مقالات                           السيد مرتضى العسكري

 

  تنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرق اعداء الاسلام من الخارج كلمتنا من حيث لانشعر, وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا, وسيطر الاعداء علينا، وقد قال سبحانه وتعالى : (وأطيعوا اللّه ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) وينبغي لنا اليوم وفي كل يوم ان نرجع الى الكتاب والسنة في ما اختلفنا فيه ونوحد كلمتنا حولهما, كما قال تعالى : (فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول) وفي هذه السلسلة من البحوث نرجع الى الكتاب والسنة ونستنبط منهما ماينير لنا السبيل في مسائل الخلاف، فتكون بإذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا.

 ادلة القائلين بتحريم البناء على القبور
اختلف المسلمون في امر البناء على قبور الانبياء والاولياء والطواف حولها واتخاذها مساجد ومحلا للعبادة.
واستدل القائلون بتحريمها بروايات اهمها ماياتي:
ا - عن علي قال: كان رسول اللّه
صلى الله عليه وآله في جنازة ، فقال: ايكم ينطلق الى المدينة فلا يدع بها وثنا الا كسره ، ولا قبرا الا سواه، ولاصورة الا لطخها؟ فقال (رجل): انا يا رسول اللّه، فانطلق فهاب اهل المدينة، فرجع. قال علي: انا انطلق يا رسول اللّه. قال: ((فانطلق)). فانطلق ، ثم رجع ، فقال: يا رسول اللّه ، لم ادع بها وثنا الا كسرته ، ولاقبرا الا سويته ، ولا صورة الا لطختها. وقد تكرر ورود هذا الحديث في كتب الحديث واكتفينا بايراد اتم لفظ منه.
ب - رووا عن النبي
صلى الله عليه وآله انه قال: (( اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن اللّه قوما اتخذوا قبور انبيائهم مساجد)). وفي وراية اخرى ان الرسول صلى الله عليه وآله شخص الذين اتخذوا قبورانبيائهم مساجد وقال قاتل اللّه اليهود، اتخذوا قبور انبيائهم مساجد.
ج - استدلوا بما روي عن النبي
صلى الله عليه وآله في نهي النساء عن زيارة القبور بما جاء في الروايات الاتية: في سنن ابن ماجة والترمذي وابي داود بسندهم عن ابي هريرة وحسان وابن عباس: ان رسول اللّه صلى الله عليه وآله لعن زوارات القبور.

علة الروايات الاولى:

اولا - ان اهل المدينة بعد ان اسلم بعضهم ارسل لهم الرسول
صلى الله عليه وآله بادىء ذي بدء مصعب بن عمير، يعلم من اسلم منهم ما ورد من احكام الاسلام يوم ذاك. ولما وفدوا الى الحج ، حضر المسلمون منهم العقبة وبايعوا رسول اللّه صلى الله عليه وآله سرا، ولم ينتشر الاسلام بينهم، الى ان هاجر الرسول صلى الله عليه وآله اليهم ، وتبعه الامام علي عليه السلام بعد ثلاث اواكثر، وقصة وروده المدينة بعد ذلك مشهورة.
وتدرج الرسول
صلى الله عليه وآله في بسط حكمه على المدينة بعد ان عاهد يهود قريظة وبني النضير وبني قينقاع ، ودخل اهل المدينة كلهم في الاسلام تدريجيا. فمتى كان ارسال النبي صلى الله عليه وآله الامام علي عليه السلام من تشييع جنازة الى المدينة ليهدم الاصنام ويسوي القبور ويلطخ الصور، كالحاكم الذي لا راد لامره ؟ اضف اليه ان محتوى الخبر ان المرسل الاول ذهب ، وهم في تشييع الجنازة ، ورجع خائبا، ثم ارسل النبي صلى الله عليه وآله الامام عليا عليه السلام بعده وهم لا يزالون في تشييع الجنازة ، فكيف يتم ذلك ثانيا - وفي بقية الحديث ان الامام عليا عليه السلام قال لابي الهياج الاسدي: ابعثك فيما بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وآله، امرني ان اسوي كل قبرواط مس كل صنم.
ولا يكون ارسال الامام ابا الهياج الاسدي في امر الا في عصر خلافته ، وعليه يتجه هذا السؤال: متى كان ارسال الامام ابا الهياج الاسدي ؟ افي عصرخلافته وبعد الفتوحات الاسلامية وبعد زمن الخلفاء الثلاثة، ام قبله؟ والى اي بلد بعث الامام علي ابا الهياج لتهديم القبور وطمس الاصنام؟ واخيرا في كلا الخبرين امر من الرسول
صلى الله عليه وآله والامام علي عليه السلام -ان صح الخبران - بتهديم قبور المشركين في بلد الشرك ، فكيف يدل ذلك على انتشار هذا الحكم الى قبور المسلمين ووجوب تهديمها؟

علة الروايات الثانية:
 لم يرد في التوراة وغير التوراة ذكر قبور سائر انبياء بني اسرائيل، ولم يعرف مدافن: لوط، واليسع - يوشع - وايوب ، وعزير - عزرا- وزكريا عليهم السلام، اما عيسى بن مريم عليه السلام فقد رفعه اللّه اليه.
كذلك لم نر ولم نسمع ولم يكتب احد ان اليهود اتخذوا قبور انبيائهم اوثاناً. وان اتخاذ القبر وثنا لا يصدق على احترام القبر وزيارة القبر، فان اتخاذه وثنا يعني ان يستقبل القبر كما تستقبل الكعبة في الصلوات ، فاين هذا من ذاك ؟ ثانيا: معبد اليهود - بني اسرائيل - وبيت عبادتهم: كان بيت عبادة اليهود - بني اسرائيل - يسمى بخيمة الاجتماع وفيها تابوت العهد. وجاء في الاصحاح 25-28 من سفر الخروج كيف امر اللّه نبيه موسى بصنعهما. وجاء في الاصحاح 29 -30 وهم في صحراء سيناء كيف امر اللّه بني اسرائيل بالتعبد في خيمة الاجتماع كما يرى تصويرهما نقلا من قاموس الكتاب المقدس. وكان بنواسرائيل يحملونهما معهم اينما حلوا، حتى بلغوا اراضي فلسطين ، وبدا داود
عليه السلام يتهيأ لبناء معبد لهم على غرار خيمة الاجتماع وبناه بعده سليمان ونقل اليه خيمة الاجتماع وتابوت العهد. وهكذا نجد ان لليهود - بني اسرائيل - كان خيمة للعبادة منذ كانوافي صحراء سيناء، ولما استقروا في فلسطين بنى لهم سليمان معبدا خاصا - هيكل سليمان - نقل اليها خيمة عبادتهم وتابوت العهد. وليس مورد الشك في كل ما ذكرناه ، وما سنذكره بعد هذا، احاديث رسول اللّه صلى الله عليه وآله - معاذ اللّه - وانما البحث يجري حول رواة الاحاديث الذين لم يعصمهم اللّه من الخطا والسهووالنسيان. كان ما ذكرناه ادلة من راى البناء على القبور مخالفا للشريعة الاسلامية وجوابها. وفي ما ياتي ادلة من راى ذلك موافقا للشريعة الاسلامية.
أدلة من راى جواز اتخاذ مقابر الانبياء مساجد واماكن للعبادة
لقد مر بنا في بحث الاحتفال بذكرى الانبياء والصالحين ، كيف ينشرالشؤم والبركة على الزمان والمكان بمناسبة ما جرى على عباد اللّه في كل منهما، وفي هذا البحث نرجع اليه ونضيف عليه في ما ياتي باذنه تعالى ونقول:
اولا: من كتاب اللّه: يستدل من يرى صحة اتخاذ مقابر الانبياء محلا للعبادة بقوله تعالى:
ا - (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى)
ب - بما اخبر عن قصة اصحاب الكهف وقال تعالى: (قال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا) وكان خبر الاول ما مر بنا في بحث (الاحتفال بذكرى الانبياء وعباد اللّه الصالحين) ورواه البخاري في صحيحه وقال ما ملخصه: ان اسماعيل وابراهيم لما كانا يبنيان البيت جعل اسماعيل ياتي بالحجارة وابراهيم يبني ، حتى اذا ارتفع البناء جاء اسماعيل بهذا الحجر له فقام عليه وهويبني واسماعيل يناوله الحجارة ، وذلك هومقام ابراهيم
عليه السلام الذي امرنا اللّه ان نتخذه مصلى ومحلا للعبادة.
وخبر الثاني كما جاء في التفاسير ما موجزه: ان اصحاب الكهف كانوا فتية من خواص دقيانوس ، الملك الذي ادعى الربوبية ، آمنوا بربهم سرا وفروا من ملكهم والتجاوا الى الكهف ، فضرب اللّه على آذانهم والقى عليهم النعاس مئات السنين ،ثم ايقظهم ، ثم دعوا اللّه يعيدهم الى ما كانواعليه ، فاعادهم اللّه نياما مرة ثانية كالاموات فتنازع اهل المدينة في ما يعملون معهم ، فقال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا.
نتيجة البحث
في الاية الاولى امرنا اللّه تعالى ان نتخذ من موطىء قدم ابراهيم
عليه السلام مصلى نعبد اللّه خلفه ، وليس ذلك من الشرك باللّه في شي ء، بل هو توحيد لعبودية اللّه وطاعة له. وفي الاية الثانية اخبرنا اللّه تبارك وتعالى عن المؤمنين الذين قرروا ان يتخذوا من مضجع الفتية المؤمنة مسجدا يسجدون للّه سبحانه فيه ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين ولم يذمهم اللّه تعالى على ذلك.
كان ذلكما الموردان في كتاب اللّه ، وفي سنة الرسول
صلى الله عليه وآله ماياتي باذنه تعالى:
ثانيا: يستدلون من سنة الرسول
صلى الله عليه وآله:
ا - بان رسول اللّه
صلى الله عليه وآله امر بزيارة القبور بعد نهيها، كما جاء في صحيح مسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وموطا مالك عن بريدة عن ابيه ، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها... الحديث.
وفي آخر الحديث عن سنن ابي داود: (( فان في زيارتها تذكرة))، وفي سنن ابن ماجة عن ابن مسعود: (ان رسول اللّه
صلى الله عليه وآله قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تزهد في الدنيا وتذكر في الاخرة
ب - ما جرى للانبياء والمرسلين صلوات اللّه عليهم اجمعين مع قبورهم في مكة والمدينة منذ عهد اسماعيل حتى عهد خاتم الانبياء
صلى الله عليه وآله كما ياتي اخبارها:
1- في مكة كان الطائفون حول الكعبة يطوفون حول حجراسماعيل
عليه السلام ويتمسحون بجداره ، وفيه قبر اسماعيل عليه السلام وامه هاجر، كما اجمع عليه علماء الامة الاسلامية: فقد ورد في سيرة ابن هشام (ت: 218 هـ) وتاريخ الطبري (ت:310هـ) وابن الاثير (ت:630 هـ) وابن كثير (ت:774هـ)، واللفظ لابن هشام: ودفن - اسماعيل - في الحجر مع امه هاجر. وفي لفظ ابن الاثير: واوصى اسماعيل ان يدفن عند قبر امه في الحجر.
وروى ابن سعد في طبقاته والاكتفاء للكلاعي ما موجزه: دفن هاجر واسماعيل وابنه نابت في الحجر.
وروى ابن الجوزي في باب ذكر اعيان المدفونين بالحرم والازرقي في اخبار مكة ما موجزه: كان النبي اذا هلكت امته لحق بمكة فتعبد فيها ومن معه من المؤمنين حتى يموت ومنهم هود وصالح وشعيب. وان بين الركن الى المقام الى زمزم الى الحجر قبور تسعة وتسعين نبيا. وروى ابو بكر الفقيه عن النبي
صلى الله عليه وآله انه قال: ما من نبي هرب من قومه الا هرب الى الكعبة يعبد اللّه فيها حتى يموت وان قبر هود وشعيب وصالح في ما بين زمزم والمقام ، وان في الكعبة قبر ثلاثمائة نبي ، وما بين الركن اليماني الى الركن الاسود قبر سبعين نبيا. كان ذلكم ما جاء في كتب مدرسة الخلفاء، وجاء في كتب الحديث بمدرسة اهل البيت ما ياتي: ورد في الكافي للكليني (ت: 329 هـ) وكتاب من لا يحضره الفقيه وعلل الشرائع للصدوق (ت:381هـ) والوافي للفيض (ت:1089هـ) والبحارللمجلسي (ت: 1111 هـ) واللفظ للاول: فيه - اي في الحجر- قبر هاجر وقبر اسماعيل عليه السلام. وفيها ايضا: وفيه - اي في الحجر - قبور انبياء.
وورد ايضا في الكافي والوافي والبحار: ودفن في الحجر، مما يلي الركن الثالث ، عذارى بنات اسماعيل
عليه السلام.
كانت تلكم اخبار قبور الانبياء والاولياء في مكة ، وفي ما ياتي نورد بعض اخبار قبورهم في غير مكة.
قبر رسول اللّه
صلى الله عليه وآله في المدينة
في طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام ما موجزه: دفن الرسول
صلى الله عليه وآله في بيته الذي قبض فيه وفي نفس الغرفة التي توفي فيها، ثم دفن بعد ذلك كل من الخليفة ابو بكر والخليفة عمرفيها، وثم بني على الغرفة القبة الخضراء .
ثواب زيارة قبر النبي
صلى الله عليه وآله
روى الدارقطني في سننه والطبراني في معجمه والفاكهي في اخبار
مكة بسندهم عن ابن عمر انه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله: (( من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)). وروى الطيالسي بسنده عن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقول:(( من زار قبري - اومن زارني - كنت له شفيعا اوشهيدا...)).
(4) من زار قبر الرسول
صلى الله عليه وآله من اهل البيت والصحابة أ- اول من زار قبر النبي صلى الله عليه وآله ابنته فاطمة عليها السلام ، روى ابن الجوزي بسنده عن علي عليه السلام قال: لما رمس رسول اللّه صلى الله عليه وآله جاءت فاطمة عليها السلام فوقفت على قبره ، فاخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينها وبكت وانشات تقول:
ماذا على من شم تربة احمد
                              ان لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها
                             صبت على الايام عدن لياليا
وفي رواية... صرن لياليا.

ب - زار الصحابي ابو أيوب الانصاريL قبر الرسول
صلى الله عليه وآله ووضع وجهه عليه كالاتي: في مسند احمد ومستدرك الحاكم ومجمع الزوائد واللفظ لاحمد والحاكم بسندهم قالا: اقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فقال: اتدري ما تصنع، فاقبل عليه فاذا هو ابو أيوب ، فقال نعم جئت رسول اللّه صلى الله عليه وآله ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقول: (( لا تبكوا على الدين اذا وليه اهله ولكن ابكوا عليه اذا وليه غير اهله)).
ج - الصحابي بلال: روي ان بلالا اتى قبر النبي
صلى الله عليه وآله وجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه فاقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما.
د - معاذ بن جبل: عن عمر بن الخطاب: انه خرج يوما الى مسجد رسول اللّه
صلى الله عليه وآله، فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله يبكي، فقال: مايبكيك؟ قال: يبكيني شيء سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وآله الحديث.
خلاصة البحوث ونتائجها
استدل القائلون بتحريم البناء على قبور الانبياء والاولياء واتخاذها مساجد ومعابد والطواف حولهما كما روي:
اولا: ان الامام علي
عليه السلام قال لابي الهياج الاسدي: ابعثك في ما بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وآله وانه قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله في جنازة فقال: ((ايكم ينطلق الى المدينة فلا يدع بها وثنا الا كسره ولا قبرا الا سواه ولا صورة الا لطخها))، فانطلق رجل لذلك وهاب اهل المدينة ورجع خائبا، فذهب الامام علي وانجز كل ذلك لست ادري كيف لم ينتبه المستدلون بهذه الرواية بان الرسول صلى الله عليه وآله هل كان في تشييع جنازة بمكة وارسل من ارسله الى المدينة ورجع خائبا منها ثم ارسل بعده ابن عمه علي عليه السلام ففعل كل ذلك ؟ ام كان في المدينة ؟ الرسول صلى الله عليه وآله فسوى كل القبور ولطخ كل الصور وكسر كل الاوثان ؟ وهل كان اصحاب تلك الاوثان مسلمين ؟ اذا فكيف كانوا يحتفظون بالاوثان ؟ بمجرد ذهاب ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله اليهم ولابد ان يكون زمان صدور هذا الحكم لابي الهياج من ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله في عصر خلافته ليصح منه صدور الحكم في شان اهل بلد يحكمه ، اي يكون زمان صدور هذا الحكم بعد زمان حكومة الخلفاء الثلاثة ولست ادري هل كان بقي يومذاك في بلاد المسلمين وثن كي يكسره ابوالهياج ؟ لست ادري ثانيا: استدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: ((لا تتخذوا قبري وثنا كما اتخذ اليهود قبور انبيائهم وثنا)). لست ادري متى اتخذ اليهود قبور انبيائهم وثنا؟ فانهم بعد ان خرجوا من مصر كانت لهم خيمة في التيه للعبادة ، وفي زمن سليمان بنى لهم هيكل سليمان معبدا كما كان شان مسجد الرسول صلى الله عليه وآله.
واما قبور انبيائهم فقد مر بنا ان بعضهم لم يعرف اين دفنوا، وبعضهم كانت قبورهم في اقبية بجوف ارض لم يعرف اماكنها غير افراد معدودين.
وما روي عن رسول اللّه
صلى الله عليه وآله انه لعن زوارات القبور، فيرفعها الروايات الصحيحة المتظافرة انه صلى الله عليه وآله قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها...)). كانت تلكم ادلة القائلين بحرمة البناء على القبور واتخاذها مساجد واماكن للعبادة. واستدل القائلون بجواز اتخاذ مقابر الانبياء والاولياء مساجد واماكن للعبادة: اولا: من كتاب اللّه بقوله تعالى:
ا - (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى)
ب - (وقال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا) .
فقد امر اللّه سبحانه ان نتخذ من موطى ء قدم خليله ابراهيم مصلى، واخبر عن الذين غلبوا على امر اصحاب الكهف انهم اخبروا عن اتخاذ مضاجعهم مسجدا تقريرا لفعلهم ذلك.
ثانيا: يستدلون من سنة الرسول
صلى الله عليه وآله بما جرى لقبور نبي اللّه اسماعيل وامه هاجر وبناته العذارى وسائر الانبياء الذين دفنوا في حجر اسماعيل وبيت اللّه الحرام ، وكان بعضها ظاهرا للعيان الى قرون بعد عصر الرسول صلى الله عليه وآله وطاف حول حجر اسماعيل مدفن اسماعيل وذرية الرسول صلى الله عليه وآله والصحابة وابرار المسلمين الى يومنا الحاضر.
ثالثا: ايضا يستدلون من سنة الرسول
صلى الله عليه وآله بزيارته لقبر امه ، وانه بكى وابكى الصحابة ورمم قبرها.
رابعا: بالغرفة المسقفة التي فيها قبر الرسول
صلى الله عليه وآله وقبر الخليفتين وبناء القبة الخضراء فوقها كما نشاهدها اليوم.
خامسا: بتحريضه المسلمين على زيارة قبره
صلى الله عليه وآله وحثهم عليها.
سادسا: بزيارة بضعته فاطمة الزهراء
عليها السلام قبره وزيارة الصحابي ابي ايوب رضوان الله عليه لقبره صلى الله عليه وآله.
اذن فزيارة قبور الانبياء والاولياء والبناء عليها واتخاذها مساجد واماكن للعبادة مما سنه اللّه تعالى وسنه رسوله الكريم
صلى الله عليه وآله. اذا فقد كان اول القبوريين - حسب تعبير البعض - رسول اللّه صلى الله عليه وآله ثم من بعده بضعته وصحابته ثم نحن ، ولنا جميعا برسول اللّه صلى الله عليه وآله اسوة وقدوة. ولويسمح لنا اليوم لاتبعنا سنة الرسول صلى الله عليه وآله في البكاء على قبورالانبياء والاولياء وترميمها وزيارة قبره صلى الله عليه وآله خاصة، واقتدينا بصحابيه البر ابي ايوبL ووضعنا وجهنا على قبره صلى الله عليه وآله، وببضعته فاطمة عليها السلام وشممنا تراب قبره وقلنا:

ماذا على من شم تربة احمد
                           ان لا يشم مدى الزمان غواليا
ولكن ماذا نقول وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، وانا للّه وانا اليه راجعون.