رجال من صفحات التاريخ                            إعداد : الشيخ أمجد سالم الجنابي

 

 كان ممن تشد إليه الرحال و تضرب إليه أكباد الابل وممن عندهم مفصل الصواب و فصل الخطاب، و كان في فقه أهل البيت موسوعة جامعة و عالما محيطا وفقيها كبيرا ، فالفقه بجميع أبوابه في يده، و لعله يمتاز بهذه الخصيصة عن غيره. عاش أوائل عمره في ضيق وشدة حتى اذا انتهت إليه الرياسة الدينية وجبيت له الأموال حافظ على منهجه الاول من القناعة والكفاف ، ولم يتغير قيد أنملة عن خطته القويمة القديمة ، اقتصر في ملبسه على اللباس الخشن كما كان يقضي الشتاء كله بلبادة من الخام فكف نفسه عن زخارف الحياة ومباهجها وامتحنه سبحانه في أُخريات عمره بذهاب بصره فلم يجزع وسلّم لأمره تعالى ، وكان حسن الخلق لذيذ المفاكهة نقي الضمير طاهر النفس .

  نسبه ولادته
الشيخ أبو مهدي، محمّد طه بن الشيخ مهدي بن الشيخ محمّد رضا بن الشيخ محمّد بن الحاج نجف علي، وعائلة آل نجف أصلها من مدينة تبريز، هاجر جدّهم الكبير نجف علي إلى مدينة النجف الأشرف واستقرَّ بها، ومنه تكوّنت عائلة آل نجف. ولد (( قدس سره )) عام 1241 هـ، بمدينة النجف الأشرف.

نشأته العلمية

نشأ في ظل والده الشيخ مهدي، وتربّى في بيت من بيوت العلم والتقى، والزعامة الدينية . امه بنت الشيخ حسين نجف الكبير حاز الشرف من الطرفين وشمله الفخر من الابوين ، أسبغ على اسرته سمعة وضاعف شرفها وسمعتها وزادها فخراً فوق فخرها بما حازه من المرجعية العامة في اكثر اقطار الشيعة بعد وفاة الامامين الآيتين الشيخ محمد حسين الكاظمي والسيد المجدد الشيرازي ، وهو من العلماء الجامعين لمراقي الفضل والكمال والحائزين لا كثر العلوم الدينية والأدبية فان له في الفقه والاصول الباع الطويل وفي الحديث والرجال النصيب الوافر وتقرأ على محياه ملامح الزهد والعبادة ولعل اشهر اساتذته ((الشيخ مرتضى الأنصاري. - السيّد حسين بحر العلوم. - السيّد حسين الكوهكمري- خاله الشيخ جواد نجف - الشيخ محسن خنفر)) .

مرجعيته

بعد وفاة الشيخ محمّد حسين الكاظمي والمجدد الشيرازي رجع الناس إليه في التقليد، لا سيما في العراق، وكان مرجعًا بارزًا في مدينة النجف الأشرف .
قال السيد في التكملة : ومما يدل على جلالة قدره عند الله جل جلاله ما حدثني به قدس سره قال: لما فرغت من معالجة رجلي في بغداد اجتمع علي جماعة من أهل بغداد وطلبوا مني الاقامة عندهم لاصلاح أمور دينهم فأجبتهم فلما جن علي الليل سمعت نداء يا محمد طه اخرناك للبلاء ومسكنك النجف فلما اصبحت اعتذرت منهم وتوجهت إلى النجف فأول ما ابتليت به أن مات ولدي الشيخ مهدي ولم يكن لي ولد غيره وكان فاضلا ثم ذهبت عيناي فقلت له والثالثة لم تذكرها ـ فقال وما هي ـ فقلت له ـ الرياسة!! التي انت مبتلي بها اليوم فقال : نعم ونعم ما قلت فاسأل الله الاعانه وحسن العاقبة . وحدّث العلامة المعاصر الشيخ حسن بن العلامة الزاهد الشيخ علي الخاقاني قال: كان المجدد السيد ميرزا حسن الشيرازي كثير الاحتياط في فتواه وكان يوعز إلى مقلديه بالرجوع في الاحتياطات إلى الحاج ميرزا حسين الخليل(ره) وكان معاصراً للعلامة الشيخ محمد طه نجف ولم يأمر بالرجوع إليه فقيل للسيد في ذلك فقال : لا اعرف عنه شيئا ، فسافر المترجم له اتفاقاً إلى سامراء وكان السيد بها فاجتمع عليه أهل العلم وطلبوا منه تدريسهم فاجابهم إلى ذلك فحضر السيد مجلس الدرس بحيث يسمع ولا يراه الشيخ ، وكانوا قد طلبوا منه يدرسهم في مسألة ذكروها وقت الدرس فرقى المنبر واخذ في الدرس فتعجب السيد من القائه واحاطته بالمسألة وخروجه عن عهدتها ، وكان على غير عدة لها ثم طلبوا منه في اليوم الثاني ان يدرسهم في مسألة أخرى فأجابهم إلى ذلك وتكلم فيها كأنها تصب عينيه وكأنه فرغ من مراجعتها لوقته فاطمأن السيد باجتهاده وتفوقه ومن ذلك الحين اوعز السيد بالرجوع في مسائل الاحتياط إليه .
وقد تخرج عليه جملة من اعاظم الفقهاء وفيما يلي بعضهم : ((الشيخ محمّد محسن المعروف بآغا بزرك الطهراني- السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي - الشيخ حسن بن صاحب الجواهر - الشيخ مرتضى كاشف الغطاء - الشيخ هادي كاشف الغطاء ـ السيّد محمّد سعيد الحبوبي - الشيخ محمّد جواد البلاغي - السيّد محسن الأمين - السيّد محمّد الكاشي - السيّد رضا الهندي )) .

صفاته وأخلاقه

عُرف الشيخ (( قده )) بالورع والصلاح والزهد والعبادة وحسن الخُلق والتواضع، وسلامة الذات وطهارة النفس، فعلماء آل نجف كلّهم على هذه الشاكلة، ورثوا ذلك خلفًا عن سلف، وصغيرًا عن كبير. وكان معرضًا عن ملذّات الدنيا، وزخارفها، ومباهجها، وكان مقتصرًا على المأكل الجشب، والملبس الخشن .
كان ذا ذوق أدبي ربما جادت قريحته ببعض المنظوم ، سافر إلى حج بيت الله الحرام سنة 1317 في ضيافة بعض أشراف بغداد على طريق البر، ولما قضى مناسك حجه وزار المدينة المنورة ورجع إلى النجف أنشأ قصيدته الميمية التي ناقض بها البيت المشهور لذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللثام
بقوله :


(تمام الحج أن تقف المطايا)
                                  على أرض بها النبأ العظيم
وصي محمد واخيه منـه
                                     كهـارون يقاس به الكليم
ونفس محمد بصريح قول
                               المهيمن والصراط المستقيم
وباب العلم من طه وهـذا
                                      يفيدك كلَّ مكرمة تروم
وسيف الله في بدر وأحد
                                     وغيرهما وناصره القويم
وناصر احمد في الغار اذ قد
                                    فـداه بنفسه ذاك الكريم
وصَّرح في غداة غديـر خم
                                بمرّ الحق لو اصغى الظلوم
وكسَّر اذ رقى اعلى مقـام
                                معابـدهم فتلك هباً هشيم
وميـزه النبـي بفتح باب
                                      لمسجده وذا رمز وسيم


لقاءه بالامام المهدي عجل الله تعالى فرجه

ينقل عن السيد جعفر بحر العلوم المعاصر للشيخ محمد طه نجف (( رضوان الله عليهما)) ان السيد جعفر بحر العلوم كان في طريقه الى منزل الشيخ نجف مع مجموعة من صحبه فرأوا قريباً من منزل الشيخ رجلاً بالزي العراقي من العقال والكوفية والعباءة وقد ظهرت عليه ملامح هيبة وسكينة ووقار وعزة غير مألوفة وهو يسير بالاتجاه المعاكس لمسيرهم.
ولما دخلوا على الشيخ محمد طه نجف وجدوه في حالة شديدة من الحزن والدموع تسيل من عينيه اللتين كانتا قد اصيبتا بالعمى في تلك الايام التي سبقت وفاته، وكان رحمه الله يتمتم بعبارة: كيف لم انتبه لوجوده
(عليه السلام) الا بعد خروجه.
فتعجب السيد بحر العلوم وصحبه مما رأوا والحوا - بعد السلام- على الشيخ ان يخبرهم بما جرى خاصة وانهم قد رأوا ما هو فيه وسمعوا قوله فلم ينتبه لدخولهم الا بعد السلام لأنه كان قد فقد عينيه ولذلك لم يجد مفراً من الاجابة عن سؤالهم...
قال وهو يكفكف دموعه :
منذ سنوات كانت تؤذيني فكرة تطرق ذهني بأستمرار وهي : هل انا مصيب في كل ما افتيت به الناس وقضيت بينهم؟ هل انا مرضي عند الله ورسوله واولياءه المعصومين
(عليهم السلام)؟
وقبل ثلاث سنوات استشفعت الى الله بمولاي امير المؤمنين
(عليه السلام) في ذلك، فلما اشتد اصراري رأيته ذات ليلة في عالم المنام فقال : ان جواب اسئلتك سيأتيك من ولدي المهدي .
ويتابع هذا الشيخ الزاهد روايته قائلاً : بقيت ارقب الايام انتظاراً‌ لمجي امامي الحبيب روحي فداه ولم احسب ان القاه دون ان اعرف هويته الا بعد خروجه لقد كان هنا قبل مجيئكم وكلمني بلهجة ‌اهل العشائر العراقية وعرض علي اسئلة علمية دقيقة استغربت من احاطة رجل من اهل العشائر بها، لكن غفلتي استمرت حتى بعد ان ضرب على‌ كتفي بيده الرؤوفة وقال لي : انت مرضي عندنا فأستغربت من سماع هذه الكلمة من رجل قروي لمرجع تقليد ولكن فور مغادرته الديوان انتبهت من غفلتي وتذكرت ما كنت قد طلبته بالحاح من الله وعلمت ان مولاي المهدي كان الى جواري دون ان اعرفه الا بعد ان ودعني.

وفاته
توفّي الشيخ محمّد طه نجف ( قدس سره ) في الثالث عشر من شوال 1323 هـ بمدينة النجف الأشرف ، ودفن بجوار مرقد الشيخ حسين نجف في الصحن الحيدري للإمام علي
(عليه السلام) من جهة باب القبلة .