حواريات                             السيد حسين المرسومي                                 

 

 بعد فهذا كلام حول النهضة الحسينية المباركة وشعائرها نستمد من الباري جل جلاله التوفيق والاعانة والعصمة.
علي: السلام عليك يا ابي.
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
علي: هلّ هلال المحرم يا ابي وعادت كربلاء وعاد حديث الطف وعاد هذا الموسم الحسيني وعاد السواد وعادت الأحزان.
الأب: نسأل الله جل جلاله يا بني ان يتقبل اعمال العاملين في هذه المواسم الشريفة وان يؤيدهم ويثبتهم.
علي: من دعائك الشريف يا ابي يأتي السؤال الأول لمجلسنا هذا الذي أتمنى أن يتسع صدرك لي لكثرة ما في ذهني من الأسئلة حول هذه المراسم الحسينية.
جذور حزن المؤمنين لهذه الفاجعة
الأب: تفضل يا بني على الرحب والسعة.
علي: هل لحزن الشيعة لهذه المناسبة اساس.
الأب: إعلم يا بني ان حزن المؤمنين لهذا الأمر ليس امراً اعتباطياً جرهم إليه التعصب ولا هو من العادات المحضة التي توارثوها عن اسلافهم وانما هو عمل له جذور دينية أصيلة منذ استفاض عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه أخبر عن ظلامة أهل بيته (عليهم السلام) ولا سيما عن مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) حيث ذكر مصابه وأكثر من البكاء عليه وكذلك حال امير المؤمنين (عليه السلام)  بل بكت الأنبياء على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام على الإمام الحسين في اعماق التاريخ وبكته بعد مقتله الأرض والسماء دماً وقد روي عن الإمام زين العابدين انه قال (إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك) وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)  انه قال (كان جدي اذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه) وفي حديث عملية المنشد قال (ما ذكر الحسين بن علي عند أبي عبد الله جعفر بن محمد فما رؤي ابو عبد الله في ذلك اليوم مبتسما إلى الليل) وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)  ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب) وروي عنه (عليه السلام)  إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي فإنه فيه مأجور) وفي دعائه (عليه السلام)  لزوار الحسين (عليه السلام) . فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس .. وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا...) وفي حديث الريان بن شبيب عن الإمام الرضا (عليه السلام)  (يابن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى في الجنان فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا ... وفي المأثور عنهم (عليهم السلام) شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).
تحريف الظالمين
علي: إذا كان الأمر كما ذكرته يا والدي فلم هذا الإنكار والتشنيع علينا لمصيبة حزن لها الأنبياء والأوصياء والأرض والسماء.
الأب: ان الظالمين حاولوا اخفاء الشرعية على تلك الجرائم والظلامات واختلاق الأعذار لها والمبررات تحريفاً للحقائق حتى قالوا ان الحسين قتل بسيف جده
(صلى الله عليه وآله) بل بلغ الأمر بهم انهم اتخذوا يوم عاشوراء عيداً وهذا ما تراه في كثير من بلاد الإسلام وحزن المؤمنين يا بني واحياؤهم لهذه المراسم الحسينية يتنافى مع مخططات الظالمين الشيطانية ويفضحها فلذا ترى دأب الظالمين التشنيع والتهوين.
الحذر من كيد الأعداء
علي: فإذن علينا يا أبي ان نعظم هذه الشعائر بكل ما أوتينا من قوة؟
الأب: نعم يا بني الأمر كما ذكرت ولكن على المؤمنين الحذر من كيد الأعداء والمفسدين اللذين يستغلون الناس ويقومون بأعمال تخريبية يذهب ضحيتها الأبرياء فعلى المؤمنين ان لا يكون انشغالهم بهذه النشاطات الشريفة بنحو يجعلهم غافلين عما يراد بهم فينفذ المفسدون بينهم ويقضوا مآربهم الإجرامية بل يكونوا على مزيد من الحذر واليقظة مع التوكل على الله جل جلاله والتوسل إليه ببركة اهل البيت صلوات الله عليهم في ان يسددهم.
المحافظة على الطابع الديني
علي : لا أكتمك يا والدي انه قد يحصل لبعض الأخوة في تلك الشعائر بعض التقصير كتأخير الصلوات عن وقتها؟
الأب: على المؤمنين المحافظة في تلك النشاطات على طابعها الديني والروحاني وذلك بالحفاظ على حدود الله جل جلاله وإقامة الفرائض عند حلول أوقاتها وحسن الخلق وحفظ اللسان وصف اللهجة وغير ذلك ما يناسب قدسيتها وانتسابها لأهل البيت
(عليهم السلام) فلما كان الهدف من احياء هذا الشعائر هو الإشداد لأهل البيت صلوات الله عليهم وأداء حقهم ومواساتهم في احزانهم وافراحهم فاللازم التركيز على هذا الهدف النبيل وعدم الغفلة منه.
إرشادات للمبلغين
الأب: عليك وعلى اخوتك ايدكم الله جل جلاله الالتفات إلى امور اختر اولاً تثقيف المؤمنين بأمور دينهم وتعريفهم بخصوصيات الأحكام الشرعية وتفاصيلها لأهمية ذلك في الواقع الديني العملي ويزداد الأمر اهمية في بلدنا العزيز نتيجة الفراغ السائد بسبب عقود الظلم والجور التي مرّة عليه وثانياً التركيز على الجانب العقائدي ولا سيما فيما يتعلق برفعة مقام أهل البيتF عند الله وما ورد في حقهم في الكتاب المجيد والسنة الشريفة فإن لذلك اعظم الأثر في شد الناس بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم إلى أهل البيت صلوات الله عليهم ونحو مبادئهم الرفيعة ونفرتهم من الظلم والظالمين ومن اتباعهم. وثالثاً التركيز على ظلامة أهل البيت
(عليهم السلام) ومصائبهم وعلى بشاعة ما جرى عليهم من الظالمين فلذلك أثر عظيم في شد الناس نحوهم (عليهم السلام) وتنفر الناس عن اعدائهم.
أسباب النهضة الحسينية
علي : يا ابي شيع اعداءنا بان نهضة الإمام الحسين
(عليه السلام)  كانت ذات تخطيط بشري وفق قناعة الإمام الحسين (عليه السلام)  وحساباته المادية إلى أجل الاستيلاء على السلطة الا انه لم يفلح لخطئة في تقييم الأوضاع حتى آل الأمر إلى قتله ونعلم الإجهاز على مشروعه فما تعليقك على هذا الأمر؟
الأب: ان التخطيط لهذه النهضة إلهي وان الله جل جلاله هو الذي عهد للإمام الحسين
(عليه السلام)  وامره بتنفيذ هذا المشروع الرباني الذي سينتهي باستشهاده واستشهاد من معه وجميع ما حدث من مآس وفجائع كل ذلك لمصالح عظمى تناسب حجم التضحية وأهميتها.
علي: وهل عندنا نصوص في ذلك؟
الأب: النصوص عن النبي والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم مستفيضة في ذلك يكتفي منها بحديث العمري عن الإمام الصادق
(عليه السلام) ، أن الله عزوجل انزل على نبيه (صلى الله عليه وآله) كتبا قبل وفاته فقال يا محمد هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك.. فدفعه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)  وأمره أن يفك خاتماً منه ويعمل بماضيه ففك أمير المؤمنين (عليه السلام)  خاتما وعمل بما فيه ثم دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام)  ففك خاتمه وعمل بما فيه ثم دفعه إلى الحسين (عليه السلام)  ففك خاتما فوجد فيه أن اخرج بقوم إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك لله عزوجل ففعل ثم دفعه إلى علي بن الحسين (عليه السلام) ... كما انه يوجد في زوايا التاريخ ما يؤكد علم الإمام الحسين (عليه السلام)  بالفاجعة وتصميمه على التضحية ككتابه (عليه السلام)  من مكة المكرمة إلى من بقي من بني هاشم في المدينة حيث جاء فيه .. أما بعد فان من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام) وبذلك يتجلى عظمة الإمام الحسين (عليه السلام)  فإن المضحّين غالباً إما ان يتشبثوا بآمل السلامة ونجاح المشروع ويدخلوا المعركة حتى إذا فشل مشروعهم ابت كرامتهم التراجع والإستلام فيثبتون حتى النهاية وإمام ان يفاجؤوا بالمعركة من دون تخطيط سابق وتنسد الطرق أمامهم فتمنعهم الحميه عن الإسلام وما حصل مع الإمام (عليه السلام)  غير ذلك فهو دخل في مشروع طويل الأمد يعلم مسبقا بانه ينتهي بمثل هذه التضحيات الجسام والفجائع الفادحة فهو أمر يحتاج إلى قابلية استثنائية فكان الإمام (عليه السلام)  لها لفنائه في ذات الله جل جلاله ولان هدفه الأسمى رضا الله جل جلاله كما أفصح عن ذلك في خطبته حينما أراد الخروج إلى مكة حيث قال فيها .. خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخيّر لي مصرع انا لاقيه كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني اكراشاً جوفا وأجربة سيفا لا محيص من يوم خط بالقلم رضا الله انا اهل البيت نصير على بلائه ويوفينا أجور الصابرين) والملفت للنظر هو انه(عليه السلام)  قد اختار لنهضة الشريفة من اهل بيته وأنصاره من لا يتراجع عنها بعد ان اقتنع بها فلم ينقل عن احد منهم استنكار وهذا امر نادر لا يسهل حصوله لولا العناية الإلهية والتسديد الرباني.
لبس السواد
علي: وأسألك يا ابي عن لبس السواد اليس مكروهاً للمصلي؟
الأب: ذكر بعض الفقهاء المعاصرين دام ظلهم بان الجمع بين كراهة لبس السواد للمصلي وبين استجاب لبسه على الإمام الحسين
(عليه السلام)  ليس عزيزاً بعد لشيوع ارتفاع الأحكام الأولية بالثانوية كارتفاع كراهة لبس السواد اذا صار اوفق بصحة الإنسان مثلاً ومن الظاهر انه من المقطوع به أن لبس السواد يعد من مظاهر الحزن عرفاً كما ان استحباب اظهار الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام)  من الإستحبابات التي دلت عليه النصوص وهذه الجهة تصلح لمزاحمة كراهة لبس سواد هذا مظافاً إلى ما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)  لما قتل الحسن بن علي (عليه السلام)  لبني هاشم السواد فالمسموح عن ظاهر الحديث ان الإمام (عليه السلام)  كان اقرهن على ذلك وهذا نظير استثناء الإمام الحسين (عليه السلام)  في اللطم كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)   على مثله تلطم الخدود، تشق الجيوب.
نصائح عامة
علي: هل من كلمة اخيرة لاخواننا اصحاب المواكب وكل من يخدم في هذه الشعائر.
الأب: اولاً عليهم ان يجّدوا في شكر الله جل جلاله على نعمته هذه عليهم ولا سيما بعد سنين من الحرمان وليكن الشكر عمليا بالإلتزام بأوامر الله جل جلاله واجتناب معاصيه.
وثانياً ان تكون مسيرتهم وسعيهم حسينياً خالصا ومظهراً للتفجع لهذه المصيبة العظيمة والابتعاد عن استغلالها للدنيا.
وثالثاً الإلتزام بخط أهل البيت
(عليهم السلام) في الإلتزام بالحق والإخلاص في العمل وصدق النية والتعاون على البر والتقوى وما فيه مرضاة الله جل جلاله .
ورابعاً عليهم بالتوادد والتعاطف فيما بينهم تبعا لوحدة الهدف وشرف الغاية.
علي: اثقلت عليك كثيراً يا ابي.
الأب: انا بخدمتك يا بني.
علي: اتأذن لي في الإنصراف؟
الأب: أنت مأذون.
علي: السلام عليكم.
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.