من التراث                          إعداد الشيخ : أمجد الجنابي

 

 

 

كان يشوي اصبعه

 يُنقل أنّ بنت الأمير - في إحدى المدن الاسلامية- كانت عائدة إلى بيتها في وقت متأخّر من ليلة شاتية، إذ صادفت في طريقها مدرسة دينية، ففكّرت أن تلجأ إليها حتى الصباح، طلباً للأمان، ولم يكن في المدرسة في تلك الليلة إلا طالب علم أعزب ينام في إحدى الغرف وحيداً فريداً. فلما طرقت الباب فوجئ الطالب بشابّة تطلب اللجوء في المبيت عنده حتى الصباح ؛ فأدخلها الطالب حينئذ حجرته على وجل ! ونامت آمنة مطمئنة حتى الصباح، ثمّ غادرت إلى بيت أبيها الأمير. عندما سألها أبوها الأمير عن مكان مبيتها ليلة أمس حكت له القصّة . فشكّ الأمير وأرسل خلف طالب العلم ليستوضح الأمر، فتبيّن له بعد ذلك أنّ هذا الطالب منعه تقواه من أن يتكلّم معها فضلاً عن أن يدنو منها أو غير ذلك!
وعندما أراد الأمير أن يشكر الطالب اكتشف أنّ إحدى أصابعه قد أُحترقت حديثاً، فسأله عن السبب فقال: تعلم أنّي شابّ وأعزب، واتّفق أن نامت في غرفتي ابنتك وهي امرأة شابّة ولم يكن معنا أحد غيرنا، فأخذ الشيطان يوسوس لي، فخفت أن أفشل في مقاومته، فكانت في غرفتي شعلة نفطية ، فبدأتُ أقرّب إصبعي من النار كلّما وسوس لي الشيطان ـ وقديماً قيل: والجرح يُسكنه الذي هو آلم ـ فصرتُ أسكّن ألم الشهوة بألم الاحتراق، وبقيت هكذا إلى الصباح حتى نجّاني الله من الوقوع في فخّ الشيطان وما توسوس به النفس الأمّارة بالسوء.
وعندما سمعت الفتاة ذلك قالت : هو كذلك ، لأنّي كنت أشمّ رائحة شواء، ولم أكن أعلم أنّ هذا المسكين إنّما كان يشوي إصبعه! وقيل : إنّ الأمير زوّجها إياه بعد ذلك لما رأى من جلَده وتقواه.
وهذا الشابّ هو أحد علمائنا الأعلام الذي عرف فيما بعد بـ (( ميرداماد )) أي صهر الأمير .

إنما هو نداء لي

 توجه المرحوم ملا فتح علي سلطان آبادي ذات يوم إلى بيت أحد العلماء، لغرض طلب مادي ومالي.
فسمع في الطريق امرأة تنشد الشعر وهي على حافة نهر تغسل الملابس وتقول: اطلب بصيرة نافذة وخارقة لأتمكن بها من إزالة الحجب واقتلاعها من جذورها.
فقال في نفسه: إن هذا الشعر ليس لهذه المرأة وإنما هو نداء لي فلماذا أذهب إلى الأسباب ولا أذهب إلى مسبب الأسباب؟!
فعاد من ذلك المكان إلى حجرته،
وقرر أن لا يطلب حاجته من أحد إلا الله. وكان الله تعالى يرسل له الموائد السماوية.

معادلة لمحاسبة النفس

 كان آية الله العظمى المرحوم السيد عبد الأعلى السبزواري (( قدس سره )) يقول في درس الأخلاق : إن أحد كبار العلماء بعد أن بلغ عمره (85) عاماً اختلى بنفسه ليحسب سنوات عمره، وما قد صدر منه من معصية لله تعالى ، وأخيراً خاطب نفسه: لقد مضى على بلوغك (سن التكليف) سبعون سنة ، فلو وزعت على كل يوم من هذه الأعوام معصية واحدة، فتكون مرتكباً خلال هذه المدة (25200) معصية تقريباً، فهل تواجه ربك بهذا العدد الكبير من المعاصي ، ولو أراد الله أن يأخذك إلى النار مقابل كل معصية فيعني بقاءك في النار سبعين عاماً. { إن يوماً عند الله كألف سنة مما تعدون ) مما ينتج أن بقاءك في النار مدة (25200000) خمسة وعشرين مليوناً ومائتي ألف عام - بينما أبداننا لا طاقة لها على حرارة عود الثقاب (الكبريت) لحظة واحدة . فأين المتجرّءون على معصية الله من هذه المعادلة ؟..

إننا شيعة أبيك علي بن أبي طالب (عليه السلام)

 لما جعلت ولاية العهد للامام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) دخل عليه آذنه فقال: إن قوما بالباب يستأذنون عليك، يقولون: نحن من شيعة علي (عليه السلام).
فقال (عليه السلام): أنا مشغول فاصرفهم.فصرفهم.
فلما كان في اليوم الثاني جاؤا وقالوا كذلك، فقال مثلها، فصرفهم إلى أن جاؤه هكذا يقولون ويصرفهم شهرين، ثم أيسوا من الوصول وقالوا للحاجب: قل لمولانا: إنا شيعة أبيك علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف هذه الكرة، نهرب من بلدنا خجلا وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا بشماتة أعدائنا.
فقال على بن موسى [الرضا] (عليهما السلام): ائذن لهم ليدخلوا.
فدخلوا عليه، فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما، فقالوا: يابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب؟ أي باقية تبقي منا بعد هذا؟ فقال الرضا عليه السلام: اقرؤا (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) . ما اقتديت إلا بربي عزوجل فيكم، وبرسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام عتبوا عليكم، فاقتديت بهم. قالوا: لماذا يابن رسول الله؟ قال : لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ويحكم إنما شيعته الحسن والحسين (عليهما السلام) وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ومحمد بن أبي بكر، الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، ولم يرتكبوا شيئا من زواجره.
فأما أنتم إذا قلتم أنكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون، مقصرون في كثير من الفرائض ومتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لا بد من التقية .
لو قلتم أنكم موالوه ومحبوه، والموالون لاوليائه، والمعادون لاعدائه، لم انكره من قولكم، ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها، إن لم تصدقوها قولكم بفعلكم هلكتم إلا أن تتدارككم رحمة من ربكم.
قالوا: يابن رسول الله، فانا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا، بل نقول - كما علمنا مولانا - نحن محبوكم، ومحبوا أوليائكم، ومعادوا أعدائكم.
قال الرضا (عليه السلام): فمرحبا بكم يا إخواني وأهل ودي، ارتفعوا، ارتفعوا فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه، ثم قال لحاجبه: كم مرة حجبتهم؟ قال: ستين مرة.
فقال لحاجبه: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم واقرأهم سلامي فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا وموالاتهم.
وتفقد أمورهم وامور عيالاتهم، فأوسعهم بنفقات ومبرات وصلات ودفع معرات.