مقالات                                          بقلم : الشيخ محمد رضا الدكسن                                  

 في هذا العدد المبارك الذي تطغى عليه صبغة الحزن والأسى واللوعة لما حلّ بالحسين وأهل بيته في هذه الأيام التي أمست عاراً وشناراً في تاريخ الأمويين وعزاً ومناراً في تاريخ المسلمين الأحرار عموماً في هذا العدد سوف اقتطف شيئاً مختصراً من ملامح هذه الواقعة واقفاً عند بعض المواطن المهمة معتمداً في نقلي على مصادر أهل السنة والجماعة ليعرف القاصي والداني هل قضية الإمام الحسين (عليه السلام) هي قضية طائفة بعينها أم قوم دون قوم أو هي قضيةُ كل إنسان حرِّ ينشد الحرية والاستقلال فهذا ((غاندي)) صاحب الكلمة المشهورة ((تعلمت من الحسين كيف أعيش)). وعليه فأن الإمام الحسين (عليه السلام) جذوة منيرة في طريق الأحرار ولابد لكل من يريد التحرر من الاستعباد بكافة أشكاله أن ينهج نهج بطل كربلاء (عليه السلام)..

 مدخل
سوف أذكر في هذا المجال جملة من الروايات القائلة باستشهاد الحسين
(عليه السلام) في أرض كربلاء: جاء في الاصابة:عن انس بن الحارث (الحرث) بن نبيه: قال البخاري في تاريخه، والبغوي، وغيرهما: عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن انس بن الحارث (الحرث) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ان ابني هذا ـ يعني الحسين (عليه السلام) ـ يقتل بأرض يقال لها ((كربلا)) فمن شهد ذلك منكم فلينصره. فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها الحسين (عليه السلام). وفي جمع الفوائد ج/ 2 ص 218 عن ابن عباس قال: استأذنني الحسين (عليه السلام) في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي أو بك لشبكت بيدي على (في) رأسك. فقال لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن يستحلّ بي حرم الله ورسوله فذلك الذي سلى بنفسي عنه. ورد في الصواعق المحرقة للشيخ ابن حجر الهيثمي الشافعي المكي عمدة علماء الشافعية وسندهم: انه أخرج ابن سعد والطبراني: عن عائشة رفعته: أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحسين يقتل بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني ان فيها مضجعه. وأخرج أبو داوود والحاكم: عن أم الفضل زوجة العباس كانت مرضعة الحسين بلبن قثم رفعته: أتاني جبرئيل وأخبرني ان أمتي ستقتل ابني هذا (يعني الحسين) وأتاني من تربة حمراء. انتهى وهذا الحديث ورد أيضاً في الصواعق المحرقة: 192 حديث 29. وأخرج أحمد مرفوعاً.. وهذا بعينه ورد في الصواعق المحرقة 192 والمناقب لأحمد 2/770 حديث 1357. دخل عليَّ ملك لم يدخل علي قبل فقال لي: إن ابنك حسينا مقتول وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها فاخرج تربة حمراء .
وأخرج البغوي في معجمه، وأبو حاتم في صحيحه، وأحمد وابن احمد، وعبد ابن حميد وابنه أحمد عن أنس: ان النبي
(صلى الله عليه وآله) قال: استأذن ملك (القطر) ربه أن يزورني فأذن له وكان يوم أم سلمة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا أم سلمة: أحفظي (علينا) الباب لا يدخل أحد، فبينما هي على الباب اذ دخل الحسين (فاقتحم) فوثب على رسول الله فجعل رسول الله: يشمه ويقبله. فقال له الملك: أتحبه؟ قال نعم. قال: إن امتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به. فأراه فجاء بسهلة وتراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. وفي رواية الملاّ وابن أحمد: قال يا أم سلمة فمتى صار دما فأعلمي انه قد قتل: قالت أم سلمة فوضعته في قارورة فرأيته يوم قتل الحسين قد صار دماً وقالت : لما كانت ليلة قتله سمعت قائلاً يقول:
أيها القاتلون جهلاً حسينــــــاً
فابشروا بــالعذاب والتذليل
قد لعنتم على لسان ابن داوود
وموسى وحــــــــامل الإنجيل
فبكيت وفتحت القارورة فإذا به قد صار دماً.
ألقاء الحجة
إلى هنا يمكننا أن نستفيد مما ورد بالجملة ان هناك روايات دلّت على قتل الحسين
(عليه السلام) بأرض يقال لها كربلاء وان الملائكة أخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بدوره (صلى الله عليه وآله) أخبر الأمة فضلاً عن أهل بيته وخاصّته وسار الحسين على بصيرة من أمره وقال ((ما خرجت أشراً ولا بطرا ولا مفسداً انما خرجت للإصلاح في أمة جدي رسول الله لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)) وألقى الحجة على القوم في عدة مناسبات وأماكن وآخرها ان خرج عليهم وهو يتقلد سيف أبيه وعمامة جدّه (السحاب) وسبق ذلك رسل ومكاتبات ومع هذا يضمّنون أدلتهم ومع الأسف انهم قتلوه جهلاً كما قرأت قبل قليل في البيت الشعري المتقدم ((أيها القاتلون جهلاً حسيناً)) كيف قتل جهلاً وهو القائل لهم انسبوني معرفة من أنا فينسبوه باسمه وأبيه وامه وجده وأخيه ومع ذلك يقول: إذن على مَ تقاتلوني قالوا بغضاً لأبيك ولدينا في هذا المقام ما يؤيد ما نقول ويدفع ما يقولون والذي سوف أتطرق إليه في الشق الثاني من الموضوع حيث الكلام عن يزيد بن معاوية وهل هو كافر فيجوز لعنه أو لا وهذه من أمهات الشبهات حيث البعض يبرر ساحة الملوك والولاة فيحيلون اليهم الخطأ والاشتباه ويلتزمون قاعدة الخطأ فتأول وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون وما إلى ذلك من الكلام الذي لا يمتّ إلى ما نحن فيه بصلة لعظم الجرم والجريرة وعمى البصر والبصيرة.
يزيد وقتاله للحسين
(عليه السلام)
أعلم أخي المتتبع ان أهل السنة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده فقالت طائفة: انه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور: انه لما جاءه رأس الحسين
(عليه السلام) جمع أهل الشام وجعل ينكث الرأس الشريف بالخيزران وينشد أبياتاً (ليت أشياخي) المعروفة وزاد فيها بيتين مشتملين على صريح الكفر واليك ما يقول: إن صاحب الصواعق ذكر أول الأبيات ولم يذكر بواقيها، فإني قد وجدت تمامها، وبيتين مشتملتين على صريح كفره: والأبيات هذه:
ليت أشيــــاخي ببدر شهدوا
وقع الخزرج من وقع الأسل
لأهلــوا واستهلوا فرحـــــــــا
ثم قالوا يــــــــــا يزيد لا تشل
قد قتلنا القوم من ســاداتهم
وعدلنـــــــــــــاه ببدر فاعتدل
لست من خندق إن لم أنتقم
من بني أحمد مـا كان فعل
وقال ابن الجوزي فيما حكاه عنه سبطه: ليس العجب من قتال ابن زياد للحسين
(عليه السلام) وانما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب ثنايا الحسين (عليه السلام) وحمله آل الرسول (صلى الله عليه وآله) سبايا على أقتاب الجمال وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه .. عزيزي المتتبع يمكنك مراجعة الصواعق المحرقة 220. ثم قال : وما كان مقصوده إلا الفضيحة .. ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس الشريف المبارك.. وأحسن إلى آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وقال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل: أمير المؤمنين يزيد فقال عمر تقول أمير المؤمنين وأمر به فضربه عشرين سوطاً. ولإسرافه في المعاصي خلعه أهل المدينة: فقد أخرج الواقدي من طرق : إنّ عبد الله بن حنظلة، هو غسيل الملائكة وفي نقل ابن غسيل الملائكة قال: والله ما خرجنا عن يزيد حتى خفنا ان نرمى بالحجارة من السماء، وخفنا أن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. وقال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد على الناس وخرج أهل المدينة ولم يبارك الله في عمره وأشار بقوله ما فعل إلى ما وقع من سنة ثلاث وستين (63) فإن بلغه ان أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل عليهم جيشاً عظيماً وأمرهم بقتالهم فجاءوا إليهم وكانت وقعة الحرّة على باب طيبة. وبعد اتفاقهم على فسقه اختلفوا في جواز لعنه.
الاختلاف في جواز لعنه
أجاز قوم لعنه بخصوص اسمه منهم ابن الجوزي ونقله عن أحمد وغيره فإنّ أبن الجوزي قال في كتابه المسمى بـ (الرد على المتعصّب العنيد المانع من لعن يزيد) سألني سائل عن يزيد بن معاوية فقلت له: يكفيه ما به فقال أيجوز لعنه؟!. قلت: قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل فإنه ذكر في حق يزيد (عليه اللعنة) ما يزيد على اللعنة ثم روى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى (الفراء) انه روى في كتابه المعتمد في الأصول باسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي ان قوماً يسبوننا لتولي يزيد!. فقال: يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ولم لا يلعن من لعنه الله في كتابه فقلت في أي آية؟. قال: في قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم ان تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) فهل يكون فساد أعظم من القتل انتهى.
بل أقول أعظم فساداً من قتل سيد الشهداء وصحبه وأتباعه أيها المؤمنون أكرر عظيم عزائي إلى مقام صاحب الأمر والزمان ومراجعنا العظام والأمة الاسلامية بهذا المصاب الجلل ونسأله تعالى أن يكتبنا من أنصار الحسين
(عليه السلام) يوم نوّفق للتمهيد لدولته وسلوك محجته حيث نصرة ولده القائم المنتظر (عليه السلام). اللهم إنا نبرء إليك وإلى رسولك مما قام به يزيد وزبانيته من أفعال شنيعة يشيب لها رأس الرضيع واللعنة الدائمة عليه وعلى من تولاه ومن مشى على طريقه إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.