مقالات                                                      بقلم : الشيخ أحمد الكرعاوي                 

 من البديهيات التاريخية والإجتماعية ان تهتم كل أمة بتـأريخ عظمائها ورموزها والحوادث الـعظيمة التي مرت بها ، هذا ما دأبت عليه المجتمعات البشرية فنـراهم مثلا يحتفلون بأشخاص كان لهم دور في انقاذ مجتمعاتهم سياسيا واجتماعيا أو مخترع يفتخرون به لأنه قدم للبشرية انجازا علميا .
أو يحتفلون بالاعياد القومية وإنها تمثل لهم رمزا وطنيا وتذكرهم بأيام مهمة في تاريخ الامة كالتحرر من الاعداء او ذكرى لثورة معينة وغيرها. وإعادة ذكراهم من باب العرفان بالجميل لهذه الشخصيات، وعرفان الجميل من الامور الفطرية التي اوجدها المولى في النفوس البشرية وهذه المقدمة في الحقيقة تصلح للاجابة على سؤال يطرحه البعض علينا بإستمرار وهو :

 لماذا احياء واقعة عاشوراء ؟
وقد تقدمت الاشارة ان القضية ترتبط بسنن تأريخية واجتماعية دأبت عليها المجتمعات المختلفة بغض النظر عن انتماءها الديني والقومي وهذه السنة ترجع في حقيقتها إلى الفطرة البشرية وهي عرفان الجميل لمن أسدى الخدمات لشعبه .
ويمكن تأكيد تأييد هذا المعنى من خلال الكتاب العزيز حيث ورد في القرآن إلى ما يشير لهذا المعنى في قوله تعالى :(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ) فإن الآية واضحة الدلالة ان هدف الانبياء اخراج الناس من الظلمات بمختلف انواعها كالهوى والجهل والتعصب إلى نور الحق والعبودية ثم تأمر الآية النبي 5بأمر آخر وهو التذكير بأيام الله .
ما المراد من أيام الله؟
من المعلوم ان الايام المذكورة ليس المراد منها الزمان بمعنى الليل والنهار فهذا لا يحتاج إلى تذكير لأن الأيام متجددة وهم يعيشون فيها ولا يكون للآية معنى وإضافة الأيام إلى الله ليس المقصود منه الملكية بمعنى انه مالك الايام لأنه أيضا من الأمور البديهية ولكن المقصود من اليوم هو الحدث المنسوب إلى الله وهذا الحدث حسب ما نفهم هو ظهور الحق على الباطل كإنقاذ مجتمع بني اسرائيل من سطوة فرعون وطغيانه فعدّه المولى من أيامه وكذلك نزول الكتب السماوية وصبر المؤمنين عند الشدائد والمعارك في سبيل الله كلها من أيام الله وطلب من ذلك المجتمع الذي يقوده موسى (عليه السلام) أن يتذكر تلك الأيام وتلك قاعدة عامة غير مختصة ببني اسرائيل ولذلك نحن نقول عاشوراء من ايام الله.
ما المراد من التذكر ؟
إن المراد من التذكر هو استيحاء القيم النبيلة لتلك الاحداث ومعرفة سنن التاريخ والارتباط به الذي تمثل تلك الاحداث جزء من تاريخ تلك الجماعة في حركتها وتحديد معالم هويتها الاجتماعية وهذا يعد مهم في قراءة الاحداث الماضية .
ونحن تأسيا بهذه الآية المباركة وتماشيا مع الفطرة السليمة واستجابة للنداء الأخلاقي في عرفان الجميل لمن قدم دمه وكل ما يملك في سبيل الله ورعاية للبشرية في أعظم ثورة لقمع المستكبرين وهداية الناس نحاول أن نكتب شيئا عن رمز الثائرين وسيد الأباة الإمام الحسين (عليه السلام) .
إن الإمام الحسين (عليه السلام) يتمتع بمميزات خاصة نطق بها التخليد وجاءت بها السنة المطهرة من انه من أصحاب الكساء ومن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وسورة الدهر نزلت بمآثرهم وفضائلهم إلى غيرها ، وكذلك هو عدل الكتاب في حديث الثقلين وسيد شباب أهل الجنة وهو الإمام المفترض الطاعة إن قام وإن قعد وغيرها من الروايات كثير.فهو من أعظم رموز الأمة الإسلامية ولذا نحن نهتم بتأريخه كإمام معصوم وكمصلح غيّر وجه التاريخ كما بينّاه في صدر هذه المقالة. عزيزي القارئ نحاول في هذه المقالة أن نبيّن حقيقة هذه الثورة المباركة دوافعها وأهدافها من خلال النصوص التأريخية لأن المألوف لدى الناس أن طبيعة هذه الثورة هو الرفض فقط أي ( لا ) للطغاة وهذا أمر لا شك فيه ولكن هو الواقع اقتصرت إلى هذا البعد أم انضمت أهداف اخرى نحاول هنا أن نستنطق الأهداف والدوافع من خلال النصوص التأريخية .
الحركة الحسينية في مقام الرفض
بعد أن هلك طاغية الشام معاوية وأراد يزيد ان يتقلد منصب الخلافة أرسل إلى والي المدينة الوليد أن يأخذ له البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام) وبالفعل أمتثل الوالي للأمر وأرسل في طلب الحسين (عليه السلام) يطلب منه البيعة فأجابه الإمام (عليه السلام) (إنا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة بنا فتح الله و بنا ختم و يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة و مثلي لا يبايع مثله) وهذا النص التأريخي واضح فبعد أن وصف الإمام الحسين (عليه السلام) يزيد بهذه الصفات فقال (مثلي لا يبايع مثله) لأن طبيعة الحق تتنافى مع الباطل والبادرة الأخيرة في عصر الإمام الحسين (عليه السلام) أنهم حاولوا نقل الخلافة من حالة الشورى المزعومة إلى حالة الوراثة وتأسيس عهد جديد لحصر الخلافة في بني أمية ، فالخطورة في هذا العهد تكمن من جهة سلب الحق عن أهله كما حصل في صدر الدعوة الإسلامية عندما أسسوا مبدأ الشورى وهم يحاولون إضافة مبدأ منحرف آخر إلى الأمة إضافة إلى الشورى وهو مبدأ الوراثة وحصر الخلافة في بني أمية . ويمكن أن نستوحي العامل والمحرك الأول في الثورة الحسينية وهو رفض البيعة وفي الحقيقة هو رفض لخط الطاغوت ومبدأ الوراثة الجديد .
الحركة الحسينية في مقام الإعلام
فبعد البيعة ولعلم النظام لطبيعة هذا النظام الإجرامي وأنه يسعى إلى قتله في المدينة سعى الإمام عليه السلام لتوفير المناخ المناسب لحركته الإصلاحية فتحرك من المدينة إلى مكة وسبب أختياره لمكة على ما نظن لأنها المكان الذي يؤمه المسلمون للحج فيلتقي فيه الإمام بأكبر عدد من الناس وبدأ بإرشادهم وتوعيتهم ودعوتهم إلى أن يقوموا بدورهم في عملية الإصلاح .
وفي هذه الفترة من عمر الحركة الحسينية جاءته كتب أهل العراق بالبيعة له على الطاعة في ما أراد وينقل المؤرخون أن عدد الكتب بلغ أثنا عشر ألفا ، وهذا يدل أن اصداء الحركة الحسينية انتشر في ارجاء العالم الاسلامي ونجحت النهضة الحسينية في مقام الاعلام والتعبير عن نفسها وبث روح الأمل داخل الامة الخاملة المثقلة بالهموم وهي تعيش اقصى درجات الضياع بل وصل بها الأمر أنها عطلت فكرها وكادت الاحداث أن تلغي وجودها فأرسل الإمام (عليه السلام) مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأتيه بخبرهم ومدى صدقهم وبالفعل وصل إلى الكوفة وكاتب الإمام بأن أهل الكوفة مستعدين للطاعة والبيعة وبعد ارساله الكتاب غدروا به .
عزيزي القارئ لا يمكن عد الإعلام جزء من حقيقة الثورة الحسينية وانما هو عامل مساعد لتحققها .
الحركة الحسينية واستجابتها لأهل العراق
بعد الصدى الواسع الذي حققته الحركة الحسينية في العالم الاسلامي كان من الطبيعي ان تتحرك الحكومة المظلمة لإجهاض الثورة في مراحلها المبكرة فسعت إلى قتل الحسين (عليه السلام) في مكة حيث ورد على لسانه في حديث له لابن عباس : ( هيهات هيهات يا ابن عباس ان القوم لن يتركوني وانهم يطلبونني اين كنت حتى ابايعهم كرها ويقتلوني ، والله انهم ليعتدون علي كما اعتدت اليهود في يوم السبت... لان اقتل والله بمكان كذا احب الي من ان استحل بمكة ) لكنه (عليه السلام) كان يعلم بتحركاتهم وما يهدفون اليه فترك مكة متوجها إلى العراق بعد أن القى خطابه التاريخي فيها وحدد طبيعة تحركه وشروط أنصاره وأصبح من الواضح لدينا لماذا أختار الإمام العراق والكوفة بالذات دون غيرها من المناطق لأنها أول من استجاب لدعوته فلا يرى لنفسه العذر عند الله حسب ما يروي عن نفسه (عليه السلام) حيث يقول: ( وهذه كتب اهل الكوفة ورسلهم وقد وجب علي اجابتهم وقام لهم العذر علي عند الله سبحانه) .
ويمكن القول ان الاستجابة لأهل العراق بمعنى القاء الحجة عليهم يمثل دافع ثاني من الدوافع التي تضمنتها الحركة الحسينية وهذا المعنى واضح وجلي من النصوص التأريخية وللدافع الأول (الرفض) ولهذا الدافع (اتمام الحجة أثر جغرافي على الحركة الحسينية فالأول هو الذي دعا الإمام للخروج من المدينة إلى مكة والثاني هو الذي (عليه السلام) للخروج من مكة إلى العراق .
الحركة الحسينية في مقام الإصلاح
في وصيته لاخيه ابن الحنفية التي اعلن فيها عن اسباب خروجه على يزيد ، فقال (عليه السلام) " اني لم اخرج أشرا ، ولا بطرا ، ولا ظالما ، ولا مفسدا ، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر " في هذا النص التاريخي يوضح الإمام (عليه السلام) ان تحركه من أجل الاصلاح بمختلف مستوياته ويمكن عدّه الدافع الثالث للنهضة الحسينية ، وسيأتي الحديث عنها ، وقبل الدخول في معنى الإصلاح لا بأس أن نذكر طبيعة المجتمع وما عملت به الأنظمة الجائرة آنذاك .
ان النظام الآموي ولكي يثبت نظامه أستهدف المؤمنين وكل من يراه خطرا عليه وخصوصا شيعة أمير المؤمنين حيث كتب إلى عماله. من وجدتموه من شيعة علي أقتلوه وأمنعوا عنه العطاء ولذلك لاحقوا الأحرار والمؤمنين وقتلوهم على الظن والتهمة وملئوا السجون منهم
وكذلك قاموا بسلب الحرية وتكميم الأفواه ومحاربة أي نشاط علمي وعدم السماح بنشر الأحاديث التي ترتبط بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) أو التي لها تأثير على حكمهم وشكلوا لجان لوضع الأحاديث الكاذبة مما أسسوا إلى عهد جديد في تحريف السنة وشراء الذمم فكثر وعاظ السلاطين وانتشر الفقر في الأمة وبثوا روح الخوف والخنوع وكل هذه المصائب جرت على الامة وهي ساكتة حتى كاد هذا النظام الظالم أن يقضي على جميع معالمها الإسلامية وهويتها الدينية .
فالامة انخفضت في ثقافتها ورؤاها أصبحت غير واضحة بسبب كثرة الاحاديث الكاذبة وتحريف السنة بدأ يسرب الشك في نفسها ومزاج هذه الامة منحرف عن جادة الحق وهي تعيش الفوضى وانتشار الرذيلة والخوف فقد كانت امة مهزوزة نفسيا ملوثة أخلاقيا وأمة بهذا الوضع من الطبيعي أنها لا تستطيع أن تأخذ موقفا يعبر عن انتمائها الصادق للإسلام فقد كانت الأمة مشلولة الإرادة مسلوبة الموقف تملى عليها المواقف من قبل تلك الحكومات الظالمة .
إذن الأمة تعيش حالة احتضار وموت تدريجي وهنا أطلق سيد الأباة صرخته المدوية في الإصلاح ولا يسعنا الدخول في تفاصيل العملية الإصلاحية لضيق المقام ولكن نشير إليها بشيء إجمالي .
1. الإصلاح الثقافي:
وهو توعية الأمة على الخطر الكبير المحيط بها وان النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى لو رأيتم بني أمية على المنابر فابقروا بطونهم لأنهم الشر المحيط بالدين فبدأ بتوعية الناس في مكة والمدينة وأعاد إلى ذاكرة الأمة الأحاديث المروية بحق أهل البيت (عليهم السلام) وأنهم القيادة الصالحة والمباركة والمنصبة من قبل الله وقد تقدم هذا المعنى في حديث الإمام الحسين (عليه السلام) مع الوليد في المدينة .
2. الإصلاح السياسي:
إن الأمة في ذلك الوقت كانت في منعطف خطير إما أن تؤسس منهج جديد في الإنحراف وتقبل به وهو مبدأ الخلافة في الوراثة لأن المبدأ المذكور كان يعني الوصول للحكم وبغض النظر عن مواصفات الحاكم من الورع والتدين فهو أسوأ من مبدأ الشورى ، فسعى الإمام (عليه السلام) إلى إحياء مبدأ النص الذي ورثته الأمة من نبيها في بيعة الغدير وكانت نهضة الحسين (عليه السلام) بعد ذلك في أحياء ذلك البعد ، وكانت أغلب الثورات تدعوا إلى الرضا من آل محمد .
3. الإصلاح الروحي والأخلاقي:
ونعني إعادة القيم الإسلامية النبيلة إلى الأمة بعدما كادت أن تضمحل فقد ورد عنه (عليه السلام) : (الا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان واستحلوا حرام الله واستأثروا بالفيء) فأراد احياء القيم المهجورة في التوبة والاستغفار وعدم الاعتداء على حقوق الناس والابتعاد عن الدنيا بما تمثله من رغبات تبعد الإنسان عن الهدف الحقيقي له وهو مرضاة الله عز وجل.
4. الإصلاح النفسي
ان الامة في عهده (عليه السلام) كانت تعيش الخوف والانهزام حتى استطاع الطغاة سلب ارادة هذه الامة وبدل أن تأخذ موقفا صحيحا أخذت موقفا مضادا لقيمها واقدمت على ابشع جريمة وهي قتل العترة الطاهرة في العاشر من محرم ، حيث يقول (عليه السلام):( تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ! أحين استصرختمونا والهين ، فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم ، فأصبحتم ألبا لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم.. فسحقا لكم يا عبيد الأمة ! وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرفي الكلم ، وعصبة الأثم ونفثة الشيطان ، ومطفئي السنن ، ويحكم ! أهؤلاء تعضدون ، وعنا تتخاذلون أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت عليه أصولكم ، تأزرت فروعكم ، فكنتم أخبث ثمر ، شجى للناظر وأكلة للغاصب !).
وهذا النص التأريخي يعطي صورة واضحة عن طبيعة الأمة في زمنه (عليه السلام) وكيف كان مستواها الروحي والأخلاقي حيث يعبر عنهم بسحقا لكم يا عبيد الأمة أي أنهم وصلوا إلى مرحلة العبودية والذل وأنهم محرفي الكلم ومطفيء السنن إلى غيرها من الصفات التي وردت على لسان سيد الشهداء (عليه السلام) ، فأراد بنهضته أحياء تلك الأرادة وبث الشجاعة والهمة في النفوس وهذا البعد في الحركة الإصلاحية لسيد الشهداء ظاهر وثمراته كانت قريبة جدا فبعد سنين قليلة ظهرت حركة التوابين ثم بعد ذلك توالت الحركات الثائرة ضد الانظمة الاجرامية فحول الأمة بعد نهضته من أمة خاملة إلى أمة متحركة ومن وجود ضعيف إلى وجود قوي أرق مضاجع الظلمة حتى تحول اسم الحسين (عليه السلام) شبح يخيفهم على مدى التاريخ .
ان الدماء الزكية التي أريقت في يوم عاشوراء كانت مفتاح لتأسيس منهج اصلاحي لكل الأجيال تطرقنا إلى بعض موارده فنحن بحاجة ماسة في كل عصر وزمان أن نقرأ عاشوراء من جديد حتى تكون المحرك لنا في حياتنا المستقبلية .
عزيزي القارئ هذا ما استنطقناه من بعض النصوص التاريخية لمعرفة حقيقة ودوافع الثورة الحسينية ، وتوجد نصوص أخرى لم يسعنا المقام ان نتطرق إليها لعلنا نوفق إليها في الأعداد القادمة أن شاء الله تعالى . ونقدم هذا الجهد المتواضع بكل اعتذار وخشوع إلى ولي الله الأعظم وبحر جوده الاكرم راجين منه التفضل علينا بالقبول ونعتذر إلى سيد الشهداء من قصور باعنا في إدراك عظمة ذلك الحدث المقدس ولكن هذا مقدار علمنا ونطلب من الله الزيادة . اللهم اجعلنا من خدمة الحسين عليه السلام وأنصاره ومُنّ علينا بالرحمة والمغفرة انك سميع الدعاء والحمد لله رب العالمين .