مقالات                                 ظاهر حبيب الكلابي                                    

 

 من المسلم به ما للثقافة من دور كبير في تحقيق البعد الإنساني والحضاري لكل امة من الامم بكل ما تجمع تلك الثقافة من موروث اجتماعي وفلسفة، تدل على استقلالية الثقافة وتجذر عناصرها في مجتمع تربطه ببعضه عناصر الشد والأدامة من لغة وأرض ومصالح مشتركة وعقيدة روحية. لذا دأبت الامم والشعوب في الاهتمام بثقافة أبناءها وتجاربهم الثقافية من أدب وملاحم ومسرح وفلسفة وعقائد وغيرها لانها شكلت الوعاء الأكبر الذي تنصهر فيه كافة العناصر المتراكمة والمتداخلة في تجارب ذلك الشعب الذي انتج تلك الحضارة فكل عمل ثقافي او فكري هو انعكاس لواقع صراع العلاقات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لذلك المجتمع ... والثقافة تدعو دائماً إلى الحوار الخصب والبناء مع مختلف ابناء الجنس البشري لأن العقل الإنساني يحمل نفس الشروط والمقومات لفهم جدلية الصراع في الحياة وشروط وتداعيات ذلك الصراع بمختلف تجلياته واتجاهاته... لذا نجد أن اشعار (هوميروس) وملحمة (المهابهارتا) وروايات (دستويفسكي) وشعر المتنبي واصحاب المعلقات وشخصيات شكسبير وربسن ـ وتشيخوف وأدب الرحلات و(ألف ليلة وليلة) كلها جهد انساني لتصوير معاناة الإنسان ورحلته الطويلة في بناء حضارته وتأييد انسانيته وهذا ما دعت له الثقافة الإسلامية بأدامة الحوار مع الآخر واحترام رأيه.. ما دام الإسلام العظيم بتعاليمه السمحاء يحث الناس على سلوك الطريق الأقوم لحياتهم والبحث عن الوظيفة الإيجابية لحياة إنسانية أكثر رفعة وأعمق اثراً في إقامة العدل وهذه العملية لابد ان تشمل جوانب الحياة الخاصة فكرياً وعقائدياً واقتصادياً وإجتماعياً. وهو فعل يتحقق بالثقافة الإسلامية المتجددة والرافضة للسكون والتكرار لمعطيات التاريخ وحوادثه وآليات ومحركات ذلك التاريخ من دون الإضرار بالقيم العليا للإسلام والتمسك بمبادئ الوحي ما دامت الأمم تؤمن بالقرآن الذي يؤمن بالإنسان كقيمة عليا وخليفة الله على الأرض والذي من أجله أرسل الله الأنبياء (عليهم السلام) وانزل معهم الكتب المقدسة لهدي البشرية إلى وحدانية الخالق وإلى تنشأة ثقافة روحية وانسانية تقيم عناصر الحب والتعارف والاخلاص والتضحية والرحمة لبني ابناء الأمة الإسلامية إذا ما أخذت الامة بخيوط تلك الثقافة التي ستجعلها في مصاف الأمم المتقدمة إنسانياً وأخلاقياً.. لأن معطيات الثقافة الإسلامية وتجلياتها تنطلق من أخلاقية القرآن الكريم ومن الممارسات الأخلاقية الإنسانية للرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) ومن خلال السلوكيات اليومية للأئمة الأطهار (عليهم السلام) واصحابهم البررة الذين قدموا ثقافة في التضحية والأخاء والصدق مع الآخر وان كان مخالفاً في العقيدة لانها ثقافة تجلت فيها معاني الروح الإنسانية العليا ... التي ترحب ولا ترفض كل معرفة جديدة تضيء بإستمرار الوعي التاريخي لجدل العلاقة بين الكون والإنسان والقرآن... حتى يذكر لنا التاريخ ان للإمام الصادق (عليه السلام) محاورات مع متكلمين وفلاسفة وملاحدة إلى ان يوصلهم الإمام (عليه السلام) للإقتناع بالمشتركات الإيمانية والعقلية في عالم الخلق والميعاد والحشر والنشر او لا يؤمنوا فيفترق كل إلى جهته .. فعملية الاكتمال الثقافي والفكري داخل دائرة التقاطع بين الديني والدنيوي لا يمكن ان تتخلص من إرهاصات وتناقضات بعض الناس ومجتمعاتهم وتربيتهم التي قد تدفع بها الشروط الموضوعية والذاتية المتباينة إلى تباين في الموقف الثقافي والفكري يفرض نمطاً جديداً من الاختلاف في الرؤى وزوايا النظر للأشياء. ان التجربة الثقافية والتداعيات الإيجابية للثقافة وكافة مفردات الحضارة الإنسانية هي الصورة المثلى بين الإنسان وبين الواقع المادي والذي يكون الأدب والفن فيه ومن خلاله انعكاساً إيجابيا له فالإنسان لا يتمتع بالثقافة ومفرداتها إلا إذا جاءته تلك المفردات الثقافية كما يأتيه صديق يعرفه من المقربين له بانفتاح وتعاطف فمن لا يفهم ويتناغم مع مفردات حضارته وعناصر ثقافة مجتمعه هو لا يشارك في اعادة انتاج المعرفة الثقافية وحسب بل يكون معرقلاً لكل حراك ثقافي او انجاز معرفي في المستقبل ومن هنا شدّد الإسلام على محاربة الجهل والأمية والتخلف وهي من عناصر تدهور الحضارة وعوائق تقدم الأمم... داعياً الأمّة إلى تجاوز حالات العوق الفكري والتخلف المعرفي من أجل إنجاز معرفة حسنة تساهم في رفد الوعي العربي والإسلامي بكل جديد ومنتج وغير متكرر من المقولات الجامدة والعقائد الفاسدة والأفكار البالية ـ بل يكون فكراً منتجاً للمعارف العميقة في علميتها والدقيقة في شروطها الفكرية والفنية ذات الصلة بالموضوع المدروس ... فالمعارف اليوم قد اوغلت في التخصص العلمي تجنباً للنحل العلمي ودفعاً للتوهمات بين المشتركات في الفنون والمعارف المختلفة. كما ان الواقع العربي والإسلامي الثقافي او المُشكِل الثقافي العربي كما يذكر الدكتور محمد عابد الجابري في كتابة اشكاليات الفكر العربي المعاصر. واشكاليات هذا الواقع كما تعانيه شعوب العالم الثالث مرتبط بالأستعمار وناتجة ـ لقد دمّر الاستعمار ثقافة الشعوب التي استعمرها وفي المقابل قدم ثقافته بل فرضها كثقافة عالمية ثقافة للعالم المتحضر فكان رد فعل الشعوب خلال كفاحها الطويل من اجل استرجاع سيادتها واحياء (الثقافة الوطنية) ويذكر الجابري ان التدمير الذي مارسه الاستعمار ضد وعي النخبة ورد الفعل ضد التدمير الثقافي كان وعياً نخبوياً في احياء الثقافة الوطنية، فالنخبة في الطليعة التي تمارس الزيادة والقيادة على صعيد الفكر والثقافة وهي تعبر عن ارادة الجماهير والأمة ووعيها الصريح او الكاهن يوقعها في موقع المعارضة للنظام السائد ... مخصوصية النخبة ووقوفها بحزم ضد كل ألاعيب وحيل وخباثات المستعمرين يشكل ضمانة أكيدة ما للثقافة من قوى مناعة مضادة لكل أصناف عدوى الفكر الغريب والممارسات الثقافية المريضة والتي تشكل ألوان صور غير مؤتلفة مع النسيج الفكري والروحي لأمة تزاوج في عطاءها المعرفي والفكري بين المعاصرة والتراث بل نجد التراث في اغلب المنجزات الثقافية يشكل حضوراً قوياً مهيمناً على هوية النص روحياً خفياً وفكرياً لما للتراث من عناصر شد وثبات في نفس وثقافة ومرجعيات المثقف العربي.