|
قطعة قطعة تلبس المدينة ليلها بعد نهار التهمت
حرارته الشوارع حتى ذاب أسفلتها وانسكب في ذاكرة الأزقة... يوم أخر كسابقه
إلا بمقدار الغليان .. نهارٌ لاهب وليل دامس.. حارات وأزقة تغفوا قيلولتها
تحت ظل شجرة ضاعت أوراقها بعد إن تساقطت واحدة تلو الأخرى.. بقدوم الليل
كان الصمت يدب ًبين أجزاء تلك المدينة، يلملم الناس أمنياتهم المؤجلة لغد
آخر ، مدينة تلفها الأمنيات وأحلام الإغفاءة، وبضع بقع ضوء تبدو من بعيد
تغمز متفرقة هنا وهناك، مدينة اعتادت أن تحتضن سوادها وتنام..!! تلك
الأثناء كان يقف كعادته خلف شباك نافذته يرمق المارة ويتحسس خطواتهم
الثقيلة ، البقال أبو علي، جلال الحداد ، محمد الخياط و ... و .. وهم
اللقمة الحلال و فرصة الرجوع بسلام!! سمع خطى زوجته ، حرك دولاب كرسيه
بحركة من يديه نحو الوراء فوقعت عيناه على صورتهما المعلقة أعلى السرير،
كان زواجا وسنين سبع أنجبت ثلاثة اطفال، عَمل بفرح ونشاط باحثا لهم عن نهار
مشرق لينمو عودهم بسلام،امتهن التصوير وأتقن ممارسته،التقط صورا عديدة
لأبناء مدينته ،امتلأ دكانه بالوجوه والمهن والذكريات ،كان يعلق كامرته على
كتفه ويتجول يلتقط صورا هنا وصورا هناك وجوه اختلفت باختلاف أصحابها
وانفعالاتهم ..غضب،رضا، حزن ، فرح.. وجوه متعددة لحياة واسعة تلف المدينة
التي باتت تغفو لترى كابوسها الذي لازمها لأكثر من ثلاثة عقود حتى استيقظت
ذات صباح طارت فيه الخفافيش بعيدا ومُزِقت كل تلك الخيوط اللزجة بين أروقة
المدينة..!!
أشرقت الشمس لتلتهم ماتبقى من الغيوم السوداء ورويداً رويداً بانت زرقة
السماء ،كان يوما جديدا استوعب كل هموم مدينته أشعل الناس شموعهم وفرقوا
الحلوى ..
اجّل البعض فرحهم باحثا عن الغائبين.. امتدت مهجهم تبحث في الزوايا
والأركان في أماكن لم تكن تصلها أشعة الشمس، أماكن ظلت طويلا تأن برطوبتها
العفنة وتتكسر عند قضبانها الباردة الأمنيات،بحثوا طويلا دون جدوى ،رحل
النزلاء..
حفرت الجرافات قبورهم على عجل وزرعت جثثهم تحت جنح الظلام وعاد الشيطان
ثملا بدمائهم ،اخمد التراب صراخهم وانتهت أحلامهم مع آخر كلمة لفظتها
شفاههم ..
تفسخت تلك الجثث ولم تكن حين حفر الناس قدرهُم غير جماجم مازالت فاغرة
الفكوك ..!! ولم تزل قطع القماش التي أغلقت عيونهم وقيدت معاصمهم تشهد أنهم
اقتيدوا لزفاف جماعي ..!! ـ نادته زوجته وهي تقترب منه.. كان يخشى النظر
إليها والإمعان في عينيها المتوقدتين ببريقهما النابض بالحياة، تذكر
نظراتها إليه وهي تمر بمرح أمام دكانه عائدة من ثانوية الحي .. كان يسمع
كلماتها ويتحسس نبض قلبه الذي ما أنفك يخفق بذهول..!! ذات صباح كلمها عن كل
أمنياته وأرادها أن تكون شريكة له في أحلامه وينجب منها أطفاله، أرادهم
بعدد أصابع اليد الواحدة.. ـ كيف حالك اليوم .. سألته انتبه من ذاكرته طأطأ
نحو الأرض وتمتم ببضع كلمات ..
ـ كانوا شبابا لم يحلموا إلا ببقعة ضوء..!!
ـ ماذا ..؟ سألته باستغراب.
رفع رأسه بصمت ، رمقها من جديد .. ذاب ببريق عينيها وتمنى عناقها، تقبيلها،
أن يبكي طويلا على أكتافها وهو يغرق بليل جدائلها .. لكنه كان يكتفي بالصمت
وذبول عينيه .. كان صوتا هائلا أعقبه هدوء عميق ،لم يستطع الحركة بعدها!! ـ
أخرجناك من بين الأشلاء والركام. تذكر كلماتها عندما فتح عيناه في المشفى!!
ـ أضافت لا عليك سأكون يدك ورجليك!! لم يستطع النهوض ذلك اليوم وحاول تحسس
يديه وقدميه ووجد إن الغطاء الأبيض الذي امتد فوقه لا يمتد طويلاً نحو
نهاية جسمه ، بدأ بالصراخ وحاول النهوض لكن دون جدوى فقد أعادته حقنة من
الطبيب إلى نومة طويلة أخرى.. عاد إليها بعد إن رفع رأسه نحوها وأجاب :أي
حال هذا الذي تسألين عنه ..!!
لم تعد المدينة كما في السابق، ولم تعد تسعد بفرح شبابها،من يعيد لمحطة
المدينة نشاطها وقد التحفت غبارها ونامت قضبانها الصدئة ..رحلوا كما في
السابق دون وداع يحملون بنادقهم ، غضبهم ، خوفهم، حقائبهم، أمنياتهم.. كانت
العربات تسرع على غير عادتها للرحيل..!! فأي حال سأعيش به بقية عمري وقد
كبلت بهذا الكرسي المدولب ..؟ ـ لكن هذا قدرك الآن .. وأنا طالما عرفتك
شجاعاً..!
مرت فترة هدوء اثر كلماتها تلك ..التفت نحو شباكه وهو يقاوم دمعة في طرف
عينيه و بألم قال : الانفجار التهم كل حياتي ، الزملاء ، المقهى ، الدكاكين
هدم كل شيء.. هل استطيع الذهاب إلى المكان وارى الدخان والركام..هل سأسمع
شهقاتهم وصراخهم وقد تقاسمت أجسادهم الغضة شظايا الانفجار، وهل سأسمع رنين
أقداح المقهى وهو يلبي طلبات زبائنه..هل ستعود عربات المحطة لجري من جديد،
تنفض غبارها وتنزع صدأها وتعود بجميع ركابها وهل سيتخلف بعضهم مرة أخرى، هل
ستزهر الأسرة من جديد بفحولة الشباب وينمو فوقها النخيل... ؟!
ضاعت أمنياته واختلطت مع دماء المارة والركام والأشلاء ومياه سيارات
الإطفاء..!! رجع إلى شباكه من جديد وعاد للتحديق بظلام الشارع ،كانت الدموع
تسيل على خديه وحاول مكابرا إخفاء وجهه عن زوجته .. ظل أمام شباكه كعادته
حتى أنهكه التعب والنعاس فاستلقى على سريره ودخل في نوم عميق.. مرَّ وقت
طويل حتى انتبه على صوت زوجته وهي تلاطف صغيرها بحنان ، استجاب الطفل
لوالدته ببضع كلمات متقطعة وحركة خجلة من يديه الصغيرتين..
رفع رأسه من على وسادته واسند يده على السرير دافعا ظهره إلى الوراء بصعوبة
، التفت إليه لمح ابتسامة بريئة على الوجه الصغير، تلك الأثناء كانت الشمس
قد مدت اذرعها الذهبية في كل مكان وامتلأت السماء بصوت العصافير . |