|
مقالات ريسان النصري |
|
|
|
|
|
من المعروف لجميع المسلمين : أن من الأمور الأولى التي اهتم بها الرسول الكريم (صلى اله عليه وآله) بعد دخوله المدينة المنورة في الهجرة النبوية الشريفة هو (بناء مسجد) ، ولم يهتم بذلك قولاً فقط بل شمرّ عن ساعديه الكريمتين مشاركاً في الحفر وفي البناء. ثام جاءت احاديثه الشريفة تؤكد ذلك حيث يروى عنه (صلى الله عليه وآله) انه قال : ـ(من بنى مسجداً ولو كجؤجؤ قطاة ـ كناية عن الصغر ـ بنى الله له بيتاً في الجنة). وقد وردت كلمة مسجد في اكثر من موضوع في القرآن الكريم ، ثم جاءت مسيرة الأئمة الأطهار (عليه السلام) تجسد لنا ذلك، فهذا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) يوصينا قبل وفاته (الله الله في بيت ربكم) ويروى عنه قوله ان جلوسه في المسجد احب الى نفسه من جلوسه في الجنة. للأمور التي ذكرت وغيرها الكثير دلالة واضحة على اهمية المسجد في حياة المسلمين والسؤال الآن هو : هل أن للمسجد وظائف أخرى، أم أنه يقتصر على الوظيفة العبادية؟ للإجابة أمهد بالآتي: حصل مرة أن التقيت أحد المثقفين العرب المقيمين في بلاد الغرب وكان قادماً لحضور مؤتمر (صنعاء عاصمة الثقافة 2004) فحدثني هذا الاستاذ -وكان سيداً فاضلاً ـ عن المجتمع الانكليزي ، فقد كان مقيماً في انكلترا ، ذاكراً كيف ان القوم هناك يتصفون باخلاق حٍّث عليها الإسلام بل أمر بها مثل : الاخلاق بالعمل وعدم الغش فيه ، الحرص على الوقت والالتزام بالموعد المواضبة على القراءة والجدية في طلب العلم، إحترام القانون وتطبيق النظام، حفظ كرامة الإنسان ، الاهتمام بل الاهتمام الشديد بالنظافة والذوق العام ـ وغير ذلك. عندها سألت محدثي (ماهو المنهاج الأخلاقي الذي يدرّس في مراحل التعليم الأساسي بالمدارس البريطانية)؟ فأجاب : ـ (لا يوجد عندهم منهاج خاص في ذلك دائماً الدروس الأخلاقية تلقى على الناس والناشئة ... لمواعظ من قبل رجل الدين في الكنيسة). انتهى كلام الاستاذ ، حقاً أخي الكريم إن الموعظة والإرشاد والنصيحة والتوجيه إذا جاءت من رجل الدين في مكان العبادة يكون لها تأثير أعمق وأثر اقوى في نفس المتلقي وتفكير المستمع. أنتقل الآن من الكنيسة إلى المسجد. المساجد عندنا وبفعل ما أوصت به السياسات والحكومات التي توالت على البلاد الإسلامية من زمن الدولة الأموية إلى العصر الحديث، صار تصور عند الناس ان المسجد للصلاة والتسبيح فقط. نعود للسؤال المطروح في البداية:ـ (هل أن للمسجد وظائف أخرى غير العبادية)؟ والجواب : نعم له وظائف أخرى إجتماعية ، إن مسجد الحي هو كمستشفى الحي ، هذا يداوي الأمراض الجسمية والعضوية، وذاك يعالج الأمراض الروحية والإجتماعية. إن إمام المسجد هو رئيس هذه المستشفى، يعرف مرضى الحي ويعرف علاجهم، يتعرف على مشاكل الحي ويضع الحلول لها، يعمل على تآلف وتقارب سكان المنطقة ويصلح ذات بينهم، يقضي على الخصومات والمنازعات ما استطاع. إمام المسجد يعرف الناس أمور دينهم وشؤون حياتهم ويبصرهم بقضايا عصرهم سواء من خلال الخطب أو الكلمات التي يلقيها (يومياً) بين الظهرين أو بين العشائين، يثقف الجهلاء، يتخذ من مثقفي الحي اعواناً له في ذلك يستعين بالوجهاء من أهل الحي ويجعل منهم همة وصل بينه وبين الآخرين. يشرف على أعمال الخدمة العامة، وتنظيم عمليات الأحسان ويأخذ من غنيهم إلى فقيرهم. يمكن أن يستغل المسجد مدرسة لتعليم دروس القرآن الكريم وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، فكثير من علمائنا حيثما يسألون من أي جامعة تخرج ؟ يقول من جامعة المسجد. ثم لم لا يكون المسجد معهداً للمرأة كما هو معهد للرجل فيخصص جزءاً من وقت المسجد لتعليم النساء أمور دينها ودنياها وكيفية اسعاد بيتها وتربية ابناءها وما هو التعامل الامثل بين افراد الأسرة، وما للمرأة ، وما عليها من حقوق وواجبات فنحن نعرف أن غالبية المشاكل البيتية ناتجة من الجهل في هذه الأمور، يمكن أن يكون المسجد مكتبة للتلاميذ والطلاب من أهل الحي وأبناء المنطقة، يذاكرون فيها دروسهم ويكتبوه واجباتهم، ونحن أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى هذا الأمر خاصة بعد أن صارت البيوت والمنازل غير صالحة للمطالعة بسبب ما فيها من زحام وعدم توفر الهدوء مع افتقارها للخدمات من إنارة وتدفئة شتاء أو تبريد حيفاً، فيمكن استغلال المسجد لذلك الهدف بعد تكثيف جهود أهل الحي في ذلك مع بقاء هذه المكتبة مفتوحة طوال النهار، المسجد ايضاً محل اجتماع اهل الحي في الأعياد والمناسبات ويمكن استدعاء أهل الحي للحضور في المسجد حتى خارج أوقات الصلاة لتبليغ الناس التوجيهات الدينية. هذا هو المسجد بل أكثر من هذا حيث كانت تعقد فيه رايات الجيوش عند توجهها للمعارك والغزوات. هذه بعض وظائف المسجد وهذا هو النصور الصحيح عند المسجد .. فأين المسجد منا اليوم بل اين نحن من المسجد. ويا ترى هل أن الناس اعتزلوا المسجد؟ أم أن المسجد اعتزل الناس؟ أن الواقع يقول ان المسجد هو الذي اعتزل الناس وان للناس بعض الحق في الانصراف عن المساجد، فلو كان المسجد قد أخذ دوره بما ذكر آنفاً لتعلقت أرواح اهل الحي به وعملوا على تنظيمه وتطويره، وشاركوا في دوراته وحضر جمعته وجماعته ولكان تأثيره واضحاً في الحي وأهل الحي. كلمة أخيرة لابدّ منها وهي : أن المدرسة مهما علت أدوارها وعظم بناؤها لا تنفع في شيء إذا لم يكن فيها معلم ، كذلك المسجد فمهما كبرت مساحته وعظم بناؤه وغلت أثاثه يبقى دوره قاصراً ومحدوداً إذا لم يكن فيه إمام مسجد محمل صفتي الكفاءة والنزاهة (حفيظ عليم). |