مقالات                                           د. حيدر نزار السيد سلمان

شكّلت الخطابة الحسينية وهي التي انطلقت بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) على أرض كربلاء الوسيلة الإعلامية الابرز لإظهار الحق وقيم الخير والجمال والملحمة الإنسانية التي سجلها سيّد الشهداء (عليه السلام) لفضح قوى الباطل والبغي والإرتداد عن الإسلام المحمدي الأصيل وقد شهدت هذه الخطابة والمنبر الحسينـي تطورات مهمة على طول تاريخها وهي تتمتع بدعم وإرشاد ورعاية الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الذين ركزوا على إظهار مظلومية ابن بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وكشف مظالم القتلة المتجبرين وكانت دعواتهم المستمرة المؤكدة على ضرورة الديمومة في ذكر مصيبة كربلاء لتكون حاضرة في الوجدان الإسلامي في كل العصور.

 الحقيقة إن هذا الدعم والرعاية والتطور الذي لاح في الخطابة الحسينية قد تجسد بشكلين مهمين.
الأول في مجال الرواية التاريخية وتطور فن الخطابة وتنوّع أساليبها والثاني في تطور الأدوات والوسائل الفنية المرافقة والمكملة لها وهو ما نقصد به عملية الاستفادة من التقدم التقني والعلمي في مجال الأجهزة والمعدات التي باتت من الضرورات المصاحبة للخطيب الحسيني وهذا الحال في تطور مستمر وتأكيد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لشيعتهم بإستذكار إمامهم الشهيد والإحتفاء بذكراه أعطت الخطابة دورها الفاعل والمؤثر سواء في عملية التوحيد والتماسك المجتمعي ونشر الفضائل والقيم والمبادئ السامية أو في نقل وكشف الحقيقة الشيعية المتأصلة بالإسلام المحمدي وما يتعرض له أو تعرض له الشيعة من ظلم وجور على يد الطغاة بشكل مستمر مع عدالة قضيتهم وصلابة عقيدتهم وهذا يشير إلى مدى الأهمية التي يتمتع بها المنبر الحسيني وخطيبه على حد سواء وكان ذلك دافعاً للدعوات العديدة له أو تعرض له الشيعة من ظلم وجور على يد الطغاة بشكل مستمر مع عدالة قضيتهم وصلابة عقيدتهم وهذا يشير إلى مدى الأهمية التي يتمتع بها المنبر الحسيني وخطيبه على حد سواء كان ذلك دافعاً للدعوات العديدة من أجل الإهتمام به وتطويره وترقيته حتى يحافظ على قدرته في التأثير ونقل الحقائق لاسيما بعد التطور الكبير الذي وصل إليه وتحوله إلى ناطق صدق لهموم الناس ومشاكلهم ومعاناتهم ومعبّرٍ عن حالهم وواقعهم السياسي والإجتماعي والمعاشي.
الحقيقة ان ذلك يفرض على الخطيب مهمات اكثر معاصرة وأكبر للمعالجة والتوجيه فالخطيب له تأثير وقدرة على الكشف والتوضيح والجذب الجماهيري نظير إستخدامه المنبر الحسيني وهو يخاطب جمهور الناس ولنا في التأريخ القريب صور وأمثلة عن خطباء كانوا يحركون الجماهير ويؤثرون في سلوكها وهو الأمر الذي. يمكن ملاحظته عند واحد من أشهر خطباء المنبر الحسيني وهو السيد صالح الحلي فقد كان هذا الخطيب البارع الذي عاش في مطلع القرن العشرين موصوفاً بالمقدرة والجاذبية ومتانة الأسلوب وقوة تأثيره ويمكن الإطلاع على تفاصيل وافية عن هذا الخطيب فيما كتبه الكاتب والمؤرخ المعروف جعفر الخليلي بكتابه الموسوعي (هكذا عرفتهم) فنحن أمام خطيب تلقى خطبه ومواعظه استجابة واسعة من الجمهور وهذا ما يقودنا إلى محاولة التأكيد مرة أخرى على الإهمية البالغة للمنبر الحسيني وضرورة العمل لتطويره وهي دعوات تكررت وتعددت من شخصيات دينية واجتماعية وجدت إن من الواجب إحداث نقلات تطويرية لمواكبة العصر والتطورات الحاصلة فيه وهذا يعتمد ليس على ترقية القدرات الخطابية فحسب بل يمتد أيضاً إلى ما دعى إليه السيد مرتضى المطهري في كتابه الرائع (الملحمة الحسينية) من إزالة للشوائب التي أصابت خلال مرحلة التطور التاريخي للخطابة الحسينية وهو ما يمكن وصفه هنا بمحاولات البعض الإبتعاد عن العقلانية والتركيز على العاطفة فقط وكان المفروض المزج بين الإثنين في شرح الملحمة الحسينية وتقديمه للجمهور المتلهّف لسماع قصّة إستشهاد إمامه والعبر الكبيرة في هذه الشهادة.
التطوير والإصلاح
إن دعوات التطوير والإصلاح للمنبر الحسيني قد بدأت تلوح بالأفق في العقود الثلاث الأولى من القرن العشرين وكانت في جانب منها قد أستندت على ما يشهده العالم من تطور وضرورة نقل الخطاب الشيعي عن طريق المنبر الحسيني إلى مديات أوسع وعالم أرحب وذلك يتم من خلال تطوير الخطابة الحسينية وتغذيتها بعناصر علمية جديدة وضخ روح المعاصرة بها لتكون أكثر فعالية وحفاظاً على أثرها أمام التطورات الإعلامية الهائلة وهذا يعني إن على الخطيب أن يستوعب ظروف عصره ويرقّي قابلياته وخطابه وفقاً لذلك ويظهر إن جمعية منتدى النشر التي أسسها المصلح الشيخ محمد رضا المظفّر مع مجموعة من المصلحين عام 1935 وحتى امتدادها كلية الفقه التي تأسست عام 1957 كان واحداً من أهدافها الرئيسة العمل الجاد لتطوير وإصلاح الخطابة وإعداد خطباء قادرين على تحقيق برامج الإصلاح والوصول بالمنبر إلى أعلى مراحل الابداع والتقدم بعد أن اصبح يخوض أي الخطيب في مجالات اخرى تتعلق بهموم إجتماعية وإقتصادية وحياتية بتوازن مع المنافسة القوية للتيارات الفكرية الجديدة التي راحت تؤثر هي الأخرى على الجمهور.
بالفعل فأن هذه الجهود قد تمخضت بظهور واحد من كبار الخطباء الذين عرفهم تاريخ الخطابة الحسينية بأسلوبه الحديث وطريقته المميّزة وعلمه الوافر وحججه القوية وثقافته الواسعة والمقصود هنا الشيخ الدكتور أحمد الوائلي الذي حقق انطلاقة جديدة وغير مسبوقة في الخطابة الحسينية وتميز بجاذبية واضحة وأصبح مجلسه الغفير مكوّن من كل طبقات المجتمع الذي حاز على إعجابه من العامل والفلاح والمثقف والجندي والمهندس والطبيب وغيرهم ولم تنحصر شهرته في بلاده بل امتدت إلى كل أنحاء العالم ولعل الإشارات والقضايا التي يثيرها الدكتور أحمد الوائلي في كتابه (تجاربي مع المنبر) تعطي صور واضحة عن العناصر الجديدة التي أدخلها الوائلي في خطبه وتناوله قضايا وأمور أكثر معاصرة وحداثة سار عليها فيما بعد تلامذته والمتأثرين بخطه الخطابي ولكن هذا لا يعني ان الطريق قد إنتهت في مجال تطوير وإصلاح المنبر.
الإعلام ودور المنبر الحسيني
في هذا العصر الذي نعيش وقد انفتحت ابواب العالم على بعضها واصبح الإعلام وسيلة سريعة لنقل الأفكار والأحداث والصور دون حواجز ورقيب تقف مسألة الخطابة في المقدمة بالجهد الضروري لإظهار صورة الإسلام الحقيقية الناصعة والتي يحاول البعض تشويهها وتلويثها سواء من غير المسلمين أو من بعض المسلمين المتزمتين الذين يقدمون بأفعالهم وسلوكهم وأحاديثهم وخطابهم خدمة لأعداء الدين وصور مشوهة عن إسلامنا العظيم والحقيقة في هذا المنعطف يشكل الإعلام الأصيل ومنه المنبر الحسيني جزءاً مهماً من إصلاح الصورة القائمة السابقة الذكر وذلك من خلال بذل الجهد الكبير في تقديم خطاب عقلاني معتدل بمثل مدرسة آل البيت (عليهم السلام) بنقاءها وعدالتها وسماحتها وإنسانيتها لكل العالم وليس لشيعة آل البيت عليهم السلام فقط وإذا أراد الخطيب أن يبدع ويجهد نفسه في هذا الجانب.
نشر فكر أهل البيت (عليهم السلام)
فما أكثر القبسات التاريخية المعبرة ولعل في سيرة أمامنا العظيم علي بن ابي طالب (عليه السلام) من القبسات والمناقب والصور الإنسانية ما يشد العالم لها بمختلف طوائفه وأديانه وأعراقه فإمامنا كان لكل الإنسانية وهذا ما يمكن التأكيد عليه في الخطاب الموجه إلى الجمهور الحسيني وإبراز ما لم يتم إظهاره من مواقف عظيمة وسلوكيات وحكم وخاصة فما يتعلق بالخير والجمال والعدل والمساواة والروح الإنسانية والتسامح فأن في علي بن أبي طالب (عليه السلام) كل الصفات العظيمة.
إن الملاحظة التي تبدو ظاهرة بشكل لافت هي تركيز العديد من الخطباء على الجانب الملحمي والعاطفي لمأساة كربلاء دون الخوض في التفاصيل والإبعاد الروحية والمعنوية وحتى المستقبلية لهذه الواقعة العظيمة التي هزت الإنسانية فعندما يقول الإمام الحسين (عليه السلام) (لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت طلباً للإصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)) تكون هنا الفلسفة الحسينية والمقصد الحقيقي لإمامنا العظيم وفي هذه الكلمات من البعد المعنوي والمستقبلي وما يدعو إلى التفكير والتحليل فالإصلاح هو المقصد الأوضح لثورة الإمام والإصلاح هنا يترتب عليه التطوير والتحقيق في كل أمور الحياة وليس في مجال واحدٍ منها وهو مفهوم متطور بشكل تاريخي لا يقف عند لحظة زمنية ليصل إلى الإصلاح في عصرنا وهو ما أراده الإمام المعصوم ولا أدري لماذا يبتعد البعض من الخطباء عن المعنى المستقبلي للثورة الحسينية ويقفون عند الحدود التأريخية ليوم عاشوراء والحقيقة المستقاة من حديث الحسين (عليه السلام) إن دعوته للإصلاح لا يمكن حصرها في إطار واحد بل هي شاملة ومتكاملة وهذا يعني التأسيس عليها لإصلاح حالنا الحاضر والدعوة للعلوم والمعارف والتقدم ودعم العدالة والقانون والبحث عن أسس الدولة الكريمة.
الدور المهم للخطيب
وفي هذا المجال يأتي دور الخطيب الفاعل والمؤثر لتوعية الجمهور على أهمية القانون وبناء الدولة الكريمة فالقانون الذي أكده وطبقه الإمام علي بن ابي طالب والأئمة المعصومين (عليهم السلام) هو ما يمكن إيصال فلسفته إلى الجمهور فالوعي بالقانون هو الذي يقوم إلى إحترام القانون الذي يدعو إليه مراجعنا العظام في فتاواهم وأحاديثهم من أجل حياة سعيدة وآمنة ومستقرة.
لا يمكن القول إن دور الخطيب يقف عند سرد مأساة عاشوراء والتذكير بما وقع من ظلم وجور وهتك لحرمات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بل إن الدور يتعدى ذلك إلى ما يمكن الإفادة منه والأخذ به من عبر ودروس عظيمة قدمها الحسين وأهل بيته الكرام يوم عاشواء فنحن في يوم يشكل فاصلة تأريخية أوجدت عالماً جديداً مخضباً بدم بن بنت رسول البشرية محمد (صلى الله عليه وآله) وبالتالي فأن المجال واسعاً والضرورة المعاصرة تدعو الخطيب إلى عدم البقاء في إطار الحدث المأساوي بل الإشراف على قضايا أعمق وأوسع وهو ما أراده الحسين (عليه السلام) وما أراده هو الإصلاح وهنا يعني الخير والقيم العليا فقد قدم الإمام دمائه الزكية وأفراد البيت النبوي قرباناً من أجل ترسيخ هذه المبادئ والقيم.
بلا شك فأن المنبر الحسيني قد أدى دوراً مهماً في عملية التوحد والتكاتف للمجتمع من خلال الحث المستمر على نبذ التفرقة وإيجاد شعور مشترك لدى كل الأفراد بل إنه يمنح شحنات من القوة والنشاط من خلال الرمز الكربلائي وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) ووقوفه الصلب بوجه قوى الردة والتخلف التي مثّلها الأمويون ومن تبعهم والحاجة الحاضرة والمستقبلية أشد لهذا الخطاب التعبوي القادر على نشر المثل الإسلامية بكل تفاصيلها فنبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) وهو يتحدث عن النظافة بتكرار (النظافة من الإيمان) و(تنظفوا فإن الإسلام نظيف) يريد للمسلمين أن يكون أكثر الناس نظافة وإهتماماً بالذوق ومن المفيد للخطيب أن يرسخ هذا المعنى والدعوة المستمرة للإهتمام إلى نظافة الناس في بيوتهم وأماكن عملهم ومدينتهم وحتماً إن هذا الموضوع الذي ربما لا يتحمس له البعض سيؤدي إلى زيادة في الوعي البيئي ويكون مجتمعاً نظيفاً بدل ما نراه الآن من إنعدام الإهتمام بهذا الجانب عند البعض الذين لا تهمهم مثلاً مدينة مقدسة كالنجف الأشرف ان تكون شوارعها نظيفة ناصعة دون رمي الأوساخ والمخلفات في الشوارع العامة والحقيقة إن سوق هذا المثال هو للتدليل على أهمية الخوض في مواضيع بسيطة في شكلها العام لكنها عميقة ومهمة في جوهرها وحتماً إن هذا سيقود إلى خوض الخطيب في مجالات أوسع وأشمل تتعلق بتوعية الناس على حقائق الإسلام وتأكيداته على مواضيع مثل رفض العنف والتعاون ومساعدة المساكين والمحتاجين والرفق بالعجزة والمرضى وتقديم العون والإسعاف الى من يحتاج إليه بحثاً عن الثواب ومرضاة الله تعالى وحباً في عمل الخير.
ولا تأتي مهمة الخطيب عابرة أو سهلة بل عليه التأكيد على هذه الجوانب المجتمعية التي تشكل الأسس الذي قام عليه ديننا العظيم ولا أعتقد إن أصحاب الديانات الأخرى والحضارات المختلفة والذين يتباهون بما عنّدهم من شعور وسلوكيات إنسانية هم أفضل منا مع ما اكده ديننا على هذه المسائل وتركها الكثير وفضل الفوائد المادية عليها من غير سبب إلى ابتعادنا عن القيام بأفعال الخير والثواب.
إيجاد نهضة خطابية
إن الحديث عن دور الخطيب الحسيني لا يعني باية حال من الأحوال تقصيره أو عجزه بل لا يمكن انكار دور الخطيب في تحقيق مثل هذه المطالب ودعواته إليها وما نصبوا إليه إيجاد نهضة خطابية متمكنة من التعامل مع متطلبات العصر وتطوراته المشاركة ويأتي ذلك بتطوير أدواته واساليب والإنطلاق في عوالم رحبة لأن مهمته على طول التأريخ قد شهدت تطوراً مستمراً باعتباره جزءاً من منظومة اصلاحية هدفها الإصلاح. والرقي في كافة المجالات وهو ما أراده الإمام الحسينA بثورته ضد الظلم والجور وكان المنبر الحسيني هو واحداً من المتأثرين بهذه الدعوة العظيمة وأحد وسائل إعلامها للبشرية كافة إذ إن هذه الثورة خالدة باقية موجهة لكل الإنسانية وفي كل الأزمان فعلى الذي يعتلي المنبر الحسيني أن يكون بمستوى هذه الملحمة وأهدافها وطروحاتها الإصلاحية. وعلى هذا الأساس فأن بإمكان المتصدي للعمل الخطابي تهذيب الكثير مما قد لا يحظى بقبول مرجعياتنا الدينية من تصرفات وسلوكيات وأحاديث ليس لها سند تأريخي أو قوة وثوقية ومن الممكن أيضاً لدى الخطيب المتمرن والمدرب والمطلع على التأريخ الإسلامي إيجاد نوع من حالة التجسير والإتصال بين القبسات والأفعال النيرة التي قدمتها مدرسة آل البيتF وبين احداث وقضايا معاصرة وإظهار صورة جذابة للإسلام الأصيل الذي تتم الآن محاولات ومن أطراف عدة لتشويهه والصاق التهم الباطلة به.
إن الخلاصة التي يمكن الوصول إليها حساسية وأهمية المنبر الحسيني وخطورة مكانته لما يمتلكه من قوة تأثير وتغيير في أنماط سلوكية وحياتية أو في ما يمكن طرحه من أراء وأفكار وهنا لا يمكن إغفال ان جمهوراً واسعاً يعتمد في تكوينه الفكري والثقافي على الطروحات المنبرية فيصبح الخطيب الفعال معلمه ومزوده بالآراء والرؤى وعلى ذلك فالدعوات الى تفعيل دور الخطيب الحسيني والمنبر وإصلاحه ونقله إلى المعاصرة هي دعوات تمتد لعقود تأريخية ماضية وليست وليدة الآن وهذه الدعوات هدفها الأساسي التطوير والترقية والحرص كجزء من حب آل بيت النبوةF والاقتداء بسيرهم وآثارهم ومناقبهم فهم لنا كالنجوم الساطعات بهم وبهديهم نصل إلى شاطئ النجاة وغايات الإسلام العظيم.