|
في هذا العدد أردت أن أسلط الضوء على جانبين مهمين من
قضية كربلاء:
الأول: وهو ما كان يقوم به أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) من
نشاط سرّي في زمان معاوية بن أبي سفيان، ففي مثل تلك الظروف التي اتسمت
بالغطرسة والعنجهية والتي شاع فيها الفساد والابتعاد عن روح القرآن وظلم
الناس ومصادرة أموالهم واستباحة دمائهم .. فقد كان يبحث عن أفراد معدودين
يهديهم إلى الصراط المستقيم وكان (عليه السلام) اغتنم موسم الحج حيث يتوافد
المسلمون على الديار المقدسة من كل حدب وصوب للاتصال بهم في المسجد الحرام
أو غيره من المواطن التي يؤدي المسلمون بها مناسكهم، وهنا علينا أن نتأمل
في كلماته (عليه السلام) حيث التقى في منى ببعض من يحتمل أن كلامه سوف يؤثر
فيهم وقد جمعهم في مكان بعيد عن عيون معاوية وجلاوزته قائلاً لهم: (اسمعوا
مقالتي واكتموا قولي فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب). وكأن لسان حاله
(عليه السلام): أيّ سرّ اريد أن أفشيه لكم؟ أريد أن أقول لكم. ان هذه
الحكومة ليست حكومة إسلامية فالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد عيّن
بأمر الله تعالى علياً (عليه السلام) خليفة من بعده ولكن المسلمين لم
يقبلوا ذلك وقالوا نحن نريد حكومة ـ بعنوانٍ آخر (ديموقراطية كما يعبرون
عنها اليوم) وبالتالي انتهى أمر الخلافة إلى معاوية ـ حيث لم يراعِ حرمة
أيّ شيء. أترون معاوية كيف يصبّ الظلم على الناس؟ وكيف يهمل الاحكام
الإسلامية؟ وكيف يتهاون بالمقدسات الإسلامية. يقول الإمام (عليه السلام)
أردت فقط أن أقول لكم انهضوا أو ثوروا عليها اسمعوا كلامي واحفظوا السرّ
ولا تخبروا أحداً بأن الحسين (عليه السلام) قال لنا مثل هذا الكلام ((ثم
ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتم ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون)).
لماذا كل هذا التكتم والتستر والعمل السرّي ؟ طبعاً هو (عليه السلام) يجيب
على هذا بقوله كما ذكرت قبل قليل ((فإني أخاف أنْ يندرس هذا الحق ويذهب)).
هنا لابد من التأمل أيها القارئ العزيز فقد شاهدنا الإمام الحسين (عليه
السلام) كان همّه ان لا يندرس الحق ويضيع.
أقول: فإذا كان الناس يعرفون الحق فالأمر سهل على العلماء لان الحجة قد تمت
على الناس وللعلماء حجتهم في أن الناس يعرفون الحق ولكنهم مع ذلك لا يعملون
به. وأما إذا كان الحق في طريقه إلى النسيان فإن مسؤولية العالم تغدو أصعب
وأشدّ تعقيداً ـ عليه كان الإمام (عليه السلام) يؤكد على هذه النكتة
المهمة). حينئذٍ صار الإمام أمام حالة رأى ان يؤسس لها سرّياً من خلال
نشاطاته في مكة كما ذكرت. وان يبتعد عن كثير من حالات الاتهام لدرجة ان
كلامه يغدو غير مؤثر بسببها فيما لو جهر بقضيته قبل دراسة الحالة دراسة
وافية. لا ننسى ان مجرد شروعه بالعمل سرّياً يعد ألماً نفسيا حيث يعاني
الأمرّين كما يقال وهو ينظر بعينه إلى الفساد والظلم المنتشرين ولا يستطيع
أن يحرك ساكن إلا بقدر وهذا ما عاشه علماؤنا الأعلام ابان الفترة المظلمة
المنصرمة حيث جهدوا على أن يحافظوا على مسار الحق من الضياع. أيّ ظرف كان
يعيشه سيد الشهداء (عليه السلام) وأيّ قوم يعيش من ظهرانيهم ألم يشاهدوه
مراراً وتكراراً وقد حمله النبي المصطفى على كتفيه ألم تكن المدينة مسقط
رأسه وبين أهله وعشيرته.. تصل النوبة إلى أن يغتنم موسم الحج ليجمع أنصاراً
معدودين له. أو ليس ان الدين عاد غريباً كما يقول السيد حيدر الحلي (ره) .
والناس عادت اليهم جـــــــــاهليتهم
كأنّ من شرع الإسلام قد افكا
يعاني أبو عبد الله لفترة ليست بالقليلة عشرة سنين بعد استشهاد أخيه
المجتبى (عليه السلام) وما مجموعه عشرون عاماً بعد استشهاد أبيه (عليه
السلام). ثم انه (عليه السلام) يدفع الشك والشبهة ويسدّ الطريق أمام
المبغضين فيقول (اللهم انك تعلم انه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان
ولا التماساً من فضول الحطام لكن لنُري المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في
بلادك).
الثاني: هل كانت نهضة الحسين (عليه السلام) تهدف إلى ان يسود الناس نظام
(مبتكر) (متغير)؟ وبعبارة أخرى هل جاء ببدعة لا سمح الله؟ هل كان هذا هو
مضمون (الاصلاح) الذي جاء به أم انه صرّح بكل وضوح: يجب عليكم أن تنفذّوا
نفس الأحكام التي جاء بها جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما رأى
من يدعي الخلافة يعاقر الخمر ويصلي بالناس وهو سكران هل رحب بهذه الحالة
واعتبرها اصلاحاً؟ أم أطلق صرخة مدوية قائلاً: لا بد من إجراء الحد على
شارب الخمر؟. نعم كان واضحاً من خلال خطاباته من أول لحظة ما يريد (عليه
السلام) في نهضته ((إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي)). وهذا المطلب قد
يتضح جلياً للأخوة القراء فيما لو قمنا بضم هذا النص من خطاب الرسول الأكرم
(صلى الله عليه وآله) لنص سيد الشهداء وهو قوله (صلى الله عليه وآله) من
رأى سلطاناً جائراًَ مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول
الله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ثم لم يغير بفعل ولا قول كان حقيقا
على الله ان يدخله مدخله. وقد علمتم ان هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان
وتولوا عن طاعة الله واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء
وأحلّوا حرام الله وحرموا حلاله واني أحق بهذا الأمر نعم من الواضح جداً
الحاكم الجائر المتسلط على رقاب الآخرين بقوة النار والحديد والناكث لعهد
الله الوارد في قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا
الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس 60 ـ 61. أي
المراد من العهد هنا كما ورد عند المفسرين هو عهد العبودية لله تعالى
فهؤلاء الجبابرة يخالفون سنة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فماذا
يعني عدم التزامه بأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) ويعطي لنفسه الحق في
أن يتصرف بحقوق وأموال الناس جهاراً!!. والسكوت عن هؤلاء كما ورد في الحديث
الشريف المتقدم الذكر ـ كان حقاً على الله أن يدخله جهنم مع ذلك الظالم.
الا يعني السكوت عما يقوم به يزيد بن معاوية أو عما قام به معاوية بن أبي
سفيان، ألا يعد امضاء لأعمالهم من هنا كان لسيد الشهداء أرواحنا له الفداء
أن يعمل عملاً منظماً. ألقى الحجة على الأمة وطلب الاصلاح في أمة جده من
خلال لقائه السري بمجاميع مؤمنة من مختلف البلدان لشحذ الأمة وتنظيمها
تمهيداً لاعلان المواجهة الحقة فكانت كربلاء وظلّت مدوية إلى قيام دولة
الحق والعدالة ورحم الله العلامة الشيخ ناجي الأسدي حينما قال:
أرى الكون مشتاقاً لطلعتك الغرّى
متى يا إمام العصر تهدي لنا البشرى
متى تنتضي عضباً وتركب سابقاً
وتمحو صــــروح الظلم بطشتك الكبرى
أبا صالح عجل لثـأرك وانتقم
من الجبت والطاغوت واستأصل الكفرا
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الممهدين لدولته والسالكين محجته والمستشهدين
بين يديه والآخذين بثأر مولانا أبي عبد الله الحسين وأهل بيته الإطهار
وأصحابه البررة الأخيار والحمد لله رب العالمين.
|