مقالات                                             بقلم : الشيخ عبد الرزاق فرج الله الأسدي

 

 يا أبا عبد الله : حري بالأمة أن تفخر بذكرياتها وأحداث تأريخها، وتنهل المجد والعطاء من تلك الذكريات التي ترتبط بمصيرها ومستقبلها وبأصالة تأريخها , وسمو مبادئها، وذلك متى اجتمعت في تلكم الذكريات شروط وعناصر الإستفادة، وهي:
1ـ ضخامة الذكرى , وعظمة تأريخها , وعمق أحداثها.
2ـ عظمة بطل الذكرى ورائدها الذي يصنع تأريخها ويمنحها ذلك العمق، ويهبها حلة زاهية من المجد والسؤدد والعز.
3 ـ تفاعلها وتناغمها مع مشاعر وأحاسيس روادها وعشاقها، الذين يحبونها ويروون ويرعون تأريخها.
فلقد توجت هذه الذكريات بذكرى عاشوراء الشهادة، وهي أعز الذكريات التي تعيشها الأمة، وتحتضنها مشاعرها، فكان حريا بها أن تحول هذه الذكرى إلى ثمار ونتائج، وإلى قرارات ومواقف، تتجاوز الخواطر والكلمات والعبارات، وإلى منجزات وبطولات تتحدى المخاوف وتزدري بالمثبطات.
يا أبا عبد الله : ونحن نستشرف في هذه الأيام، ذكرى الشهادة فيك أيها الشهيد الخالد يا أبا الأحرار، الذي صنعت تأريخ الشهادة ومنحتها الهيبة والعز والجلال، وخلدتها في ضمير الإنسانية، نستوحي عظمة الرسالة، وقداسة الموقف.
فمهما اختلفت الأمة ـ يا سيدي ـ وتشعبت آراؤها وتوجهاتها، ومضت تمجد تأريخا وتلعن تأريخا آخر، وتعترف برمز وتتنكر لرمز آخر من رموز التأريخ، وتصوب موقفا وتخطّيء موقفا آخر من مواقف رجال التأريخ، إلا أنها بكل طوائفها وقومياتها، وأنماط تفكيرها وسلوكها، تلتقي عندك ـ يا سيدي ـ وتجمع على أن صدق كلمتك، وسلامة موقفك، وضخامة عطائك، في مظلوميتك لذلك أننا عندما ننطلق في قراءتنا لأدبيات وشعارات ثورتك التي فجرت بركانها في وجه يزيد عصرك، نستوحي من كل شعار من شعاراتها في نفس الأمة، مضمونا إنسانيا وموقفا وحدويا ضد كل يزيد في كل عصر.
فعندما نقرأ الشعار (يا لثارات الحسين) نستوحي وحدة الموقف، إذ لم يكن هذا الشعار يتحرك تحركا ساذجا على المستوى الشعبي، ليتصور الناس أن جماعة من الشيعة تنادي بهذا الشعار لتأخذ بثأرك يا حسين من قاتلك يزيد بن معاوية.
بل إن هذا الشعار، يعتبر شعارا لكل مظلوم غصب حقه، ولكل مستضعف يريد أن يأخذ بثأره من كل طاغية وظالم مستبد، يستحل حرم الله تعالى وينكث عهده.
وعندما نقرأ في زيارتك أيها الشهيد: (السلام عليك يا صريع الدمعة الساكبة وقرين المصيبة الراتبة)، نستوحي من هذه العبارة: أن مأساتك يا أبا عبد الله، هي مأساة كل الإنسانية، وإنك مع كل دمعة تسكب على حبيب من الأحبة، ومع كل مصيبة نصاب بها بأهلنا وأحبتنا وحقنا على مر التأريخ وامتداد الزمن.
لأنك - يا أبا عبد الله - التأريخ كله، إذ ما برح يرويك التأريخ، وتتناغم معك الأمة، لأنها تعتقد أنك بطل هذا الموقف، وأنك الرجل الرجل، المولود في استشهاده، لأنك ملأت الحياة ثراء وعطاء، وألبستها بهاء، ووهبتها ضياء.
وإنك - يا أبا عبد الله - وإن رحلت عن الدنيا، لكنك لم ترحل ولن ترحل عن الحياة، لأنك ظلها الوارف الأمين، وسورها المحكم المتين، وقولها الصادق المبين، الذي يؤتي أكله كل حين (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)، لأنك لم تخرج لتفنى ويفنى كل شيء معك، بل خرجت لتحيى الرسالة في نفسك وروحك، وفي عرقك ودمك، فكان الدم يغذي الكلمة العليا في نهضتك الخالدة، لتثبت شجرتها، وتعلو باسقة على قمة التأريخ، لامعة على هام الشمس، ثائرة كالبركان تحت عروش الطغاة.
فلقد كنت - يا سيدي - القائد الذي لا تلين قناته، ولا تضعف عزماته، ولا تحجم خطواته، عن المضي في طريق القرار الثابت والموقف الجريء، الذي يتحدى المخاوف ويزدري بالأهوال، من أجل ما يعتقد ويؤمن به، من مباديء رسالية وقيم روحية، فيها عقد الصلة بين الماضي والحاضر.
لأنك - يا سيدي - تستلهم من الماضي تأريخا عظيما بعظمة جدك المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) ، لذا قال فيك: (حسين مني وأنا من حسين).
(حسين مني) أي: أن رسالتك اندمجت في رسالة جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتألق تأريخك في تأريخه، وانطلقت من نفس النقطة التي انطلق منها في حركة الإصلاح والتغيير، حيث أنه قال: (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)، وأنك قلت: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) .
(وأنا من حسين) أي : أن جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد بزغ ميلاد رسالته في دمك، وتألق تأريخه ممتدا في تأريخك، لأن ما استلهمته من هذا التأريخ هو: الصواب والحكمة والجرأة والإيثار والفدائية.
هذه المباديء التي يعضد بعضها بعضا، والتي جسدتها في قراراتك ومواقفك، حري أن تستفيد منها الأمة والشعب والوطن في ميدان الصراع القائم، الذي لم يزل ولا يزال فيه الحق هو الحق، والباطل هو الباطل في تأريخهما، وماضي صراعهما وحاضره.
وفيه الأعداء هم الأعداء، والعتاة هم العتاة المردة، الخارجون على دين الله عزوجل، وعلى كل القيم والحرمات والمقدسات، الذين لم تتغير هويتهم وعقيدتهم ومواقفهم، وإن تغيرت أزياؤهم ومساكنهم وأسلحتهم ومعداتهم ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم، فلم يتغير تعطشهم للدم، وعشقهم للجريمة.
أفلا يجدر ـ يا سيدي ـ أن لا تتغير المواقف تجاههم؟ ألا ينبغي ـ يا سيدي ـ أن يكون عقد الصلة بين ماضي تأريخ الأمة وحاضرها، منسجما في الموقف مع عقيدتك ورسالتك؟.
ليتبين من هو الأوفى لرسالته وقيمه ومقدساته من أمة الإسلام وقادتها، ومن هو المستلهم حكمة التأريخ، وجرأة أبطاله، وإيثار رجاله، وفدائية جنوده، ثم ليتبين من هو المستسلم الخائن والقاعد الرازح تحت مظلة المستعبدين.
وهو من لم يستيقظ ضميره، ولم تتحرك عاطفته لك ولرسالتك، ولم تتحفز فيه الغيرة والشهامة، ولم تتوثب لديه المروءة نجدة وحماسة وإغاثة لأنات الثكالى، وألم المحرومين، وتأوهات الجرحى، ومعاناة المنكوبين.
فمن باحة ذكراك ـ سيدي ـ ومع كل نفس من أنفاس وطننا وشعبنا المظلوم، ومع كل تنهدة من تنهدات أطفاله، وتأوهات شيوخه، ترنيمة في سمع كل حر: ألا يا أيها العرب والمسلمون استيقظوا، وأوقظوا قادتكم.
ليحذوا حذوك ـ يا حسين ـ في روحك الوثابة، لإستلهام حكمة التأريخ، وجرأة الموقف، من أجل استعادة الوطن المغتصب، والحق المستلب، والبسمة المختطفة، من مخالب الحقد الطائفي الأعمى، ليقول التأريخ كلمته الخالدة: المجد والخلود للموقف الجريء والكلمة الصادقة.