مقالات                      الشيخ عبد الرزاق فرج الله الأسدي  

((وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ))

 نشطر الحديث في هذا الموضوع الى حلقتين: الاولى: ما هي مادة التعامل مع إنسانية الانسان؟
الثانية: ما الموقف من قرارات حكم الاعدام؟
اما الحلقة الاولى: فإن هناك مادتين للتعامل مع إنسانية الانسان، مادة تنطلق من القيم الاقتصادية، وتضع الانسان في إطار الانعاش الاقتصادي، ليكتسب قدره ومكانته وفقاً لما يقدمه من الانجاز في هذا الاطار، لذا ورد تعبير القائل: (الانسان أثمن رأس مال)، فانه ينزل الانسان من أوج قدره الى مستوى وسيلة الانتاج التي تخدم الاقتصاد الشخصي وترفه رؤوس الاموال، وعندها يكون الانسان ذا قدرة بنظر أصحاب هذا التعبير.
هناك مادة وردت على مستوى النص القرآني القائل:((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )) ، وقد جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله ما مضمونه: (لزوال الدنيا اهون على الله عز وجل من قطرة دم حرام تراق)، هذا المضمون الذي يرفع الانسان الى قمة قدره الذي اراده الله تعالى له من الحرمة في ماله وعرضه ودمه.
اما ما هي الموارد التي تسقط حرمة دم الانسان، فذلك ما حدده الحديث النبوي الشريف : (لا يحل دم امريء مسلم الا في ثلاث: كفر بعد ايمان، او زنى بعد احصان، او قتل نفس بغير نفس).
فالكفر بعد الايمان يعني ارتداد المسلم عن فطرته التي فطره الله عليها، فيلزم قتله لانه قاتل لهذه الفطرة، ومضيع لطاقة اسلامية مثمرة على صعيد الواقع الاجتماعي.
والزنى بعد الاحصان، يعتبر قتلا لهذه العلاقة والرابطة المقدسة بين الزوجين، وخرقاً لكلمات الله التي بها احل لهما المباشرة، لذا فان انهاء الحياة للزاني والزانية الذين ارتبطا برباط الزوجية المقدسة، هو انهاء لدابر الشك وشبح الجريمة الذي يبقى يلاحق تلك الاسرة.
وقتل النفس بغير نفس او فساد في الارض، يعتبر قتلا للانسانية جميعاً، وحرماناً للمجتمع من طاقة انسانية مخزونة في صلب هذه النفس، لذا يعتبر انزال القصاص بالقاتل، هو صمام الامان الذي يحد من سريان الجريمة، ويطفيء ثورة الانتقام التي تعتمل في نفس ولي الدم.
وقد بلغ من نبل الاسلام وحرصه على انسانية الانسان، انه خيّر الولي بين القصاص وبين الدية، ولو اختار القصاص فهناك تهذيب في غاية الروعة، تحت قوله تعالى : (فلا يسرف في القتل)، والاسراف في اخذ الحق يشمل نحوين:
الاول: عدم الاكتفاء بضرب الجاني وحده، وانما يتعدى الى قتل الابرياء من اقارب الجاني وعشيرته، كما يفعل اهل الجاهلية انذاك، لانهم يرون مثل هذا العمل نوعاً من انواع الشجاعة والبطولة.
واليوم تعود هذه النزعة في كثير من الاوساط - ياللأسف- فيؤخذ البريء بذنب المسيء، وتحترق الأسر المسلمة، وتتداعى البنية الاجتماعية نتيجة لنزعة الثأر والتشفي، وهم يتناسون نداء القرآن الكريم: (كل نفس بما كسبت رهينة) (ولا تزر وازرة وزر اخرى).
وعليه، فلابد لمجتمعنا من أعادة النظر في كيفية أخذ الحق على ضوء التهذيب الاسلامي في القصاص من الجناة والمعتدلين انفسهم، وبالرغم من أن المسألة قد تجاوزت كيفية أخذ الحق الى التعدي والقتل بغير حق.
الثاني: مما يشمله الاسراف في أخذ الحق هو (المثلة) التي تعني عدم الاكتفاء بضرب الجاني، بل التجاوز الى التمثيل به وتقطيع أوصاله، وهو مما نهى عنه الاسلام، في حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور)، حيث قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله في حادث مع اعدى اعداء الاسلام وهو (أبو جهل) وذلك في واقعة (احد)، والقصة معروفة في محلها.
وفي وصية الامام امير المؤمنين عليه السلام قبل وفاته تجسيد لانسانية الاسلام، ونبل ورحمة قادته وحملته، وذلك حيث مثل ابن ملجم المرادي بين يدي الامام علي عليه السلام، وبعد عتب طويل يقدمه الامام عليه السلام على مسامع قاتله، فجيء اليه بقدح فيه لبن فشرب منه ثم قال : (احملوا هذا الى أسيركم وارفقوا به، وطيبوا طعامه وشرابه، فان انا عشت فانا أولى به وأن مت فأضربوه ضربة بضربة ولا تمثلوا به، فاني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور).
أليس هذا نتاج مدرسة القرآن الكريم، ومنهج التربية الذي تبناه رسول الله صلى الله عليه وآله في حق هذه النخبة الطاهرة التي تتجلى على سلوكها وتعاملها روح الاسلام وجوهر انسانيته النقية؟
فأين منظمات حقوق الانسان وهيئة الامم المتحدة، التي ملأت قراراتها البقاع والاصقاع، لكنها لم تجد آذاناً صاغية من قبل انظمة الحكم القائمة على وجه الارض، والتي راحت تحول المعمورة الى رماد وموات يسقى كل يوم بدماء الابرياء؟
وأين مضى هؤلاء الذين يقتلون ويذبحون باسم الاسلام والجهاد، بلا ورع ولا عفة ولا سداد، ولا تمييز عندهم بين المسلم وغيره؟ أليس من حقنا ان ننعى واقعنا الاسلامي، ونأسى لحجم مأساتنا وهشاشة موقفنا الانساني تجاه دم الانسان المسلم، الذي يراق دمه على ارض وطنه بأيدي مسلمة، اتخذت النهب والسلب والقتل ديدنا يومياً؟!
أليس من حقنا ان نلحظ الفارق بين عمل أناس لا صلة لهم بالاسلام، ولا يعرفون من إنسانية الاسلام شيئاً، بل جل همهم آكلة الكلاب والخنازير، وبين عمل اناس يشهدون ان لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله وهم قد نزعت الرحمة والمروءة من أنفسهم؟!
اما الحلقة الثانية: وبعد ان عرفنا مادة التعامل مع انسانية الانسان ومتى يحترم دمه ومتى تسقط حرمته، فما هو الموقف من عقوبة الاعدام، وما مدى شرعية هذا الحكم؟ فان هناك جدلا دولياً قائماً في الوقت الحاضر بين فريقين:
الاول: فريق يمنع تشريع حكم الاعدام لأي جريمة من الجرائم، ويطالب الدول التي تلتزمه بالغاء تشريعه، والحجة على هذا المنع في ثلاث نقاط:
أ) ان الانسان مخلوق من المخلوقات التي لها حق التمتع بالحياة، بل هو سيد المخلوقات، فإزهاق روحه حرمان من هذا الحق الطبيعي، وقتل لإنسانيته.
ب) ان هناك اضراراً ناتجة عن حكم الاعدام لايمكن تلافيها، وذلك عندما يتبين خطأ الادلة وتثبت براءة المحكوم بعد تنفيذ الحكم بحقه، فكيف يمكن إعادة الحياة الى البريء؟
ج) ان المجرم مريض، والمريض يجب علاجه، فعلى المجتمع ومؤسساته التربوية القيام بعلاج هذا المريض حتى يشفى مما هو فيه بدلاً من القيام بإزهاق روحه وحرمان المجتمع من طاقته.
الثاني: وهو الفريق الذي يرى مشروعية حكم الاعدام في حق المجرمين الجناة، بهدف اجتثاث مادة الفساد والجريمة من جذورها، ولذلك يرد هذا الفريق على الفريق الاول بنقض حجج المنع التي قدمها، مضافاً الى النصوص القانونية التي تؤكد مشروعية هذا الحكم وذلك:
اولاً: ان الذي له حق التمتع بالحياة، هو الانسان الذي يحترم الحياة ويحرص على قيمها، ويحب الحياة لغيره كما يحبها لنفسه. مضافاً الى انه ليس مجرماً بحق فرد واحد، وانما هو مجرماً بحق المجتمع، لذلك يعتبر إنهاء حياته حقاً إجتماعياً عاماً.
ثانياً: ان الضرر الناتج عن الخطأ - احياناً- في الحكم، لا يعتبر ملحوظاً بالقياس الى المصلحة العامة المحرزة من تطبيق هذا الحكم، لكون العقوبة رادعة وضماناً لمسيرة النظام وسيادة القانون، لاسيما وأن الخطأ مرفوع بحكم القانون نفسه، بينما لا يرتفع أثر الجريمة عن واقع الحياة ما لم يتم القضاء على مصدرها، كما قال عز وجل: (ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب).
ثالثاً: ان الحجة القائلة : ان المجرم مريض، قد ابتنت على ما صرحت به المدرسة الايطالية التي تزعمها (لمبروزو) الذي قال: إن المجرم ولد مجرماً، لأن الانسان عندما يسرق او يقتل، يقع تحت ضغط الغريزة ويسلب منه عقله، فليس للمجرم حرية محضة في عمل الجريمة، بل تعتبر الجريمة نتاجاً طبيعياً لهذا الضغط.
وقد نقضت هذه النظرية بما جاء به العالم الانكليزي (جورنغ) من خلال دراسة اجراها حول ثلاثة آلاف من نزلاء السجون، ولمدة ثمان سنوات متتاليات، فخرج بنتيجة: ان المجرم ليس من طراز جسمي وعقلي خاص، لأن قياسات الجمجمة التي اجراها على السجناء لا تختلف عن اقيسة الجمجمة لدى طلاب جامعة (اكسفورد)، ولا عن بقية الناس.
بل إن المجرم يتمتع بدافع اختياري محض حين ارتكاب الجريمة، ويقوم باداء الجريمة مع سبق الاصرار والترصد، ولو فرض انه مريض فهو مريض اجتماعياً، وهذا المرض الاجتماعي كما لا يمنعه اختيار العلاج التربوي المفروض على المجتمع تقديمه له، فهو لا يمنعه - كذلك- اختيار عمل الجريمة.
فيكون قطع العضو المصاب أهون من بقائه عاهة تهدد المجتمع، ويسري مرضه الى بقية اعضاء البنية الاجتماعية، علاوة على هذا فان بقاء المجرم تحت نظر ولي الدم سوف يحرك ثورة الانتقام في نفسه فيعدو عليه وينهي حياته.
لذلك جاءت المادة القانونية في القرآن الكريم تؤكد: أن النصرة لولي الدم استجابة قانونية مهذبة، لثورة عارمة في نفسه، لو ترك والحالة هذه لتحولت هذه الثورة الى انتقام يتعدى كافة الضوابط والحدود الاخلاقية للقصاص. فقال تعالى : ((فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)).