مقالات                      الشيخ عبد الرزاق فرج الله الأسدي  

كثيرة هي المشاكل التي يتحدد خطرها في نطاق الفرد والاسرة، والبعض منها تمتد ليشمل خطرها كل شؤون الحياة. وتدمّر بنيتها الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. ومن هذه المشاكل، مشكلة الكذب الذي لم يعد ذنباً تقتصر مخاطره على الكاذب ذاته، بل عاد مشكلة تشغل حيزا كبيرا في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل يملأ رقعة واسعة في بنـى هذه الحياة.

 فلا شك في أن مشكلة الواقع الاجتماعي في هذا الوقت، انه يتحرك باتجاه خدمة ذاته وأنانياته، وتحقيق مصالحه ومطامعه، لا بإتجاه مصلحة رسالته ودينه، رغم أنك تراه يصلي ويصوم ويؤدي الفروض. لكنك تراه يلتزم هذه الفروض، بشرط أن لا تؤثر هذه العبادة على تقاليده وأوضاعه الاجتماعية، ومصالحه الاقتصادية والشخصية، لذلك تصبح مشكلة الكذب حرفة يومية، تتعايش في صميم هذا الواقع وعلاقاته، وذلك من خلال عامل رئيسي هو: العامل الأسري، فإن اكثر ابناء مجتمعنا تعلموا الكذب من خلال الضغوط الاسرية، والعلاقات المتأزمة فيما بينها، إذ ترى الأب يكذب على ولده، والزوج على زوجته. وهكذا تتفشى ظاهرة الكذب والإلتواء في السلك، بدلاً عن تحكيم مبدأ الصراحة والمكاشفة، وتعميم المفاهيم الإسلامية والقيم الروحية، لتصبح الوسيلة التي تحرك الحلول للمشكلة، وتوجه العلاقات بين أعضاء الأسرة، فعندما تغرق الأسرة في خضم مشكلة من المشاكل، وتغرق في جو من الإرباك والتشنج، من جراء الأخطاء التي ترتكب بقصد أو بدون قصد، وتستقطب جزءاً كبيراً من الاهتمام، بالرغم من تفاهة وضآلة هذا الخطأ او ذاك في أغلب الأحيان، تكون ظاهرة الكذب جزءاً من حياتها. الأمر الذي تنعكس آثاره على العلاقات، وعلى الأخلاق الإجتماعية العامة، فتصبح محكومة لأزمة الشكوك والظنون وانحسار الثقة، خاضعة لظاهرة الكذب والتحريف، التي تتنوع مخاطرها على ضوء مجالاتها ومواقعها، فهناك ثلاثة محاور تتحرك عليها ظاهرة الكذب:
الأول: محور الشخصية الإسلامية:
بهدف تحريفها وإسقاطها من الإعتبار، حيث يقوم الإنسان بالكذب على إنسان معين، بنسبة فعل لم يكن يفعله، أو قول لم يكن يقوله، يريد بذلك شينه وإسقاطه من أعين الناس. هذا اللون من الكذب، يحمل معه دوافعه الدنيئة في نفس الكاذب، ونتائجه السيئة على البيئية الإجتماعية، لذلك يشدد القرآن على الذين يتحركون بالكذب على الناس لإسقاط مروءتهم. فإنك عندما تجد القرآن الكريم يندد بأحد المسلمين في المدينة، ويصفه بالخيانة، لأنه كان قد سرق، وبعد أن تكشفت الجريمة، إتهم بها يهوديا، لعل هويته اليهودية تؤيد الحجة عليه، فيتخلص السارق من تبعات الجريمة، وجاء السارق وأهله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لإقناعه بهذه التهمة ضد اليهودي، فنزلت الآية على النبي5 لعلاج الموقف وتبرئة اليهودي المتهم، قال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) النساء: 105. وفي نفس الوقت، هي دعوة لرسول الله5 أن لا يفرق في الحكم بالحق بين المسلم وغير المسلم، وهو من أرقى صور العدل الإسلامي، لذلك قال عزوجل في سياق علاج نفس الموقف: (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا {النساء/112}) فما بالك ـ إذن ـ بحجم الخيانة لو وقع ذلك على مؤمن؟، لا شك أنه عندما يقوض الكذب موقعاً أو مكانة الإنسان مؤمن، فإنه سوف يقوض موقفا رسالياً، وتخسر الأمة ثمرة وقيمة من قيم الحياة، قال تعالى : . (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا {الأحزاب/58}). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (من بهت مؤمنا أو مؤمنة، أو قال ما ليس فيه إقامة الله تعالى يوم القيامة على تل من نار حتى يخرج مما قاله) بحار الأنوار: 75 / 194، وقال الإمام علي (عليه السلام): (البهتان على البريء أثقل من السموات) نفس المصدر: 78 / 31. كما أوحت بعض النصوص إلى ذهن الإنسان المؤمن، أن من يتحرك ضد أخيه ليهدم مروءته، أو يسقط كرامته أمامك، فسوف يتحرك ضدك لينال منك كما نال من أخيك، فلا تتقبل كل ما تسمع عنه، جاء في الحديث: (من نم لك نم عليك ومن كذب لك كذب عليك).
الثاني: محور الواقع الإجتماعي:
إذ أن لكل واقع إجتماعي وضع، او صورة، او طابع معيّن امنيا أو سياسيا او اقتصاديا او اجتماعيا، وهكذا يخضع الواقع للكثير من الظواهر والتفاعلات والمؤثرات، فهناك من تدفعهم مصالحهم ومنافعهم الذاتية، ليتحرّكوا بإتجاه تزوير الواقع وإرباكه، فيحدثون الناس عن هذا الواقع او ذاك، من أجل إعطاء صورة مزورة، خلاف الصورة الحقيقية لهذا الواقع. لاشك في أن هذا اللون من تحريف الواقع، يشكل خطراً على أوضاع المجتمعات، ويهدد إستقرار الأمم والشعوب، وهو ما تهدف إليه الدوائر الاستعمارية، وتتبناه الشبكات الإعلامية، وأجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، من أجل تحقيق مصالح معينة. وهنا يؤكد القرآن على الإنسان المؤمن، أن يستكشف الحقائق والواقع بنفسه، ويتحرى دراسة الواقع الموضوعي على ضوء الدلائل والقرائن التي توحي له بصدق وصحة الواقع، إذ أن من خلال الأخبار والإشاعات تتحرك الشكوك وتتولد الفتن.
الثالث: محور الرسالة الإسلامية:
وذلك من خلال الكذب على الله ورسوله، إذ ان هذا النوع من الكذب، يتحرك به صاحبه باتجاه التزوير والتحريف والتزييف للحقائق الإسلامية، بهدف إغواء الناس وإضلالهم عن سبيل الحق. فبما أن الفطرة الإنسانية، لا تنسجم مع الباطل، وترفضه كل الرفض، بغض النظر عن إملاء الواقع الإسلامي لهذا الرفض، لذا فإن أهل الباطل الذين تملي عليهم ذواتهم، أن يعيشوا لمصالحهم المادية والجاهية والسلطوية، فيتحركون في الناس بالكذب على الله ورسوله، وتزيين الباطل بثوب الحق ليقبله الناس، فيُشرّعون ويُقنّنون ويُسنّون السنن. وهذه الحركة ليست حركة جديدة على الواقع الإسلامي، فمنذ بزوغ الرسالة الإسلامية، نجد القرآن الكريم يندد بهذه الحركة، ويحذر منها ومن إمتدادها أمة الرسالة، قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {هود/18} الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ {هود/19}). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (كثرت عليّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) بحار الأنوار: 50 / 80.
وفي هذا المجال، ومن أجل تفادي مخاطر هذا اللون من الكذب، فقد القيت المسؤولية على عاتق حملة العلم، بأن يكونوا على جانب من الحرص على الإلتزام بما جاء به الرسول5 قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {الحشر/7}).
فبحكم كون أهل العلم، هم أهل الخبرة والاختصاص، وهم في صدارة حملة الرسالة التي بعث بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعليهم أن يقوموا:
1ـ بالإلتزام بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) من أحكام ومقررات هذه الرسالة، وأن يتقوا الله بالتعجيل في أداء الأمانة وصونها من المداخلات التحريفية، وأن لا يتقوّلوا عليها بما يصبّ في خدمة مصالحهم وذواتهم، كما تقوّل الذين من قبلهم، ولا يقبلوا عليها خلاف القرآن. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة) بحار الأنوار : 2 / 62، وعنه5: (لا تقبلوا علينا خلاف القرآن) بحار الأنوار: 2/ 294. 2ـ أن يعرفوا أنهم في صدارة من يسألهم الله عزوجل من الناس، عما ينبغي عليهم أداؤه من المواقف الحاسمة، في وجه كل من يتحرك بإتجاه التزوير والتحريف، ونشر الباطل والبدعة في كل زمان، (إذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله).