|
مقالات |
|
محنة الحسين عليه السلام بقلم : حيدر حسن الأسدي |
| أهل البيت (عليهم السلام) اهل المحن والابتلاء من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى القائم المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ولمّا كانت عاشوراء مدرسة الابتلاءات والمحن كان لزاماً علينا ان نتعرف لشيء من محن الحسين (عليه السلام) |
|
يصف الواصفون لثورة الحسين (عليه السلام) من بدء تحركه في المدينة المنورة إلى يوم عاشوراء بأن أشد ليالي حياة الحسين (عليه السلام) هي ليلة استشهاده في كربلاء، تلك الليلة التي حوصر فيها هو وذووه في بقعة جرداء، وضاقت عليه الأض بما رحبت، ومنع من شرب الماء المباح وعيناه تنظر الفرات فلم تهجع حتى الصباح، هادئاً قوياً في الله ثابتاً في الشدائد، وفي هذه الليلة منح اهل بيته واصحابه رخصة المفارقة، فقال : (إني لا اعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من اصحابي ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من اهل بيتي ... وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ... وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم فان القوم إنما يطلبوني ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري)، لكنهم رفضوا تلك الرخصة... فضلوا الموت مع سيّد الشهداء (عليه السلام) يقول السيّد هبة الدين الشهرستاني : ولا يبعد ان يكون اشد ليالي الحسين (عليه السلام) ليلة مرجعه من مجلس الوالي في المدينة وحيرته في سيرته مع القوم الظالمين، إذ كان الحسين (عليه السلام) ليلة مقتله على بصيرة من امره، وإن ليس بينه وبين الجنة سوى سويعات لكنما الحسين (عليه السلام) في ليلة هجرته من مدينة جده كان في جهاد فكري وألم عقلي يفكر في متابعته ليزيد كونها ضرباً من المحال، ثم يفكر في بقائه في حرم جده، لكن ذلك استسلام لمروان فيما يفعل به...). لهذا قصد الحسين (عليهم السلام) قبر جده وقال : (اللهم ان هذا قبر نبيك محمد وانا ابن بنت محمد وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ... انا اسألك ياذا الجلال والإكرام بحق هذا القبر ومن فيه ما اخترت من امري هذا ما هولك رضى). فأستجاب الله تعالى دعاءه وأراه النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام وهو يخبره بالشهادة، فعلم ان الله تعالى اختار له الخروج من المدينة، فدعى اهل بيته واصحابه للخروج وكتب إلى بني هاشم: (بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن ابي طالب إلى بني هاشم، اما بعد، فان من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح). خرج الحسين (عليه السلام) من حرم جده (صلى الله عليه وآله) يتلو قوله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب (القصص21)، نعم خائفاً يترقب يناجي ربه لينجيه من فراعنة مصر ونماردة عصره، ذكراه رحمة ربه، ومبدؤه خوف ربه، وغايته بيت ربه، سار في الطريق الأعظم الذي تسلكه القوافل، فقيل له : (لو تنكب الطريق كما فعل بن الزبير لئلا يلحقك الطلب) فقال (عليه السلام): (لا والله ولا أفارق الطريق الأقوم حتى يقضي الله ما هو قاض) وصل مكة وهو يتلو قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل) (القصص22)، وأقام الحسين في مكة أربعة اشهر تقريباً، وكان ابرز الوجوه فيها: عبد الله بن عباس، عبد الله بن الزبير عبد الله بن عمر وقد اقبلوا جميعاً لزيارته ورؤيته (عليه السلام) في أوقات مختلفة ومع وجود هذه الشخصيات ونواب كل واحد منهم، كثرت آرائهم ومشورتهم عليه، فأشار عبد الله بن الزبير بالذهاب إلى الكوفة، ولا تخلو هذه المشورة بأمكان خلو مكة من الحسين (عليه السلام)). ليصفو الجو في الحجاز لعبد الله بن الزبير، أما عبد الله بن عمر فأشار عليه بالدخول في صلح مع يزيد، فأبى الحسين (عليه السلام) ذلك بشدة وقال (عليه السلام): (أف لهذا الكلام ابداً ما دامت السموات والأرض...) واما عبد الله بن عباس (رض) وكان شيخاً كبيراً في السن، فأظهر حزنه وبكائه وأظهر استعداده لنصرة الحسين (عليه السلام) ومن جملة ما قاله: (الله الذي لا إله الا هو لو ضربت بين يديك بسيفي هذا حتى انخلع صميماً من كفي لما كنت ممن او في من حقك عشر العشر وها انا بين يديك مرني بأمرك، فأثنى عليه الإمام الحسين (عليه السلام) فمن للحوادث ادوار تتعاقب كالليل النهار، التأريخ يعيد نفسه باختلاف الأطوار فما أشبه حجرة الحسين (عليه السلام) بأهله من المدينة إلى مكة خوفاً من آل أبي سفيان بهجرة جده محمد (صلى الله عليه وآله) بأهله إلى المدينة من مكة خوفاً من أبي سفيان وحزبه، وبين اليومين نحو ستين عاماً، كذلك مجد أمية وابي سفيان انقرض في فتح مكة على يد محمد الهاشمي (صلى الله عليه وآله) وانقرضت ثانية دولة آل ابي سفيان بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ببضع سنين، يقول عباس محمود العقاد: (خروج الحسين من مكة إلى العراق حركة لا يسهل الحكم عليها بمقياس الحوادث اليومية، لأنها حركة من اندر حركات التأريخ... هي حركة لا يأتي بها إلا رجال خلقوا لأمثالها، فلا تخطر لغيرهم على بال... هي حركة فذة يقدم عليها رجال افذاذ... هي ليست ضربة مغامر من مغامري السياسة، ولا صفقة مساوم من مساومي التجارة، ولا وسيلة متوسل ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه ... هي حركة لا تقاس اذاً بمقياس المغامرات ولا الصفقات، ولكنها تقاس بمقياس الذي لا يتكرر ولا يستعاد على الطلب من كل رجل او في كل أوان). ففهم هذه الحركة وموقف الحسين (عليه السلام) منها هو نتيجة للواجب الذي يحتمه الشرع، وأن كان يسبب له المحنة تلو المحنة، وتظهر حتمية الثورة لان يزيد كان رجلاً فاجراً شارباً للخمور لا يرجى له صلاح ولا ينتظر منه إصلاح، ما كان اختياره لولاية العهد إلا مساومة مكشوفة قبض كل مساهم فيها ثمن، واعجب شي ان يطلب من الحسين (عليه السلام) البيعة ليزيد الفاجر، وقد أدرك المستشرق الألماني (مارييني) بعد ان نظر إلى ثورة الحسين (عليه السلام) نظرة فاحصة، فقد اعتبرها بتدبير من الإمام الحسين (عليه السلام) توخاه منذ اللحظة الأولى وعلم موعد النصر فيه، فحركة خروجه على يزيد إنما كانت عزمته قلب كبير عزّ عليه الإذعان وعزّ عليه النصر العاجل، فخرج بأهله، وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الأجل بعد موته ويحيى به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حيازة...) فبنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) فسدت جميع تدابير معاوية وولده يزيد، وأصبح الجمهور الأعظم من المسلمين الذي استسلم لخلافة معاوية بعد عام الجماعة، أصبح بعد مقتل الحسين (عليه السلام) في صف المعارضين لحكم الأمويين يعبر عن معارضة لحكمهم الظالم بالسيف حيناً ولانكار باللسان والقلب حيناً آخر... ومنتهى القول ان نهضة الإمام (عليه السلام) كانت تخطيطاً إلهياً حكماً في منتهى الدقة، لأنه لو أخذ برأي الناصحين له بالجلوس في بيته والاستسلام لأعطى لحكومة يزيد صفة شرعية، ولو خرج إلى اليمن او بلداً آخر ويطلب الأنصار والاتباع لطالت العرب بينه وبين الأمويين وإتهم بإثارة الفتنة وشق العصا وضاعت عدالة قضيته. السلام على الشيب الخضيب السلام على الخد التريب السلام على البدن السليب، السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. |
|
الفكر الحسيني مبدأ وعقيدة ضياء السهلاوي |
|
سيبقى أبو الشهداء عليه السلام مناراً لجميع الثائرين من أجل الحق والحرية والعدالة ما أفجع مصائب آل محمد وما أكثرها. فكل جراحات الدنيا قد ننساها مع مضي السنين إلا فواجع أهل البيت (عليهم السلام) .. إذ لم يكن الزمان كفيلاً أن يمحو أثرها من أذهان البشرية .. وبالخصوص معركة الطف الدامية ، معركة انتصار الدم على السيف ، تلك التي بقت نقطة دم ثائرة في حياة الإنسانية ، ووصمة عار تلاحق الظالمين في كل زمان ومكان. تلك الثورة التي ما زال صدى كلمات قائدها يدوي: إن كان دين محمد لا يستقم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني.. فتذوب أرواحنا ألماً.. وتفيض مآقينا دمعاً، لتلك النكبة التي لم يشهد الدهر أكبر منها في التاريخ.. لم يكن للإمام الحسين (عليه السلام) إلا استخدام صلاحياته في طلب الإصلاح، فكانت الثورة العارمة ، التي اهتزت لصداها عروش الظالمين إلى الأبد ، فسلوك النظام في تلك الفاجعة وانتهاكه حرمة البيت العلوي، أعطى المبرر الواضح والسبب الرئيسي لقيام تلك الثورة، في حين أنها عكست السلوك الشاذ للحكام الأمويين في ذلك العهد. فلولا تلك النهضة لما وصل إلينا مذهب التشيع، وما كان للإسلام أن يستقيم إلا بمجهود المصطفى (صلى الله عليه وآله).. وحماية الوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) وثورة الحسين سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام).فالقيمة الفعلية لثورة ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) تتمثل في ذلك الاخلاص العميق لاصالة الرساله المحمدية ، وللقيم الاخلاقية وللمثل العليا التي دعت اليها الشريعة الاسلامية، فلم يتخلى (عليه السلام) في احرج لحظات حركته المباركة عن المفاهيم الرسالية العظيمة ، والاخلاق النبيلة فاصبح درسًا للأمة ومنارا يقتدى به هكذا كان ابو الاحرار (عليه السلام) كالشمس الساطعة بين القدِّيسين، مثله في ذلك مثل الأنبياء والأئمّة والشهداء والصالحين. ان هدف الامام الحسين (عليه السلام) كان بمثابة واجب عظيم من واجبات الدين .. واجبات تحتلُّ مكاناً مهمّاً في البناء العام للنظام الفكري والقيمي والعملي للإسلام فغدت ثورته (عليه السلام) درسا على مر تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد. فعلينا أن نلخّص القضيّة الحسينية بهذه الصورة وهي: أنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت لتأدية واجب عظيم وهو إعادة الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الخطّ الصحيح ضدّ الانحرافات الخطيرة انذاك. بل هي مصداق عظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكانت نتيجتها الشهادة، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) مستعدّاً لهذه النتيجة. إذا تمعنا حركة الامام الحسين (عليه السلام) وقرأناها قراءة حضارية وتعرفنا على الفصول الحضارية لتبين لنا بيان مجموعة القيم والمثل التي مارسها ابو عبد الله (عليه السلام) على مستوى الرسائل والخطب ثم بلغنا مرحلة اخرى وهي مرحلة عرض حركته (عليه السلام) عرضا حضاريا من حيث الشكل والمضمون فمثلت حركته الجهادية وسلوكه بعدا مستقبليا، مما يوضح القيمة الفعلية للامامة ككل باعتبارها مشروعا مستمرا لقيادة الامة على الخط الرسالي.لقد استلهمنا من فكر الامام (عليه السلام) تعلم الانسان اعادة اكتشاف ذاته، وتطوير مدركاته بكل مايتعلق بمفهوم استمراره الحضاري لتحقيق المثل العليا، مؤكدا بذلك على اهميتة كصانع للتاريخ، وليس كحالة خارجية تتكيء على التاريخ في تحركها من دون ان تتمثل العلاقة بين الفرد والعقيدة من جهة وبينه والقيم العليا من جهة اخرى. إننا لا يمكن أن نلج آفاق العظمة عند الإمام الحسين، إلا بمقدار ما نملك من بعد في القصور، وانكشاف في الرؤية، وسمو في الروح والذات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأطر، كلما كان الانفتاح على آفاق العظمة في حياة الإمام الحسين أكثر وضوحاً، وأبعد عمقاً... فكانت حياته (عليه السلام) زاخرة بالفيض والعطاء، وكانت حياته شعلة فرشت النور في درب الحياة، وشحنة غرست الدفق في قلب الوجود. |