مقالات                                                               بقلم: ضياء السهلاوي

الفكر الحسيني ..

                                 مبدأ وعقيدة

 

 ما أفجع مصائب آل محمد وما أكثرها. فكل جراحات الدنيا قد ننساها مع مضي السنين إلا فواجع أهل البيت (عليهم السلام).. إذ لم يكن الزمان كفيلاً أن يمحو أثرها من أذهان البشرية .. وبالخصوص معركة الطف الدامية ، معركة انتصار الدم على السيف ، تلك التي بقت نقطة دم ثائرة في حياة الإنسانية ، ووصمة عار تلاحق الظالمين في كل زمان ومكان. تلك الثورة التي ما زال صدى كلمات قائدها يدوي: إن كان دين محمد لا يستقم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني.. فتذوب أرواحنا ألماً.. وتفيض مآقينا دمعاً، لتلك النكبة التي لم يشهد الدهر أكبر منها في التاريخ.. لم يكن للإمام الحسين (عليه السلام) ـ إلا استخدام صلاحياته في طلب الإصلاح، فكانت الثورة العارمة ، التي اهتزت لصداها عروش الظالمين إلى الأبد ، فسلوك النظام في تلك الفاجعة وانتهاكه حرمة البيت العلوي، أعطى المبرر الواضح والسبب الرئيسي لقيام تلك الثورة، في حين أنها عكست السلوك الشاذ للحكام الأمويين في ذلك العهد. فلولا تلك النهضة لما وصل إلينا مذهب التشيع، وما كان للإسلام أن يستقيم إلا بمجهود المصطفى5.. وحماية الوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) وثورة الحسين سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام).فالقيمة الفعلية لثورة ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) تتمثل في ذلك الاخلاص العميق لاصالة الرساله المحمدية ، وللقيم الاخلاقية وللمثل العليا التي دعت اليها الشريعة الاسلامية، فلم يتخلى (عليه السلام) في احرج لحظات حركته المباركة عن المفاهيم الرسالية العظيمة ، والاخلاق النبيلة فاصبح درسًا للأمة ومنارا يقتدى به هكذا كان ابو الاحرار  (عليه السلام) كالشمس الساطعة بين القدِّيسين، مثله في ذلك مثل الأنبياء والأئمّة والشهداء والصالحين. ان هدف الامام الحسين (عليه السلام) كان بمثابة واجب عظيم من واجبات الدين .. واجبات تحتلُّ مكاناً مهمّاً في البناء العام للنظام الفكري والقيمي والعملي للإسلام فغدت ثورته (عليه السلام) درسا على مر تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد. فعلينا أن نلخّص القضيّة الحسينية بهذه الصورة وهي: أنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت لتأدية واجب عظيم وهو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الخطّ الصحيح ضدّ الانحرافات الخطيرة انذاك. بل هي مصداق عظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكانت نتيجتها الشهادة، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) مستعدّاً لهذه النتيجة. إذا تمعنا حركة الامام الحسين (عليه السلام) وقرأناها قراءة حضارية وتعرفنا على الفصول الحضارية لتبين لنا بيان مجموعة القيم والمثل التي مارسها ابو عبد الله (عليه السلام) على مستوى الرسائل والخطب ثم بلغنا مرحلة اخرى وهي مرحلة عرض حركته (عليه السلام) عرضا حضاريا من حيث الشكل والمضمون فمثلت حركته الجهادية وسلوكه بعدا مستقبليا، مما يوضح القيمة الفعلية للامامة ككل باعتبارها مشروعا مستمرا لقيادة الامة على الخط الرسالي.لقد استلهمنا من فكر الامام (عليه السلام) تعلم الانسان اعادة اكتشاف ذاته، وتطوير مدركاته بكل مايتعلق بمفهوم استمراره الحضاري لتحقيق المثل العليا، مؤكدا بذلك على اهميتة كصانع للتاريخ، وليس كحالة خارجية تتكيء على التاريخ في تحركها من دون ان تتمثل العلاقة بين الفرد والعقيدة من جهة وبينه والقيم العليا من جهة اخرى. إننا لا يمكن أن نلج آفاق العظمة عند الإمام الحسين، إلا بمقدار ما نملك من بعد في القصور، وانكشاف في الرؤية، وسمو في الروح والذات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأطر، كلما كان الانفتاح على آفاق العظمة في حياة الإمام الحسين أكثر وضوحاً، وأبعد عمقاً... فكانت حياته (عليه السلام) زاخرة بالفيض والعطاء، وكانت حياته شعلة فرشت النور في درب الحياة، وشحنة غرست الدفق في قلب الوجود.