الفقه                            الشيخ : محمد رضا الدكسن

 

 جاء في الكافي عن علي بن الحسين (عليه السلام) فأما صوم السفر والمرض فإن العامة قد اختلفت في ذلك فقال قوم يصوم وقال آخرون لا يصوم وقال قوم إن شاء صام وإن شاء فطر وأما نحن فنقول يفطر في الحالتين جميعاً فإن صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء فإن الله عز وجل يقول (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر).. وتدل عليه روايات متواترة عندنا وإجماع الإمامية وعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لم يكن رسول الله9 يصوم في السفر تطوعا ولا فريضة يكذبون على رسول الله ) نزلت هذه الآية (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) بكراع الغميم عند صلاة الفجر فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإناء فشرب وأمر الناس أن يفطروا فقال قوم : قد توجه النهار ولو صمنا يومنا هذا، فسماهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العصاة فلم يزالوا يسموه ذلك الاسم حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله).
((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))
183 ـ 184 سورة البقرة
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام). ذكر المفسرون ان هذا الخطاب مدني حيث انه بدء بـ((يا أيها الذين آمنوا)) ولغة النداء وتخصيصه بالمؤمنين مما يخفف من عناء هذا التكليف في الدنيا ويزيد الثواب في الآخرة. كما فيه إشعار ان هذه الفريضة المقدسة لا تصحّ إلا مع وصف الإيمان. ومما يستفاد من الآية الكريمة ان مادة (ص و م) تدل على السكون والامساك وتستعمل في الجماد والحيوان والانسان يقال صام الماء إذا سكن وركد، وصامت الخيل إذا أمسكت عن السير والحركة والاعتلاف ومنه قول النابغة:
خيلٌ صيام وخيــــــل غير صائمة
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
ونقول صام زيد إذا أمسك عن الطعام والكلام ومما ذكر في الكتاب العزيز مخبراً عن مريم ابنة عمران في قولها (اني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) مريم 26. ومثل هذه المادة (ص م ت) حيث انها تختص بجارحة اللسان ثم تدرجت الآية الشريفة (كما كتب على الذين من قبلكم) أي كما ثبت على الأنبياء السابقين وأممهم كيحيى وزكريا ومريم فقد ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام) عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الصوم على الأمم كان أكثر مما هو على المسلمين في شهر رمضان. وهكذا تتدرج الآية الكريمة (لعلكم تتقون) ولفظة لعل تفيد التعليل لثبوت الصوم أي فرض عليكم الصوم لتتقوا وإنما قال تعالى لعلكم لبيان ان التقوى أمر اختياري للإنسان لأن الصيام إنما يعد نفوس الصائمين لتقوى الله وللاشعار بأن المرجو من هذا التكليف وسائر التكاليف الإلهية هي التقوى. ثم تأتي الآية لتبين في تسلسلها أن الصوم إنما هو في ضمن أيام معدودات ويمكن أن يراد بها في المقام القلة أيضاً أو عدم التغيير والتبديل إلى الأبد.
قال تعالى:( فمن كان منكم مريضاً) (أو على سفر). المرض: هو الخروج عن الاعتدال سواء كان في الجسم كما في قوله: (ولا على المريض حرج) أو في القلب والروح كما في قوله تعالى: ((والذين قلوبهم مرض)). أما السفر: تعني الكشف وسمي السفر سفراً لأنه يكشف عن أخلاق القوم أو يكشف عن خصوصيات الأمكنة). (فعدة من أيام أخر) أي في حال كونه مسافراً أو مريضاً على تفصيل ذكره الفقهاء أعلى الله مقامهم في محله عند ذاك عليهم أن يصوموا في مجموعة من الأيام غير تلك الأيام التي في السفر أو في حال المرض. ثم قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية). وهنا لابد أن نعرف ماذا تعني، يطيقونه فماده (طوق) تدل على ما يحيط بالعنق إما خلقة كطوق الحمامة. أو صفة كالقلادة والطوق من الذهب أو جزاء في الآخرة كما في قوله تعالى (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) آل عمران 180. ونطلق على ما يعمله الإنسان بمشقة ويكون إتيانهم للصيام جهد طاقتهم. ومعناه على الذين يصومونه بمشقة ويكون إتيانهم للصيام جهد طاقتهم وفسر بالأحاديث بالشيوخ والضعفاء وذي العطاش. أما قوله تعالى (طعام مسكين) بيان للفدية في اليوم وقدر في الروايات كمية بمد وهو 750 غم وكيفية بكل ما يأكله الانسان لاشباعه من الجوع. ثم انتقلت الآية الشريفة إلى بيان (فمن تطوع خيراً فهو خير له) الظاهر أنه راجع إلى كيفية الطعام وكميته زائداً على أصل الإطعام وأما رجوعه إلى أصل الصوم وإثبات استحبابه بعد سقوط تشريعه بالنسبة إلى المسافر والمريض فإنه يحتاج إلى دليل خاص وهو مفقود بل الأدلة على خلافه وهكذا انتقلت الآية أيضاً (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) عدل إلى الفعل للترغيب في إتيانه وللإعلام بصدوره من الفاعل والجملة مركبة من المبتدأ والخبر أي (والصيام خير لكم إن كنتم تعلمون).
((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) وهنا أريد أن أؤكد أن الآيات مرتبطة مع بعضها البعض ذات نسق منظم وأدب رفيع وأسلوب رائق في بيان حكم الهي القاه عزوجل متدرجاً ليأنس به الصائم فبين سبحانه مدة الصيام وإنها قليلة ولكنها عظيمة ووضع الصيام عن المرضى والمسافرين وقد أخبر تعالى انه يريد اليسر للإنسان في تكاليفه وهنا كان بودي أن أبين أنه تعالى عاد ليؤكد فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهكذا في سياق الآيات تعود لتؤكد.
(ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) وهذا يعني أن الصوم يسقط على المريض والمسافر بتفصيل ذكر في الرسائل العملية كما ذكرت قبل قليل ولا علاقة بما راه البعض من أن المستفاد من قوله (فمن تطوع خيراً فهو خير له) المراد انها عائدة على أصل الصوم وإثبات استحبابه بعد سقوطه. فهنا الآية صريحة مرة أخرى بسقوط الصيام عن المريض والمسافر اسأل الله أن يمن على البشرية جمعاء بالأمن والسلام وأن يكون الشهر الفضيل شفيعاً لنا عند الله ليكتبنا من ضيوفه وأن يتقبل أعمالنا ويرحم شهدائنا ويلبس جرحانا ثوب الصحة والعافية إنه سميع مجيب.

ملاحظة
استفدت في إعداد موضوع هذا العدد من بحوث فقيه عصره الراحل سماحة آية الله العظمى السيد السبزواري قدست نفسه الزكية وتصرفت في جملة من العبارات بما لا يحقق تحريفا بالمعنى مع تحفظي الشديد على نقل المعلومة للأمانة العلمية وتبركاً بأنفاسه الشريفة طاب ثراه والحقنا به في منازل الأولياء والصديقين.