروب متعددة ، كالجمل والنهروان
وصفين ، وتآمروا على الإمام الحسن (عليه السلام) وقتلوه ، وتحشدوا لحرب سيد
الشهداء (عليه السلام) ، وقتلوه بتلك الفاجعة المؤلمة، ولكن الله يأبى إلا
أن يتم هذا الخط الآلهي المبارك رغم المحن والآلام لأنه وعد بحفظه وتكفل
بنمائه .
اللهم أجعلنا ممن سلك خط محمد وآل محمد ، وطهر قلوبنا بحبهم وأجعلنا من
خدمتهم وأحشرنا معهم وأرنا وليك الأعظم ، حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما
ملئت ظلما وجورا .
والحمد لله رب العالمين. |