حواريات                                     السيد حسين المرسومي                                 

  بينما أقرأ زيارة امامنا صاحب الزمان عجل الله فرجه يوم الجمعة فاذا بي اتوقف عند هذه الفقرة منها : (السلام عليك أيّها المهذّب الخائف) فاستوقفتني كلمة (الخائف) وسرعان ما خطر في ذهني قوله جل جلاله ((فأوجف في نفسه خيفة موسى)) والسؤال هنا هو أن الخوف مني ومن أمثالي متعارف لكن ما شأن اولياء الله صلوات الله عليهم أجمعين، فكيف يتعقل الخوف منهم وكيف يفسر ذلك عنهم هذا ما وددت السؤال عنه يا أبي.

 الاب: لابد لكي يتضح الجواب من الخوض في مبحث الخوف فهل انت على استعداد لذلك.
علي: باذن الله يا أبي.

حقيقة الخوف

الاب: عرّفوا الخوف بانه (تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال مشكوك الوقوع).
علي: عذراً يا أبي للمقاطعة ولكن القيد الاخير في التعريف (مشكوك الوقوع) لم يتضح لي وجهه.
الاب: كما قلت لك ان الخوف هو تألم القلب لتوقع مكروه في المستقبل مشكوك الحصول فالخوف هو التألم من أمر مستقبلي مشكوك لان التألم ان كان من امر يحصل في المستقبل يقيناً او ظناً فلا يُسمى خوفاً ويسمى (انتظار مكروه) وهذا الاخير ألمهُ اشد من الخوف وكلامنا في مبحث الخوف يشمل عليهما.

اقسام الخوف

علي: وهل الخوف على نحو واحد؟
الاب: الخوف على نوعين، (احدهما) مذموم بجميع اقسامه وهو الذي لم يكن من الله جل جلاله، و(ثانيهما) محمود وهو الذي يكون من الله جل جلاله.
علي: ذكرت ان للنوع الاول اقساماً فما هي؟
الاب: الخوف المذموم اقسام:
(الاول): ان يكون ما يخاف منه امراً ضرورياً لازم الوقوع ولم يكن دفعه في مقدرة الانسان فلا ريب في ان الخوف منه خطأ محض ولا يترتب عليه سوى صد الانسان عن تدبير مصالحه الدينية والدنيوية ولعل من اوضح مصاديق هذا القسم الخوف من الموت.
(الثاني): ان يكون امراً ممكناً لم يجزم به ولم يكن للخائف مدخليه في وقوعه ولا وقوعه ولا ريب في ان التألم لأجله خلاف مقتضى العقل بل اللازم ابقاؤه على امكانه من دون جزم بحصوله ونمثل له بالخوف من الابتلاء بالفقر في المستقبل.
(الثالث): ان يكون امراً ممكناً وفاعله هو هذا الشخص الخائف نفسه وهو ناشيء عن سوء اختيار وعلاج هذا ان لا يرتكب الانسان ما يضره ولا ريب ان ارتكاب مثله خلاف حكم العقل ولا تخفى على الفطن أمثلته.
(الرابع): ان يكون مما تتوحش منه الطباع بلا داع عقلي كالتوحش من الميت والجن والظلمة وامثالها فلاريب في انه ناشيء عن قصور العقل فليحرك مثل هكذا انسان قواه العقلية كي تتغلب على مثل هكذا امور.
علي: جزيت خيراً يا أبي على هذا البيان لاقسام الخوف المذموم ولكن الا تتفق معي يا ابي ان خوف الموت هو اشد اقسام هذا النوع.
الاب: هو كذلك يا بني.
علي: لا اريد ان أُشعب وأُشتت موضوع البحث يا ابي ولكن بمناسبة ذكر الخوف من الموت فهل من سبيل لعلاجه.

علاج خوف الموت


الاب: اعلم يا بني ان ما يبعث الانسان الى الخوف من الموت امور احاول ذكرها مع بيان علاجها.
الاول: تصور الانسان فناء ذاته وصيرورته عدماً بالموت ، ولا ريب في كونه ناشئاً عن محض الجهل اذ الموت ليس الا قطع علاقة النفس عن بدنه والنفس باقية ابداً كما دلت الادلة العقلية القطعية والنصوص الشريفة وتفصيل ذلك موكول الى مباحث الحكمة، ومع الاغماض عن الادلة العملية والنصوص نقول كيف يُجِّوز من له ادنى بصيرة ان يجتمع عظماء نوع الانسان كالانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم اجمعين واساطين الحكمة على محص الكذب وصرف الباطل فمن تأمل أدنى تأمل يتخلص من هذا الخوف.
(الثاني): تصور ان الموت يوجب ألماً جسمانياً عظيماً لا يتحمل مثله ولم يصب في الحياه بشبهه. وهذا ايضاً من الخيالات الفاسدة لان الالم فرع الحياة والالم الجسماني ما دامت الحياة لا يكون اشد مما رآه كل انسان في حياته من الاوجاع، واما بعد زوال الحياة فلا معنى لوجود الالم.
(الثالث): تصور عروض نقصان لاجله، وهذا ايضاً غفلة عن حقيقة الموت والانسان، اذ من علم حقيقتهما يعلم ان الموت متمم الانسانية فبالموت تحصل التمامية لا النقصان فـ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) والكلام في هذا الامر موكول الى محله من مباحث الحكمة .
(الرابع) صعوبة قطع علاقته مع الاولاد والاموال والمناصب والاحباب ، وواضح ان هذا ليس خوفاً من الموت في نفسه بل هو حزن على مفارقة بعض الزخارف الفانية وعلاجه ان يتذكر ان الامور الفانية مما لا يليق بالعاقل ان يرتبط بها قلبه وكيف يتعلق العاقل بامر مع علمه.
(الخامس): تصور سرور الاعداء وشماتتهم بموته، وهذه وسوسة شيطانية اذ مسرّة الاعداء او شماتتهم لا توجبان ضرراً في ايمانه ودينه ولا ألماً في روحه وجسمه.
(السادس): تصور تضييع الاولاد والعيال وهلاك الاعوان والانصار. وهذا ايضاً من الوسواس الخناس لانه ناشيء عن ظنه انه له دخالة في استكمال غيره وعزته وقوته وثروته وهذا ناشيء من جهله بالله جل جلاله وبقضائه وقدره ((أليس الله بكاف عبده)) وكم من فاضل يجتهد في تربية اولاده ولا ينجح سعيه وكم من غني يخلّف اموالاً طائلة لورثته واذا بها تذهب في ليلة وضحاها وترى في الوقت نفسه كثيراً من الايتام لا معين لهم ومع ذلك يبلغون مدارج عالية في الكمال او يحصلون بعد عدم على اموال طائلة فلله في خلقه شؤون ومن وكل الامر الى حوله وقوته حصراً فقد اردى نفسه فبحول الله وقوته نقوم ونقعد فاللائق بالعقلاء ان يفوضوا امور اولادهم وغيرهم الى من خلقهم جل جلاله. انظر الى ما وراه التاريخ عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ليلة شهادته حيث روي (ولما كانت ليلة احدى وعشرين جَمَعَ اولاده واهل بيته وودعهم، ثم قال لهم: الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل)).
(السابع): تصور العذاب البدني والروحي المترتب على ذمائم الاعمال وقبائح الافعال وهذا في حقيقته من النوع الثاني من الخوف الا أن البقاء عليه وعدم السعي فيما يدفعه من ترك الخطايا وكسب الطاعات جهل وبطالة اذ هذا الخوف ناشيء من سوء الاختيار وقد بعث الله انبيائه واوصياءه لاستخلاص الناس منه فعلاجه في ترك المعاصي وتحصيل معالي الاخلاق.
فتحصل لك يا بني من جميع هذا ان الخوف من الموت لا وجه له.
علي: هذا كله يا أبي في النوع الاول من الخوف وهو الخوف المذموم الذي تبين انه على اقسام اشدها خوف الموت ومرجعه لامور تبين لنا انها لا وجه لها، ويبقى الكلام عن النوع الثاني من الخوف وهذا الممدوح منه فهل له اقسام ايضاً.
الاب: أرى يا بني ان المقام بنا قد طال وهو مما قد يوجب الاملال فلذا نؤجل الكلام فيه الى وقت آخر.
علي: كما ترى يا أبي وانا استأذنك في الانصراف.
الاب: تفضل يا ولدي.
علي: السلام عليكم.
الاب: وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته.