|
لازال الكلام في ومضات من حياة الامام الهادي
عليه السلام وقد وعدنا القارئ الكريم ان نستعرض ومضات اخرى من حياته
الشريفة وها نحن نفي بالوعد ان شاء الله.
الوميض الرابع: ملاذ الخائفين
لقد كان يونس النقاش احد الموالين الذين حظي بخدمة الإسلام ، فجاء يوماً يرعد
فقال : يا سيدي أوصيك بأهلي خيراً، قال عليه السلام: وما الخبر؟ قال: عزمت
على الرحيل، قال عليه السلام: ولم يا يونس؟ وهو عليه السلام مبتسم ، قال:
موسى بن بغا وجَّه إليَّ بفص ليس له قيمة أقبلت أنقشه فكسرته بأثنين وموعده
غداً وموسى بن بغا أمّا ألف سوط أو القتل، قال عليه السلام: إمض إلى منزلك
إلى غد فما يكون إلاّ خيراً. فلما كان من الغد وافى بكرة الامام وهو يرعد
فقال : قد جاء الرسول يلتمس الفصَّ قال عليه السلام: إمض إليه فما ترى إلاّ
خيراً، قال: وما أقول له يا سيدي؟ قال عليه السلام وهو يتبسَّم : إمض إليه
واسمع ما يخبرك به، فلن يكون إلاّ خيراً. فمضى وعاد يضحك وقال: قال لي يا
سيدي: الجواري اختصمن فيمكنك أن تجعله فصين حتى نغنيك؟ فقال سيدنا الإمام
عليه السلام: اللـهم لك الحمد إذ جعلتنا ممن يحمدك حقاً ، وتساءل الامام أي
شيء قلت له؟ قال: قلت له: أمهلني حتى أتأمل أمره كيف أعمله؟ فقال عليه
السلام: أصبت.
ان هذه الرواية تُظهر وبشكل واضح طبيعة النظام وطريقة تعامله مع الناس حيث ان
يونس النقاش كان خائفاً ومرعوباً لمجرد انه كسر فصاً وهو لا يرى لهذا الفص
قيمة على حد قوله وهذا الخوف يعكس بوضوح طبيعة السلطة وذوقها حتى نعلم مدى
الخوف والظلم الذي يسود المجتمع فالناس كانت تتوقع عقوبة الاعدام بمجرد
الاتيان بهذا الخطأ البسيط والعمل غير المقصود فلم يتبادر الى ذهن النقاش
ان رجل السلطة هذا سوف يعفو عنه او يسامحه وانه امر طبيعي يمكن ان يتجاوزه
بالاعتذار او التعويض فالاعتقاد بالهلاك والذعر الذي سيطر عليه بحيث ألجأه
في المجيء الى الامام الهادي عليه السلام حيث عبرت الرواية انه يرتعد ويوصي
الامام بأهله وفي الجانب الاخر ترى الجزء المضيء في المجتمع وصمام الامان
ومنبع الرحمة ومصدر الخير متمثلاً بالامام عليه السلام حيث تبسم في وجهه
وهذه الابتسامة كانت تحمل معنى كبير ليدخل السرور على قلبه حيث كان يونس
يعيش حالة الانكسار ثم اخبره الامام عليه السلام انه لن يكون الا خيراً .
وهذا المقطع من الرواية يؤكد فضل الامام عليه السلام وانه ممن تغمده المولى
برعاية خاصة واظهره على علمه وخصه باسراره والا من اين علم عليه السلام ان
الامر يؤل الى خير؟ وفعلاً جاء كما قال عليه السلام حيث اراد هذا الرجل ان
يجعله فصين وكم لهذه القصة نظائر مُلئت بها كتب السير واخترنا هذه الرواية
من باب المثال وضيق المقام وفي نهاية الرواية يكشف الامام عن مقام خاص به
وانه مقام الحامدين وانه وصل الى تمام حمده وفي هذا الكلام اشارة الى بعض
مقاماته عليه السلام التي يعجز العقل عن ادراكها.
الوميض الخامس : المبدأ الغيبي في شخصية الامام
عليه السلام
كان محمد بن الفرج أحد المجاهدين الصابرين الذين كتب إليه الإمــام يحذره من
بلاء وشيك يقول : إن أبا الحسن كتب إليَّ إجمع أمرك ، وخذ حذرك ، قال :
فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد فيما كتب به إليَّ حتى ورد علي
رسول حملني من مصر مقيداً مصفَّداً بالحديد ، وضرب على كل ما أملـــك .
فمكثت في السجن ثماني سنين ثم ورد علي كتاب من أبي الحسن عليه السلام وانا
في الحبس" ولا تنزل في ناحية الجانب الغربي " فقرأت الكتاب فقلت في نفسي :
يكتب إليّ أبو الحسن عليه السلام بهذا وأنا في الحبس إن هذا لعجيب ! فما
مكثت إلاّ أياماً يسيرة حتى أفرج عني ، وحلّت قيودي ، وخلي سبيلي . ولما
رجع إلى العراق لم يقف ببغداد لما أمره أبو الحسن عليه السلام وخرج إلى سر
من رأى.
ان عموم الناس كانت تعاني من الظلم فضلا عن الطبقة الموالية للامام عليه
السلام التي كان الظلم عليها اشد لانهم يحملون مشروع الاصلاح الديني
والاجتماعي ونواة تحمل مبادئ الخير فكان النظام يخشاها ويتعامل معها بقسوة
وهذه طبيعة كل نظام دموي ظالم يسعى الى قهر الشعوب وسلب ارادتها فهو يعلم
انه مبغوض وممقوت فيقتل الحريات والفكر وينشر الرعب بين الناس.
ولان الامام عليه السلام كان مشعلاً للفكر ومنبعاً للهداية واعظم مصلح في
التاريخ كأبائه عليه السلام فكان من الطبيعي ان يكون مراقباً ومضّيقاً عليه
وان الطبقة المؤمنة به تعيش ظروف صعبة وانها مستهدفة من قبل المجرمين
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي
نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }القصص/4 ، فان استضعاف
طائفة معينة وجعل الناس شيعاً وممزقين هذه سياسة الفراعنة والظلمة وهي مبدأ
دائم لهم وبوسعك عزيزي القارئ ان تستعرض كل الانظمة الظالمة فتراها تضطهد
المفكرين والمصلحين وتقتل الحريات وتفرق بين الناس .
وهي عكس منهج الانبياء الذين يسعون الى الالفة والمحبة والتقارب بين الناس
ونشر الفكر وانعاش النفوس بالحريات الحقيقية ونشر الهداية فالرواية تؤكد
بشكل واضح دور الامام في الحفاظ على بعض الشخصيات المؤمنة والموالية وان
كان الحفظ استند الى امر غيبي وهو علم الامام الخاص عليه السلام لكن هذا
يكشف على ان الامام كان يتعايش مع هموم الامة وقضاياها رغم كل الصعوبات
المحيطة به وهنا يتبادر سؤال:
لماذا يتدخل الامام لحفظ بعض الشخصيات دون البعض الاخر؟ ففي الوقت الذي
تدخل فيه لحفظ محمد بن الفرج كان الكثير من الشخصيات الموالية قابعة في
السجون الا يمكن ان يتدخل الامام في حفظ هذه الشخصيات كما حفظ صاحب هذه
الرواية؟
ان الاصل في حركته وحركة ابائه عليه السلام تعتمد على العمل وفق الاسباب
الظاهرية فان النبي خاض الحروب وقد ايده المولى بتأييدات خاصة في بعضها
كبدر اما في أحد فكانت المصلحة تقتضي ان يخوض المسلمين المعركة وفق القانون
الطبيعي.
نعم قد يكون هناك استثناء لهذا القانون العام ويعمل الامام بعلمه الخاص
لمصلحة معينة ولكن طبيعة الحركة بصورة عامة وفق القانون الظاهري حتى يبتلى
المؤمنون ويظهر صدق ايمانهم ولا توجد محاباة بين الامام وبعض الموالين
فالكل يحضون برعايته ومن هنا نستفيد درساً مهماً عندما نؤمن بقيادة وانها
مُنّصبة من قبل المولى تنصيب خاص كالائمة عليهم السلام او تنصيب عام
كالمراجع فلا ينبغي اثارة الاشكالات والتهم والتشكيك بمصداقيتها لمجرد ورود
شبهة في الذهن او تصرف صدر منها نحن لا نفهمه او اتهمامها بالتقصير فان هذا
خلاف الورع والتدين والعقل.
الوميض السادس: الميراث الروائي
ان الائمة باعتبارهم عدل الكتاب والاوصياء من قبل المولى على الشريعة
الخاتمة فقد تصدوا لايضاح الامور الغامضة على الناس وبيانها {ثُمَّ
أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}فاطر/32،
فقاموا بتعليم الناس وفي مختلف المجالات العقائدية والاخلاقية والتفسيرية
كما تصدوا لازالة الشبهات وصيانة الامة من الانحرافات الفكرية والروحية
ولذلك وردت اثار روائية كثيرة عنهم عليه السلام وسوف نتعرض لبعض الاحاديث
الواردة عن الامام الهادي عليه السلام.
الحديث الاول: (يا فتح من اطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق).
في مدرسة اهل البيت نلتقي بالنبع العذب والمعارف الواضحة والنفوس العظيمة
رغم ان الفتح من وزراء المتوكل العباسي الا ان الامام لم يحجب عنه النصح
والرعاية وهذا ليس غريب عليه وعلى ابائه عليهم السلام لانهم الرحمة الالهية
المجسدة على الارض ولعل الامام عليه السلام كان يرى ان سبب معصية اغلب
الوزراء تعود الى الخوف او فوات المنافع الدنيوية البسيطة ولكن من اراد
النفع الحقيقي فلا يبيع الحياة الباقية بالحياة الفانية وان كان خائفا
فاقصى ما يفعله الطغاة هو قتل الناس وهي بشرى للمؤمنين الذين ساروا في خط
العدل والحق ثم ينقلون الى رحمة المولى وجواره فالدنيا باسرها دار بلاء
وامتحان وهذا لون من الوعظ الدقيق والرفيع كان يصك اسماع الطغاة ويذكرهم
بالحقيقة المرة بانهم يعرضون على خالقهم وكما مر في الوميض الثالث من هذا
البحث كيف وعظ الامام المتوكل بتلك الابيات.
الحديث الثاني: (من كان على بينة من ربه هانت مصائب الدنيا ولو قرض
بالمناشير)
وهنا نلتقي بنبع اخر من العلم والتوجيه للامة وهو ان الانسان الذي يعيش
الوضوح في علاقته مع ربه يكون خالي الذهن من الشبهات وهذا الوضوح يقوده الى
اليقين والاطمئنان بما عند الله والمعبر عنه بالرواية (على بينة ) ثم ان
الامام عليه السلام يذكر قاعدة عقائدية مهمة وهي العلاقة بين الوضوح
واليقين من جهة والاثر الاجتماعي المترتب عليها وهو هوان مصائب الدنيا
فالذي عرف ان الدنيا فانية وعرف معنى الربوبية وانه عبد يربيه المولى من
خلال النعم والمحن تهون عليه المصيبة وكما ورد في الاثر الشريف عن سيد
العارفين وامام الشهداء الامام الحسين عليه السلام (هون ما نزل بي انه بعين
الله) فاهل البيت عليهم السلام كانوا النموذج الأعلى لهذه الرؤيا فقد كانوا
يتمتعون بأعلى مراتب الوضوح واقصى درجات التسليم وهو ما اراده الامام عليهم
السلام.
الحديث الثالث: (المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقد الوثيقة ، واقل
ما فيه ان يكون فيه المغالبة والمغالبة من اسباب القطيعة)
وهنا الامام عليه السلام يسلط النظر على مرض نفسي خطير يصيب الكثيرين من
الناس فيؤثر على العلاقات الاجتماعية بينهم وهو المراء اي اللجاج في الجدل
النابع من الرغبة في الغلبة وكسر الاخرين وان كان المجادل على حق لان
الانسان المؤمن لا يعتدي على مشاعر الناس مهما كان السبب فهو يكون في غاية
اللطافة مع من يعاشرهم فهو يحاور الناس حواراً ايجابياً لبنائهم وتعليمهم
فالدين الاسلامي لا يمنع الحديث المثمر بين الناس بل على العكس يحث عليه
ولكنه يمنع من الحديث المرضي الذي لا يكون الهدف منه الوصول الى الحقيقة ،
والامام عليه السلام يذكر مجموعة من الاثار المترتبة على هذه الظاهرة وهي
فساد العلاقات الحميمة وانتشار البغض ويحل العرى الاجتماعية والمتماسكة ثم
يذكر عليه السلام ان اقل ما يترتب عليه هو تعزيز الانحراف في النفس وايجاد
القطيعة بين الاصدقاء ، انظر عزيزي القارئ دقة هذه الاحاديث وكيف كان
الائمةF يتعايشون مع القضايا الخاصة والعامة للامة.
ما عشت اراك الدهر عجبا
بعد المرور السريع على حياة الامام عليه السلام عرفنا بصورة اجمالية القيمة
الروحية والعلمية والدينية التي كان يمثلها وانه جسد كل قيم الاسلام
النبيلة وتكريم لتلك الروح الطاهرة وتذكيراً بالخدمات التي قدمتها فقد شيد
المسلمون له قبراً ليكون مزاراً ومنهلاً عذباً لمحبيه بما يمثله من رمز
لذات حملت هموم الامة وكانت منبع العلم والهداية والعدل والحق والنور وبقي
الناس تتعاهد هذا القبر بالاحترام والتبجيل وبعد مرور السنين الطوال واذا
بنا نتفاجئ ان القبر المشيد في سامراء يهدم من قبل الايادي المجرمة ! فهل
من الوفاء ان يهدم قبر صاحبه قدم هذا العطاء الثري والعظيم للامة ؟! وهل من
الدين ان نهدم معالم الايمان والهداية ؟!
ان العقل عاجز كيف يصف هؤلاء المجرمين وانهم الى اي درجة تسافلوا حتى
اقدموا على هذا العمل الاجرامي .
وهل بهذا العمل تزول اثار الائمة عليهم السلام؟ ان الجاهليةالبغيضة عادت من
جديد ولكنها لم تجد اجسامهم الطاهرة فانتقمت من قبورهم المباركة حقداً منها
عليهم حقد الظلم على النور والهمجية على التحضير ولكن يبقى صاحب هذا القبر
مشعلاً للهداية ما كر الجديدان . اللهم اجعلنا ممن يوفق لخدمة الائمة عليهم
السلام ويسير على خطاهم والحمد لله رب العالمين. |