مقالات                                                 حيدر حسن الاسدي

 في خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، قال فيها : ( أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنودٍ ، وزمن شديد ، يعد فيه المحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتواً ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نسأل عما جهلنا ، ولا نتخّوف قارعة حتى تحل بنا..)
هكذا يصف أمير المؤمنين
(عليه السلام) الحال الذي وصل إليه المجتمع ، بعد أن تنصل معظم أفراده من ممارسة مسؤوليته والتي من خلالها تحفظ الكرامة والقيمة التي أرادها الله تعالى لهم.
ولو نظرنا اليوم إلى أنفسنا ومجتمعاتنا لوجدنا أنها بعيدة كل البعد عن التعاليم التي بيّنتها الشريعة، ومن الواضح أن من يترك تعاليمه أنزلتها السماء مئالهُ الفشل في الدنيا والآخرة ، حتى لو كان ذلك من قبل الدنيا بأجمعها.
لنتساءل الآن مع بعضنا، ما الذي أوصلَ مجتمعاتنا إلى المستوى الذي تعيشه اليوم؟، خراب ، دمار ، حروب مستمرة في معظم البلدان الإسلامية، استيراد مختلف الثقافات، إلى غيرها من المجالات. فصرنا نستقبل الثقافات ونتبناها من دون أي تفّهم ومعرفة، بل وصل بنا الحال إلى أن نقلد الغير حتى في الملبس وقصة الشعر، والتي قد يعدها بعضهم جزئيات لا مجال للتفكير بها وطرحها.
الشيء الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه هو (غياب الشعور بالمسؤولية)، المسؤولية التي تأخذ حيزاً كبيراً في قواعد نهوض المجتمع الإسلامي، وقد قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله): (كلكم راعٍ ، وكلكم مسؤول عن رعيته ..).
وبعد أن أحسّت الدول الغربية اليوم، أساس مشكلاتها الاجتماعية، أخذت تطالب مواطنيها إلى تقبل المسؤولية، وفي ذلك يقول الدكتور محمد البستاني: ( إن هذهِ المطالبة بتوعية المواطنين و تحسيسهم بالمسؤولية الاجتماعية تفصح بوضوح عن أن أبرز (المشكلات الاجتماعية) التي تعج بها المجتمعات الصناعية الحديثة ناجم عن غياب (حس المسؤولية) لدى المواطنين، وهو أمر يقتادنا إلى عرض الموقف الإسلامي الذي يضع (حس المسؤولية) في الصميم من (الوظيفة العبادية) للكائن البشري.
ومن هذا يتضح أن الإسلام لا يعفي أحداً من المسؤولية، ومن الذين تقع عليهم المسؤولية الكبرى في المجتمع:-
1. الإمام أو الحكم.
2. القضاء.
3. المعلم والمتعلم.
4. المجتمع نفسه.
إذا راجعنا خطب أمير المؤمنين
(عليه السلام)، -لاسيما الخطبة التي بدأنا بها- نجدها نابعة من روح المجتمع وما يُعانيه، ولهذا نرى الإمام (عليه السلام) قد مارس مسؤوليته التي فرضها الله عليه كإمام على أكمل وجه.
ولنقترب أكثر من كلام الإمام
(عليه السلام) في قوله: (يعد المحسن فيه مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتواً..)، من الذي يحاسب الظالم على ظلمه؟ ومن يشّخص المحسن من المسيء؟ انظروا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يقف مع اليهودي أمام القاضي الذي نصّبه بنفسه، أين نحن من علي (عليه السلام)، إذن القضاء عليه مسؤولية لابد من تحملها.
وكما أن القاضي وهو يشغل مركزاً مهماً، مثله مثل المعلم عندما يعكس العلم الذي يحمله على واقعه ومجتمعه الذي يحيط به، أو يعاني ما يعاني من أجل إرشاد الآخرين إلى ما عليهم من حقوقٍ وواجبات، وبذلك أدّى ما عليه من مسؤولية وأنتفع بما تعلمه، وقد قال الإمام
(عليه السلام): (.. لا ننتفع بما عُلّمنا..) ، وإلا ما فائدة العلم الذي نحمله إذا كان غير منتفع به.
وكذا الجاهل سواء أكان هذا الجاهل شخصاً أو جماعة، يتحّمل مسؤولية جهله، وهي (مسؤولية السؤال عن جهلنا) ، وقد قال الإمام
(عليه السلام): (ولا نسأل عما جَهِلنا).
أما مسؤولية المجتمع فلربَّ سائل يسأل : ما هي مسؤوليته؟، وللجواب نقول : أنَّ مسؤولية المجتمع هي من مسؤولية أفراده، بمعنى أن تكون المسؤولية جماعية، مثل العمل الجماعي، التخطيط الجماعي، ولعل هذا جزءٌ من مراد كلام أمير المؤمنين
(عليه السلام): ( ولا نتخّوف قارعة حتى تحّل بنا).