حواريات                                     السيد حسين المرسومي                                 

 الخوف .. يصفه البعض على انه تألم القلب بسبب مكروه ما، ويجعله آخر باقسام فيها المحمود ومنها المذموم، كما يُتحدث كثيراً عن طرق علاجه .. وكان لائمة اهل البيت (عليهم السلام) الكثير من الروايات التي تتحدث عنه.. فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في دعاء الصباح : (من ذا يعرف قدرك فلا يخافك ومن ذا يعلم ما انت فلا يهابك) .. ويكمل هذا المعنى الامام السجاد (عليه السلام) بقوله : (سبحانك عجباً من عرفك كيف لا يخافك) وغيرها العديد من الاحاديث والروايات التي تتحدث عن هذا المعنى.
لذا تعالوا معنا لنطلع اكثر على هذه الغريزة الانسانية من خلال حوارية بين اب وولده .

 علي: السلام عليك يا أبي .
الاب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
علي: ها أنذا مستعد يا أبي لمواصلة المبحث.
الاب: وانا بخدمتك يا بني ولكن ألا أوجزت لي ما مرّ.
علي: بأمرك يا أبتاه.
اولاً: عرفت الخوف بانه تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل مشكوك بالوقوع.
ثانياً: ذكرت لي بان الخوف على نوعين الاول وهو مذموم بجميع اقسامه ما لم يكن من الله جل جلاله والثاني وهو ما كان من الله جل جلاله وهو محمود.
ثالثاً: ذكرت لي اقسام النوع الاول من الخوف وهو المذموم.
رابعاً ذكرت بانه لما كان خوف الموت من أشد أقسام هذا النوع فلذات ذكرت لي علاجه.
طبعأً هذا كله كان بعد طرح شبهتي واشتباهي في كيفية حصول الخوف من الاولياء العظام.
الاب: أجدت يا بني فيما أوجزت وأحسنت.
علي: والان كلي أذان صاغية لاستماع الكلام عن النوع الثاني.
الخوف الممدوح
الاب: إعلم يا بني ان للنوع الثاني من الخوف أقساماً.
الاول: أن يكون من الله جل جلاله وهو المسمى بالخشية والرهبة.
الثاني: أن يكون من جنابة العبد لاقترافه المعاصي.
الثالث: ان يكون منهما معاً فكلما ازدادت المعرفة بالله جل جلاله وبعيوب نفسه وبجناياته ازداد الخوف ولذا قال جل جلاله ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) وقال سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أنا اخوفكم من الله).
علي: أفهم من هذا أن للخوف درجات بمقدار العلم.
درجات الخوف
الاب: هو كذلك فأقل درجات الخوف مما يظهر في الاعمال فيكن الخائف عن المحرمات ويسمى الكفّ عنها بـ(الورع) فان زاد.ت قوة الخوف كفّ صاحبها عن الشبهات ويسمى ذلك بـ(التقوى) فالتقوى هي ان يترك ما يريبه الى ما لا يريبه وقد يفضي ذلك الى ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو (الصدق في التقوى) فاذا انضم اليه التجرد لخدمة مولاه بان اصبح غير ملتفت الى الدنيا لعلمه بانه عما قليل مفارقها فلا يصرف لغير الله جل جلاله نفساً من أنفاسه فهو (الصدق) ويسمى صاحبه (صدّيقاً) فيدخل في الصدق التقوى وفي التقوى الورع وفي الورع العفة لانها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات المحضورة.
ما يتحقق به الخوف
علي: وبم يتحقق الخوف يا ابي.
الاب: اعلم يا بني أنّ الخوف لا يتحقق إلا بانتظار مكروه والمكروه إمّا أن يكون مكروهاً في ذاته كالنار او يكون مكروهاً لإفضاءه الى المكروه في ذاته كالمعاصي المفضية الى النار ولابد لكل خائف ان يتمثل في نفسه مكروهاً من احد القسمين فالذين يغلب على قلوبهم خوف المكروه لذاته فاما أن يكون خوفهم من سكرات الموت او من سؤال منكر ونكير او من عذاب القبر او من هول المطلع او من الوقوف بين يدي الله جل جلاله والحياء من كشف سريرته او الحساب ودقته او من الصراط ودفته او من النار واهوالها والجحيم واغلالها او من الحرمان من النعيم المقيم ونقصان درجاته في العليين او من الله جل جلاله بأن يخاف من عظمته جل جلاله والبعد عنه والحجاب منه وهذا اعلاها رتبة وهو خوف العالمين بلذة لقاءه جل جلاله والمطلعين على سر قوله ((ويحذركم الله نفسه)) وقوله ((وانقوا الله حق تقاته)).
وأما الذين غلب على قلوبهم خوف المكروه لغيره فإمّا ان يكون خوفهم من الموت قبل التوبة او من ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله جل جلاله او من الانحراف عن جادة الاستقامة او من الانحراف الى اتباع الشهوات او من تبدّل رقة القلب بقساوته او من تبعات الناس عنده او من الاشتغال عن الله جل جلاله بغيره او من البطر والاستدراج بتواتر النعم او من الاغترار بالدنيا او من تعجيل عقوبته في الدنيا وافتضاحه فيها او من اطلاع الله جل جلاله على سريرته وهو عنه غافل او من توجهه الى غير مولاه وهو اليه ناظر او من الختم له بسوء الخاتمة والعاقبة فهذه هي مخاوف العارفين.
علي: وهل لكل واحد من هذه الامور خصوص فائدة.
الاب: بلا اشكال يا بني فلكل واحد منها خصوص فائدة وهي الحذر عما يفضي الى الخوف فالخائف من تبعات الناس يجتهد في ابراء ذمته منهم والخائف من اطلاع الله جل جلاله على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس وهكذا بقية الاقسام.
الخوف من الله جل جلاله من افضل الفضائل
علي: وهل حثت الشريعة المقدسة على الخوف الممدوح.
الاب: وكيف لا يا بني والخوف من الله جل جلاله من افضل الفضائل فلذا وردت النصوص الكثيرة في فضيلته اما القران الكريم فآيات منها قوله جل جلاله ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) و((هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون)) و((رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه )) و((إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم)) و((خافون ان كنتم مؤمنين)) وغيرها من الايات الشريفة.
واما الاخبار فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله (رأس الحكمة مخافة الله) و (من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء) وروي انه9 قال ابن مسعود (إن أردت ان تلقاني فأكثر من الخوف بعدي) وروي عنه9(أتمكم عقلا أشدكم لله خوفاً) و(ما من مؤمن يخرج من عينيه دمعة وان كانت مثل رأس الذباب من خشية الله ثم يصيب شيئاً من حرّ وجهه إلا حرمه الله على النار) و(اذا أقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتّت عنه خطاياه كما يتحاتّ من الشجر ورقها) وأما أمير المؤمنين فلعلك تسمع او تقرأ يومياً في دعاء الصباح (من ذا يعرف قدرك فلا يخافك ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك) وقال الامام السجاد (عليه السلام) في بعض ادعيته (سبحانك عجباً من عرفك كيف لا يخافك) وروي عن الامام الصادق (عليه السلام): (من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا) وهنالك آيات وأحاديث كثيرة في هذا الباب ولعل فيما ذكرته لك كفاية.
الخوف اذا جاوز حده كان مذموماً
علي: بناءً يا أبي على هذا الحث العظيم من الشريعة على الخوف فهل يترتب عليه ان هذا النوع من الخوف ممدوح مطلقاً.
الاب: كما ذكرت لك يا بني هذا افضل الفضائل لكن بشرط ان لا يتجاوز حده فان تجاوزه كان مذموماً.
علي: وماذا تقصد يا أبي بتجاوز الحد؟
الاب: اعلم يا بني ان الخوف ممدوح الى حد فان جاوزه كان مذموماً فالخوف تأديب للعباد يسوقهم للمحافظة على العلم والعمل لينالوا رتبة القرب الى الله تعالى ولكن كما ان السوط الذي تساق به البهيمة له حد ان قصر عنه لم ينفع في سوقها وان زاد الى هلاك البهيمة فكذلك الخوف فهو سوط الله جل جلاله له حد اعتدال ووسط وهو ما أوصل الى المطلوب فان قصر عنه كان قليل الجدوى ويكون نظير قضيب ضعيف يضرب به الدابة القوية فلا يسوقها الى المقصد والخوف القاصر عن الحد يكون حاله كحال النساء في رقتهن عند سماعهن امر محزن فيبكين ولكن بمجرد انقطاعه يزول عنهن التأثر فمثل هذا الخوف قليل الجدوى وان تجاوز عنه اي تجاوز الخوف الحد وكان مفرطاً فربما أدى الى القنوط وهو ضلال ((ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)) او ربما أدى الى اليأس وهو كفر ((لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)) ولا ريب ان الخوف المجاوز للحد يمنع من العمل ويكون محض فساد.
علي: نسأل الله جل جلاله يا أبي التوفيق.
الاب: نعم هو كذلك يا بني فقد ذكر المرحوم الشهيد الثاني رحمه الله في (منية المريد) ان طالب العلم بحاجة الى ان يسأل ربه التوفيق والاعانة والعصمة من الخطأ.
علي: مع كل هذا الفضل والمكانة العظيمة للخوف فما هو السبيل لان يحصله الانسان.
الاب: بل أنا الذي يعتذر يا أبتاه عن اتعابك والاخذ من وقتك الثمين فاسمح لي بالانصراف.
الاب: تفضل يا بني.
علي: السلام عليكم .
الاب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.