|
البداء في اللغة والاصطلاح
البداء في اللغة: للبداء في اللغة معنيان:
ا - بدا الامر بدوا وبداء: ظهر ظهورا بينا.
ب - بدا له في الامر كذا: جد له فيه راي، نشا له فيه راي .
البداء في مصطلح علماء العقائد الاسلامية: بدا للّه في امر بداء، اي: ظهر
له في ذلك الامر ما كان خافيا على العباد.
واخطا من ظن ان المقصود من بدا للّه في امر بداء جد له في ذلك الامر غير
الامر الذي كان له قبل البداء، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
البداء في القرآن الكريم
ا - قال اللّه تعالى في سورة الرعد: (ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه من
ربه).
ثم قال تعالى: يمحو اللّه ما يشاء وعنده أم الكتاب (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ
أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ،
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، وَإِن
مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
شرح الكلمات
1- آية: الاية في اللغة: العلامة الظاهرة كما قال الشاعر:
وفي كل شي ء له آية
تدل على انـــــــه واحد
وسميت معجزات الانبياء آية لانها علامة على صدقهم وعلى قدرة اللّه، الذي
مكنهم من الاتيان بتلك المعجزة، مثل عصا موسى وناقة صالح، كما جاءت في
الاية (67) من سورة الشعراء والاية (73) من سورة الاعراف .
وكذلك سمى القرآن انواع العذاب الذي انزله اللّه على الامم الكافرة بالاية
والايات، كقوله تعالى في سورة الشعراء عن قوم نوح: (ثم اغرقنا بعد الباقين
، ان في ذلك لاية) وعن قوم هود: (فكذبوه فأهلكناهم ان في ذلك لاية) وعن قوم
فرعون في سورة الاعراف: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع
والدم آيات مفصلات).
2- اجل: الاجل: مدة الشيء والوقت الذي يحدد لحلول امر وانتهائه، يقال: جاء
اجله اذا حان موته، وضربت له اجلا: اي وقتا محددا لعمله.
3- كتاب: للكتاب معان متعددة، والمقصود منها هنا: مقدار مكتوب اومقدر،
ويكون معنى (لكل اجل كتاب): لوقت اتيان الرسول باية زمان مقدر معين .
4- يمحو: محاه في اللغة: ازاله وابطله، اوازال اثره، مثل قوله تعالى: أ- في
سورة الاسراء: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وآية الليل هي
الليل، ومحوالليل: ازالته .
ب - في سورة الشورى: (ويمح اللّه الباطل ويحق الحق بكلماته) اي يذهب باثار
الباطل .
تفسير الايات
اخبر اللّه سبحانه وتعالى في هذه الايات ان كفار قريش طلبوا من رسول اللّه9
ان ياتيهم بايات، كما بين طلبهم ذلك في قوله تعالى في سورة الاسراء: (وقالوا
لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، اوتسقط السماء كما زعمت علينا
كسفا اوتأتي باللّه والملا ئكة قبيلا) وقال في الاية (38) من سورة الرعد: (وما
كان لرسول ان ياتي به) مقترحة عليه (الا باذن اللّه) وان لكل امر وقتا
محددا سجل في كتاب .
واستثنى منه في الاية بعدها وقال: (يمحواللّه ما يشاء) من ذلك الكتاب ما
كان مكتوبا فيه من رزق واجل وسعادة وشقاء وغيرها(ويثبت) ما يشاء مما لم يكن
مكتوبا في ذلك الكتاب (وعنده ام الكتاب)، اي: اصل الكتاب وهواللوح المحفوظ،
الذي لا يتغير ما فيه ولا يبدل . وبناء على ذلك قال بعدها: (وان ما نرينك
بعض الذي نعدهم) من العذاب في حياتك (اونتوفينك) قبل ذلك (فانما عليك
البلاغ) فحسب ... ويدل على ما ذكرناه ما رواه الطبري والقرطبي وابن كثير في
تفسير الاية وقالوا ما موجزه: ان عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويقول:
اللهم ان كنت كتبتني في اهل السعادة فاثبتني فيها، وان كنت كتبتني في اهل
الشقاوة والذنب فامحني واثبتني في اهل السعادة والمغفرة، فانك تمحوماتشاء
وتثبت، وعندك ام الكتاب .
وروي عن ابن مسعود انه كان يقول: اللهم ان كنت كتبتني في السعداء فاثبتني
فيهم، وان كنت كتبتني في الاشقياء فامحني من الاشقياء واكتبني في السعداء،
فانك تمحوماتشاء وتثبت، وعندك ام الكتاب .
وروي عن ابي وائل انه كان يكثر ان يدعو: اللهم ان كنت كتبتنا اشقياء فامح
واكتبنا سعداء، وان كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا، فانك تمحوما تشاء وتثبت
وعندك ام الكتاب.
وفي البحار: وان كنت من الاشقياء فامحني من الاشقياء واكتبني من السعداء،
فانك قلت في كتابك المنزل على نبيك صلواتك عليه وآله: (يمحواللّه ما يشاء
ويثبت وعنده ام الكتاب).
واستدل القرطبي ايضا على هذا التاويل بما روى عن الصحيحين البخاري ومسلم ان
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: من سره ان يبسط له في رزقه ويُنسأ له
في اثره -اجله- فليصل رحمه .
وفي رواية: من احب ان يمد اللّه في عمره ويبسط له رزقه فليتق اللّه وليصل
رحمه ونقل عن ابن عباس انه قال في جواب من ساله وقال: كيف يزاد في العمر
والاجل ؟ قال اللّه عز وجل (هوالذي خلقكم من طين ثم قضى اجلا واجل مسمى
عنده)، فالاجل الاول اجل العبد من حين ولادته الى حين موته، والاجل الثاني
يعني المسمى عنده من حين وفاته الى يوم يلقاه في البرزخ لا يعلمه الا اللّه،
فاذا اتقى العبد ربه ووصل رحمه، زاد اللّه في اجل عمره الاول من اجل البرزخ
ما شاء، واذاعصى وقطع رحمه، نقصه اللّه من اجل عمره في الدنيا ما شاء
اللّه،فيزيده من اجل البرزخ ... الحديث. واضاف ابن كثير على هذا الاستدلال
وقال ما موجزه: وقد يستانس لهذا القول ما رواه احمد والنسائي وابن ماجة عن
النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: ان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه
ولا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في العمر الا البر.
وقال: في حديث آخر: ان الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والارض.
كان ما ذكرناه وجها واحدا مما ذكروه في تاويل هذه الاية، وذكروامعها وجوها
اخر في تأويل الاية مثل قولهم: ان المراد محوحكم واثبات آخر، اي نسخ
الاحكام، والصواب في القول: انه يعم الجميع، وهذا ما اختاره القرطبي ايضا
وقال: ... الاية عامة في جميع الاشياء وهوالاظهر واللّه اعلم.
وروى الطبري والسيوطي عن ابن عباس في قوله تعالى: (يمحو اللّه ما يشاء
ويثبت وعنده ام الكتاب)، قال: يقدر اللّه امر السنة في ليلة القدر الا
السعادة والشقاء.
(يمحو اللّه ما يشاء ويثبت) قال: من احد الكتابين هما كتابان يمحو اللّه من
احدهما ويثبت، (وعنده ام الكتاب) اي حملة الكتاب.
ب - قال سبحانه وتعالى في سورة يونس: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها
الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم
الى حين).
شرح الكلمات
1- كشفنا: كشف عنه الغم: ازاله، وكشف العذاب: ازاله .
2- الخزي: خزي خزيا: هان وافتضح .
3- حين: الحين: الوقت والمدة من غير تحديد في معناه بقلة اوكثرة .
تفسير الاية: قصة يونس بايجاز كما في تفسير الاية بتفسير الطبري والقرطبي
ومجمع البيان ان قوم يونس كانوا بنينوى من ارض الموصل وكانوا يعبدون
الاصنام، فارسل اللّه اليهم يونس (عليه السلام) يدعوهم الى الاسلام وترك ما
هم عليه فابوا، وتبعه منهم عابد وشيخ من بقية علمائهم، وكان العابد يشير
على يونس بالدعاء عليهم والعالم ينهاه ويقول له: لا تدع عليهم فان اللّه
يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده، فقبل يونس قول العابد فاخبر اللّه تعالى انه
ياتيهم العذاب في شهركذا في يوم كذا، فاخبرهم يونس بذلك، فلما قرب الوقت
خرج يونس من بينهم مع العابد وبقي العالم فيهم، وقال قومه: لم نجرب -يونس-
عليه كذبا، فانظروا فان بات فيكم الليلة فليس بشي ء، وان لم يبت فاعلموا ان
العذاب مصبحكم، فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بين اظهرهم، ولما علموا
ذلك وراوا آثار العذاب وايقنوابالهلاك ذهبوا الى العالم فقال لهم: افزعوا
الى اللّه فانه يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا الى المفازة وفرقوا بين
النساء والاولاد وبين سائر الحيوان واولادها ثم ابكوا وادعوا، ففعلوا:
خرجوا الى الصعيد بانفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح،
واظهروا الايمان والتوبة، واخلصوا النية، وفرقوا بين كل والدة وولدها من
الناس والانعام، فحن بعضها الى بعض، وعلت اصواتها،واختلطت اصواتها
باصواتهم، وتضرعوا الى اللّه عز وجل وقالوا:آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم
ربهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما اظلهم، بعد ان بلغ من توبتهم
الى اللّه، ردواالمظالم بينهم، حتى ان كان الرجل لياتي الحجر وقد وضع عليه
اساس بنيانه فيقتلعه ويرده، وكذلك محا اللّه العذاب عن قوم يونس بعد ان
تابوا، وكذلك يمحواللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب .
ج - قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة الاعراف: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة
وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة) وقال في سورة البقرة: (واذ
واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون)
البداء في روايات مدرسة الخلفاء
روى الطيالسي واحمد وابن سعد والترمذي واللفظ للطيالسي بايجاز، قال: قال
رسول اللّه9: ان اللّه ارى آدم ذريته فراى رجلا ازهرا ساطعا نوره . قال:
يارب من هذا ؟ قال: هذا ابنك داود قال: يا رب فما عمره ؟ قال: ستون سنة قال:
يا رب زد في عمره قال: لا الا ان تزيده من عمرك قال: وما عمري ؟ قال: الف
سنة قال آدم: فقد وهبت له اربعين سنة من عمري ... فلما حضره الموت وجاءته
الملائكة قال: قد بقي من نعمري اربعون سنة .
قالوا: انك قد وهبتها لداود. هذه الرواية بالاضافة الى ما سبق ايراده من
اخبار آثار صلة الرحم ونظائرها بمدرسة الخلفاء من مصاديق (يمحواللّه ما
يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). وقد سمى ائمة اهل البيت (عليه السلام) المحو
والاثبات بالبداء، كما سندرسه ان شاء اللّه تعالى في ما ياتي .
البداء في روايات ائمة اهل البيت
في البحار عن ابي عبد اللّه (الامام الصادق) (عليه السلام) قال: ما بعث
اللّه عز وجل نبيا حتى ياخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبودية، وخلع
الانداد، وان اللّه يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء.
وفي رواية اخرى وصف الامام الصادق (عليه السلام) هذا الامر بالمحو والاثبات
وقال: ما بعث نبيا قط حتى ياخذ عليه ثلاثا: الاقرار للّه بالعبودية وخلع
الانداد، وان اللّه يمحوما يشاء ويثبت مايشاء. وفي رواية ثالثة سمى المحو
والاثبات بالبداء، وقال ما موجزه:ما تنبا نبي قط حتى يقر للّه تعالى ...
بالبداء الحديث.
وعن الامام الرضا (عليه السلام) انه قال: ما بعث نبيا قط الا بتحريم
الخمر،وان يقر له بالبداء. وفي رواية اخرى اخبر الامام الصادق (عليه
السلام) عن زمان المحو والاثبات وقال: اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة
والروح والكتبة الى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في
تلك السنة، فاذا اراد اللّه ان يقدم شيئا اويؤخره اوينقص شيئا امر الملك ان
يمحوما يشاء ثم اثبت الذي اراد.
واخبر الامام الباقر (عليه السلام) عن ذلك وقال ما موجزه: تنزل فيها
الملائكة والكتبة الى سماء الدنيا فيكتبون ما هوكائن في امر السنة وما يصيب
العبد فيها . قال: وامر موقوف للّه تعالى (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده
ام الكتاب). وفي حديث آخر له قال: في قول اللّه: (ولن يؤخر اللّه نفسا اذا
جاء اجلها): ان عند اللّه كتبا موقوتة يقدم منها ما يشاء ويؤخر، فاذا كان
ليلة القدر انزل اللّه فيها كل شي ء يكون الى ليلة مثلها، وذلك قول: (لن
يؤخر اللّه نفسا اذا جاء اجلها) اذا انزل، وكتبه كتاب السماوات وهوالذي لا
يؤخره.
وروى المجلسي في هذا الباب خبر هبة آدم (عليه السلام) اربعين سنة من عمره
لداود (عليه السلام) الذي اوردناه آنفا في روايات مدرسة الخلفاء. هذا
هوالبداء في اخبار اهل البيت (عليهم السلام).
واما البداء بمعنى ان اللّه جد له راي في الامر لم يكن يعلمه معاذ اللّه
فقد قال ائمة اهل البيت (عليهم السلام) فيه ما رواه المجلسي عن الامال
الصادق (عليه السلام) انه قال: من زعم ان اللّه عز وجل يبدوله في شي ء لم
يعلمه امس فابراوا منه.
اثر الاعتقاد بالبداء
لواعتقد الانسان ان من الناس من يكتب في السعداء فلن تتبدل حاله ولن يكتب
في الاشقياء، ومنهم من كتب في الاشقياء فلن تتبدل حاله ولن يكتب في
السعداء، وجف القلم بما جرى لكل انسان، عندئذ لا يتوب العاصي من معصيته، بل
يستمر في ما هوعليه، لاعتقاده بان الشقاء قد كتب عليه ولن تتغير حاله، ومن
الجائز ان يوسوس الشيطان الى العبد المنيب انه من السعداء ولن يكتب في
الاشقياء وتؤدي به الوسوسة الى التساهل في الطاعة والعبادة، وعدم استيعاب
بعض المسلمين معاني الايات والروايات المذكورة في المشيئة، اعتقد بعضهم ان
الانسان مجبور على مايصدر منه، وآخرون على ان الامر كله مفوض للانسان، كما
درسناه في بحث الجبر والتفويض من السلسلة.
|