قصة قصيرة                                       القاص : زمن عبد زيد الكرعاوي

 النوارس لا تحب الحرب


 كانت الأسراب البيضاء تحلق فوق زرقة الشاطئ مكونة للحب والحياة ، أرمي بقايا الخبز نحو قلب الشاطئ فتحلق حولها النوارس ، طالما عشقت النوارس شاطئ الكوفة ، لكنها تكره مدن الحرب لذلك هجرت شاطئها وباتت حزينة فشربنا من مائه حزناً ، حتى الجسر الذي كان ساجداً أمام القبة الشريفة بخشوع صارت سجدته مثقلة متعبة ، وصار الصمت المشوب بحذر دستوراً للمدينة وأهلها لا يخترقه سوى أحاديث وضحكات المراهقين الملونة والمتفجرة عشقاً وبعض شقاوة الاطفال وهم يعبثون بواجهات المحلات أثناء توجههم لمدارسهم .
كنا نتلظى في جوف تنور الصيف المبكر وحين يداهمنا الليل الأصم الأبكم بخطاه الثقيلة ويطبق بسواده فوق هامات المنازل المنكسرة لا يخترق سواده بعض المصابيح الخجلة التي لم يصلها (القطع المبرمج) للكهرباء ، فالتحالف الثلاثي بين التيار الكهربائي والصيف المتلظي والليل الأبكم جعلني أهرب للنوم فوق سطح المنزل ألتحف السماء وأسأل الله أن يبعث نسمات هواء عذبة ، وسواء استجاب الدعاء أم لم يستجب تثقل جفوني بتعب وإرهاق اليوم الطويل وأنهض صباحاً على صوت المنبه يتبعه صوت الديك الذي يقابلني على (التشريفة) .
تلك الليلة حلمت بريح نتنة كانت تهب نحو مدينتي ثم جاءت سحابة حمراء تحمل عطراً طيباً غطى على الرائحة النتنة ثم أمطرت تلك السحابة مطرها الأحمر ، صرخ منبه الساعة ، تثاقلت بفتح عينًَّي منتظرا (مشاكس السطح) أن يصيح الا ان الصوت الذي سمعته غريباً ، فتحت عينَّي فرأيت هذا الغراب الأسود يقابلني على التشريفة بنظراته الغريبة فقفزت نحوه مشمراً بيديَّ
- كش كش
طار مبتعداً - اللهم العن الشيطان
لبست قلقي وشددت على رأسي محاولا محاصرة بقايا هذا الكابوس الذي يسبب الصداع ، غلقت باب الدار ومحاولا غلق باب التفكير ، سمعت صوت الشيخ أبا علي وهو يقرأ دعاءه الذي كلما سمعته تسمرت في مكاني لتشرب اذناي منه
- أصبحنا وأصبح الملك والعظمة لله وحده لا شريك له ، اللهم أسألك ان تجعل أول النهار صلاحا ووسطه فلاحا وآخره نجاحا
وكعادتي رددت - آمين وقبل أن اجتاز بابه خرج ولده علي يحمل بيده (الموبايل) واضعا بإذنه (الهايتفون) يستمع لأغنية يتمايل معها طربا
- صباح الخير . تسمع دعاء أبي ؟
- كالعادة . ماذا تسمع أنت ؟
- أغنية . أتود سماعها ؟
- أنا بعجلة من أمري تلقفتني الشوارع الملتوية كأفعى والتي طالما ابتلعتني وقذفتني نحو (شارع الجسر) محاولا اختراقه وسط زحام الباعة والمتسوقين ، الأصوات متزاحمة تؤلف سمفونية الحياة أو كما يسميها أخي (سمفونية الكد والشقاء) فصوت بائع الطماطم - ( أحمر وريان)
يمتزج بصوت بائع الرقي - (أحمر حلو وبجودة وماي الورد بخدوده)
اما رجل المرور فيقف بوسط الشارع مصفراً (كمايسترو) لتكتمل صورة الجوقة مع منبهات السيارات التي توقفت استجابة لأشارته وصفارته ممتزجة مع ضحكات (وكركرات) طلبة الأبتدائية وهم يخترقون الشارع عرضاً نحو مدرسة (العقيلة الأبتدائية) ضحكاتهم كانت تدغدغ وجه الصبح.
تلقفني الشارع الجانبي ليرميني في محل عملي ، الضحكات الندية لملائكة الصباح ما زالت ترطب أذنيَّ هذه السمفونية الحياتية شممت رائحة نتنة وسمعت مكابح سيارة ثم أنفجارا ، اهتزت الأرض التي تحت قدمي ، تطاير الحديد وزجاج واجهات المحلات الذي راح يشضي ويذبح كل من يطاله ، علت ألسنة النار واعمدة الدخان ، هرعت مع مئات الراكضين اللاهثين نحو الانفجار كانت الأصوات الراكضة تردد - سيارة مفخخة
- انفجرت سيارة مفخخة ؟ على من ؟ لا يوجد أمريكان في المنطقة .
صار (شارع الجسر) لوحة دموية ، تتناثر على الإسفلت وعلى الأرصفة ، بقايا جثث لشيوخ ونساء وأطفال وشباب ، لون الدم مع سواد الاسفلت جعل العيون معتمة والأشلاء المتناثرة مع حطام المحلات أطفئت ضحكات الشباب ، هرعت نحو باب (مدرسة العقيلية) فتسمرت أمام ذراع طفل مبتورة تشبث كفها بحقيبته المدرسية ، أرتعدت مفاصلي والتفت الأرض من حولي فسقطت مغشياً عليَّ .