تقارير                                             بقلم : ضياء السهلاوي

مسلم بن عقيل والثبات على المبدأ..

ومضات من السيرة الجهادية

(( وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ))

                                                                             الإمام الحسين عليه السلام

 ان الاشادة بذكر عظماء الرجال مما جرى عليه العقلاء شكرا لجميلهم الذي أسدوه الى الأمة وتنشيطا لمن بعدهم وتشويقا لهم على أن ينهضوا بمثل أعمالهم ، وحتى يكون ذلك فاتحة لنشر تعاليمهم ، وتلقي علومهم ، واقتفاء آثارهم في الأخلاق والحكمة والتذكير بمبادئهم الملائمة للإصلاح ، وتوطيد السلام والوئام ، وما فيه راحة النفس وهدوء المجتمع ، وسعادة البشر دنيا وآخرة.
وغير خفيّ أن سفير الحسين مسلم بن عقيل (عليه السلام) من أولئك الرجال الذين يجب أن يخلّد ذكرهم ويقتصّ أثرهم فهو صريخة هاشم ، وعلم من اعلام المجد من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ، وقد استصلحه سيد الشهداء (عليه السلام) للنيابة عنه في الكوفة ثقة منه بعلمه وتقواه وعقله وبسالته وكرمه، فأقبل (عليه السلام) ناشرا لواء العدل ليكتسح الجور ويكبح جماح الضلال بيد أن نزعات الباطل حالت دون ذلك ، فاستشهد دون إكمال رسالته ، ولكنه خلف من بعده هتافا عاليا يسمع الصخر الأصم ، بأن الحق في دعوة سيد الشهداء (عليه السلام)، وأن الباطل في من ناوأه.
فعلى مثل مسلم فليبك الباكون ، وليضجّ الضاجون ، كيف لا وقد بكى عليه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قبل أن يُقتل وعد البكاء عليه من علائم الإيمان.

 

 مسلم بن عقيل .. سفير الحسين (عليه السلام)
ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) في المدينة المنورة سنة ( 22 هـ ) على أرجح الأقوال ، أمه أم ولد ( جارية ) اشتراها عقيل من الشام ، أما زوجة مسلم فهي رقية بنت أمير المؤمنين (عليه السلام). كان مسلم بن عقيل (عليه السلام) من أجِلَّة بني هاشم ، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً ، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يلقبه بثـقتي ، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة. ولشجاعته إختاره عمُّهُ أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب ( صفين ) ، ووضعه على ميمنة العسكر. وفي أمالي الصدوق :
قال الامام علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله):
(يا رسول الله إنك لتحب عقيلاً؟ قال : أي والله إني لأحبه حُبَّين ، حباً له وحباً لحب أبي طالب له ، وإن ولده مقتول - ويقصد بذلك مسلم - في محبة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين ، وتصلي عليه الملائكة المقربون). ثم بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى جرت دموعه على صدره ، ثم قال : (إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي) .
كان (عليه السلام) شجاعاً باسلاً وهماماً حازماً صدق فيه قول الرسول (صلى الله عليه وآله): "لله در أبي طالب لو ولد الناس كلهم لكانوا شجعانا". وقال فيه الامام الحسين (عليه السلام): "وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل". وما يمنعه أن يكون كذلك وإنه في الصميم من هاشم والذروة من بني عمرو العلي والقلب من آل عبد مناف. نشأ مسلم (عليه السلام) مع العلم والتقوى والبطولة والهدى والحزم والحجى والرشد ما شاء له المولى سبحانه حتى أحب لقاءه يوم سعادته بشهادته. ويشهد له وقفة أولاده بمشهد الطف يوم التطمت أمواج الضلال وتحزبت عصب الشرك على سيد شباب أهل الجنة وقطعوا عنه خطوط المدد وحالوا بينه وبين الماء، فكتبوا بدمائهم الزاكية أسطراً نوريةً على جبهة الدهر تقرؤها الأجيال المتعاقبة ويتعرفون منها منهاج موتة العز وأن الحياة مع الظالمين ذميمة.لقد كان مسلم (عليه السلام) شخصية بارزة للدين والهدى متأهلاً لحمل أعباء النيابة الخاصة ولذلك اختاره سيد الشهداء (عليه السلام) من بين ذويه وحشده الأطايب.
لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان استنشق الكوفيون روح الأمن وابصروا بصيصاً من نور الإمام فعزموا على أن يكتبوا إلى الامام الحسين(عليه السلام) بالمسير إلى عاصمة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ليفتح لهم باب السجن المظلم، ثم كتبوا إليه (عليه السلام) وأخذت الرسل من أهل الكوفة تتوارد عليه بكتبهم حتى اجتمع عنده في يوم واحد ستمائة كتاب واجتمع من نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب والحسين (عليه السلام) متريث عن الجواب حتى إذا تتابع هتافهم بكتبهم التي ملأت خرجين لم يسعه السكوت فكتب إليهم الامام (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أما بعد، فان هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم، وكانت مقالة جلّكم أنه ليس علينا إمام، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق والهدى، وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان كتب إليّ انّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فاني أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله تعالى والسلام".
وحمل مسلم بن عقيل (عليه السلام) كتاب الامام الحسين (عليه السلام) الى الكوفة حتى حلّ ضيفاً على المختار الثقفي بصحبة عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي حينئذ انثال عليه أهل الكوفة ولاذ به حماة المصر وازدلف إليه الناس زرافات ووحدانا يهتفون بالترحيب بداعية حجة الله، فقرأ عليهم كتاب الامام (عليه السلام) وعرّفهم أنه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم، وهكذا أخذ مسلم (عليه السلام) البيعة من أهل الكوفة، فبلغ عدد من بايع مسلماً (عليه السلام) ثمانية عشر الفاً أو خمسة وعشرين الفاً، وفي حديث اخر انهم اربعون الفاً، ولمّا أحصى ديوان مسلم (عليه السلام) ذلك العدد الكثير من المبايعين كتب إلى الامام الحسين (عليه السلام) يقول: ... الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر، فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي". ولمّا بلغ ذلك يزيد ضم البصرة والكوفة إلى عبيد الله بن زياد وأمره بالمسير إلى الكوفة، وهكذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة ليلاً .

مباغتة ابن زياد اهل الكوفة

باغت ابن زياد جماهير الكوفة وهو يخفي معالم شخصيته ويتستّر على ملامحها،فقد تلثّم ولبس عمامة سوداء. وراح يخترق الكوفة ، والناس ترحِّب به ، وتسلِّم عليه وتردِّد : "عليك السّلام يا ابن بنت رسول الله . وهم يظنون أنّه الحسين بن عليّ (عليه السلام). وراح يواصل السير نحو قصر الامارة، فكانت هذه العبارات وروح الاستبشار الّتي شاهدها على وجوه الناس وهم يظنّون أنّ القادم هو الحسين (عليه السلام) كافية لان تعطيه صورة عن تعلّق الكوفيين بالحسين (عليه السلام) وحبّهم له وخسارة يزيد للرأي العام وقوى الجمهور ، حاول مرافقه مسلم بن عمرو الباهلي أن يباغت الرأي العام، ويُحدِثَ له صدمةً وانتكاسةً نفسيّةً،وليزرعَ في النّفوسِ بُذورَ الخوفِ والرّعب،فراحَ يُخاطب الجماهير المزدحمة: "تأخّروا هذا الامير عبيد الله بن زياد".وهكذا سار باتّجاه القصر ، والناس ملتفّة حول عبيد الله بن زياد يسوقها العقل الجمعي ، وتسيطر عليها الخديعة ، ويظنّونه الحسين(عليه السلام)، فاضطرب النعمان وأطلّ من شرفات القصر يخاطب عبيدالله بن زياد ، وكان هو أيضاً قد وقع تحت تأثير الاشاعات ، وسيطرة الاراجيف ، ظانّاً أنّ القادم هو الحسين (عليه السلام)، صمتَ ابن زياد وراح يقترب من باب القصر ، والنعمان يطل برأسه من الشرفات يتفحّص الموقف ، ويرقب التجمّع الكبير ، حتّى شخّص أنّ القادم هو ابن زياد وليس الحسين (عليه السلام)، ففتحَ الباب ودخلَ ابن زياد القصر وأغلقَ بابَهُ وباتَ ليلتَهُ ، وباتَت الكوفة على وجل وترقّب رهيب ، ومُنعطف سياسي خطير .ففاجأها عند الصّباح ، وهو يحتلّ القصر بالنداء : ، فقام ابن زياد في الجموع المحتشدة وراح يهدِّد ويتوعّد المعارضة والرّافضين لحكومة يزيد ، حتّى قال: "سوطي وسيفي على مَنْ تركَ أمري وخالَف عهدي".ثمّ فرض على الحاضرين مسؤولية التجسّس ورفع المعلومات والتعريف بالمعارضين، وهدّد مَن لم يُساهِم في هذه العملية وينفِّذ هذا القرار بالعقوبة والقتل وقطع العطاءات ،وهكذا بدأ الانعـطاف ، وبدأت الاحـداث تتخذ مجرىً آخر ، لاحت بوادر النكوص والاحباط تظهر على جماهير الكوفة وبعض قياداتها ، وراحت سلطة عبيدالله بن زياد تقوِّي مركزها وتمسك بالعصا الغليظة وبوسائل القوّة والسيطرة المألوفة لديها ، مِنَ المال الرشوة والارهاب وتسخير الجواسيس لجمع المعلومات وبثّ الاراجيف ، وتوجيه الدعاية المضادة ، وبدأ موقع مسلم بن عقيل (عليه السلام) ، وممثله ، أن يغيِّر اُسلوب عمله وموقعه. بعدها انتقل مسلم بن عقيل (عليه السلام) من دار المختار بن عبيدة الثقفي إلى دار الزعيم الكوفي الموالي لاهل البيت (عليهم السلام) ، هاني بن عروة ، واسـتقرّ فيها متخفِّـياً بعيداً عن أعين السّـلطات والملاحقة ، استطاع ابن زياد أن يكتشف مقر مسلم بن عقيل بمعونة جاسوس وهو (المعقل) والذي تسلل إلى صفوف الثوار بعد أن أوهم مسلم بن عوسجة أنه من شيعة أهل البيت (عليهم السلام).
هاني بن عروة في قصر الامارة
استدعى ابن زياد هاني بن عروة باُسلوب مبطن وغير مثير ، يدعوه لزيارته وإزالة الجفوة بينهما ، وما أن دخل هاني قصر الامارة حتّى وجد نفسه أمام محكمـة والتُهَم توجّهُ إليه ، والجواسيس يشهدون عليه ، أنّه يوالي الامام الحسين (عليه السلام) ويعبِّئ المقاومة ويشترك في تنظيم صفوفها المسلّحة ، ويجمع المال والسلاح والانصار ، ويخطِّط للاجهاز على السّلطة القائمة ، ويتستّر على مسلم بن عقيل ويُخبِئُهُ في دارِه . حاولَ الانكار والدفاع عن نفسه إلاّ أ نّه فوجئ بالهجوم عليه مِن قِبَلِ عبيدالله بن زياد بقضيب كان بيده وراح يُهشِّم به وجه هاني وأنفه ، وهاني يُدافع عن نفسه بعنف وقوّة فلم يستطع المقاومة ، وأخيراً أصدر ابن زياد أمراً بسجن هاني وحبسه في إحدى غرف القصر ، ووضع تحت حراسة مشدّدة. تسرّب الخبر إلى خارج القصر ، فتحرّكت مذحج (عشيرة هاني) وأخذت تطوِّق القصر، فاستعمل ابن زياد اسلوب الخديعة والمراوغة معهم ، فطلب من شريح القاضي أن يخرج إليهم ويهوِّن عليهم الموقف ، ويخبرهم بسلامة هاني ، وحُسن معاملته ، فتفرّق الجمع وانفضّت المقاومة . لقد أصبحت الكوفة في مرحلة صراع دموي رهيب ، وكفاح مسلّح بين الفريقين ، وراح الناس يتحدّثون بتطوّر الاحداث واعتقال هاني ، وراحت الاراجيف تنشر في كل مكان .. أنّ جيشاً كبيراً على وشك القدوم من الشّام لاسناد موقع السّلطة ، واستئصال المعارضة ، ومطاردة مسلم بن عقيل وأتباعه ، فبدأ الضعف والخوف ينتشر في صفوف الثوّار ويستولي على الرأي العام .
الإرادة القوية..
كلّ هذا ومسلم بن عقيل (عليه السلام) يتابع الاحداث ويراقب الموقف ، وقد اتّخذ قراراً بالزحف على قصر الامارة والاستيلاء عليه والقضاء على حكومة عبيدالله بن زياد ، فجمع رجاله وأنصاره الّذين كانوا قد بايعوه وانضموا إلى حركته. وهاجم قصر الامارة ، وكانت قوّاته في بداية الامر تفوق قوّات ابن زياد بكثير ، فتحصّن ابن زياد وأتباعه بالقصر وأغلقوا الابواب ، وراحَ يُسرِّب الاشخاص ويدسّهم في أوساط الناس يخذلونهم ويتظاهرون بالدعوة إلى حفظ الامن والاستقرار وعدم سفك الدماء ، ويحذِّرون من قدوم جيش جرّار من الشام، لغرض كسب الوقت وتفتيت قوى الثوّار ، واستمرّ الموقف كذلك والناس تنصرف وتتفرّق عن مسلم ، وما أن نشر الظّلام أجنحته ، وغشي الكوفة ليل واجم مترقِّب ، حتّى لم يبق مع مسلم بن عقيل إلاّ عشرة رجال دخلوا معه المسجد وكانوا في بداية الانطلاقة يقدّرون بأربعة آلاف مقاتل .أتمّ مسلم صلاة المغرب فالتفت إلى ما حوله فلم يجد أحداً يدلّه الطّريق أو يُؤْويه في ذلك البلد الغريب . وهكذا بقي مسلم وحيداً في مسجد الكوفة لا يعرف طريقه ، ولا يجد مَن يستعينُ به أو يلجأ إليه .لقد كان موقفاً حرجاً ومروّعاً يتطلّب مِنَ القائد إرادة قوية صلبة ، وقدرة غير اعتياديّة على التصرّف والمجابهة . واجه مسلم الموقف بعزيمة لا تلين وإرادة لاتقهر، فراح يسير في شوارع الكوفة علّه يهتدي إلى حلٍّ، أو يعرف الطريق للخروج مِنَ الكوفة قبلَ أن يُلقى عليه القبضُ، وليبلغ الحسين (عليه السلام) الّذي ما زال يَغذُّ السّير ، ويستحثُّ المسير متّجهاً نحو الكوفة ليتدارك الموقف ، ويحول دون وقوع الامام الحسين (عليه السلام) في حبائل الغدر والخيانة .

في بيت طوعة...

سلكَ السّبيلَ وراحَ يمشي في شوارع الكوفة وسِكَكِها ، وقد بدت كئيبة موحشة يسيطر عليها الارهاب، وتنتشر في أرجائها الجاسوسية، تبحث عن سفير الحسين (عليه السلام) ، قادهُ الطّريق إلى باب بيت كانت تقف على عتبة بابه امرأة ، اسمها (طوعة) ، شاء الله أن يخلد اسمها في سجل الجهاد . وقف على باب البيت والحيرة تسيطر على مشاعره ، والخجل يحوط شفتيه .. طلب الماء منها ، جاءته بالماء ، شَرِبَ ثمّ جلسَ على باب الدّار لا يدري أين يتوجّه. أثارَ وضعه الحائر ، وسيماء الغربة عليه ، وجلوسه عند باب البيت ، انتباه طوعة ، فراحت تتساءل ، ألَم تشرب الماء ؟ إذن لِمَ لا تَنصَرِف ؟ فأجاب : إنّا غريب ليسَ لي دار ، ولا أهل في هذا البلد ، ثمّ عرّفها بنفسه : "أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين) ، ورسوله إلى الكوفة وابن عمّه" . فتحت له باب البيت ثمّ أدخلته فاختبأ ليقضي ليلتَهُ ، وينظر ماذا سيكون الغد .أمّا ابن زياد فقد بدأ في هذه الساعات التحرّكَ المُضادَّ ، وعرف بمصير المقاومة الّتي قادها مسلم ،استجابت جموع غفيرة تحت الضغط الخوف والارهاب. وراحوا يتوافدون على المسجد حتّى امتلا ، ثمّ راحَ ابن زياد يوجِّه خطابه إلى أهل الكوفة ، يهدِّد وينذر ويتوعّد ، وقد هاجم مسلم بن عقيل هجوماً عنيفاً ، وهكذا أصدر أمره بتحرِّي بيوت الكوفة وتفتيشها بيتاً بيتاً،بحثاً عن مسلم وتنقيباً عنه وهو في دار المـرأة المجاهدة(طوعة)ينتظر فرصة للخروج أو الاتصال بمَن يعينه على مهمّته.وشاءت الاقدار أن يطّلع ابن طوعة على مكان مسلم ، ويكتشف أمره ، ثمّ سارع إلى ابن زياد تحت وطأة الخوف والطمع في الجائزة المرصودة لهذا الامر فأبلغ الخبر صباحاً ، وجاءت قوّات قوامها سبعون رجلاً تطوِّق الدّار ، وتبحث عن مسلم .
الشهادة و الذكر الخالد..
سمع مسلم وقع حوافر الخيـل وضجيج الرِّجال ، فتأهّب للقتال وأعدّ سلاحه للنِّزال ، طُوِّقَت الدّار واقتُحِمَت على مسلم بن عقيل ، إلاّ أ نّه لم يُسلِمْ ، وراحَ يُقاتِل بعُنف وضراوة مُذهِلَة حتّى اضطرّ العناصر المتسلِّلة إلى الخروج منها .استعملوا اُسلوباً آخر لاخراج مسلم ، فراحوا يلقون عليه من السّطوح النيران والحجارة ، فاضطرّوه إلى ترك الدّار والخروج إلى الطّريق العام دون أن يلقي سلاحه ، وهو ماض في الضّرب والقتال ولمّا أثخنته الجراح وأعياه نزف الدم إستند إلى جنب تلك الدار فتحاملوا عليه يرمونه بالسهام والحجارة فقال: ما لكم ترموني بالحجارة وأنا من أهل بيت النبوة، ألا ترعون حق رسول الله في عترته.
وقد اشتد به العطش فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض وأخذ أسيراً.
وقيل أنهم عملوا حفيرة وستروها بالتراب وانكشفوا بين يديه حتى إذا وقع فيها أسروه، وأنتزعوه سيفه دمعت عيناه، فقال له عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي إن الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبك فقال (عليه السلام) ما على نفسي أبكي ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليكم، أبكي للحسين وآل الحسين..فدخل على ابن زياد ، ثمّ وقف أمام ابن زياد كالطود الشّامخ ، لا يهزّه هولُ المحنة ، ولا يُزعزعه الموقفُ الصّعب . ودارَ بينهما كلام غليظ ومشادّة عنيفة ، أمر ابن زياد شرطته أن يصعدوا بمسلم أعلى القصر ، وقال لبكر بن حمران الّذي كان مسلم قد جرحه جروحاً بليغة : خُذِ السّيف واضرب عنقه ، ثمّ ألقِ بجسده ورأسه من أعلى القصر. اقتيد مسـلم وهو يُكبِّر الله ويمجِّـده،ويسـتقبل الشّهادة بنفس راضية وروح بطوليّة عالية.فانهال سيف الغدر على عنقه ، وافترس حقدُ الطّاغية أوداجَ رَقَبَتِهِ الشريفة، وحالَ حدُّ السّيف بين رأسه وجسده المقدس، وراحا يركعان من أعلى القصر على صعيد الشرف والجهاد ليلتحق بالشّهداء والصِّدِّيقين والنّبيِّين والصّالحين ، ثمّ امتدّت سيوف الجلاّدين إلى هاني بن عروة ، واقتيد مكتوف اليدين إلى اسواق الكوفة فَقُتِلَ هناك واقتُطِعَ رأسهُ ، وبُعِثَ ابن زياد برأسَيهما إلى الشّام ، ليوضعا بينَ يَدَي يزيد بن معاوية . أمّا الجسدان فشدّهما الجلاّدون بالحِبال وجُرّا في أزقّة الكوفة وأسواقها .وهكذا انتهت المقاومة ، وخمدت الثورة في الكوفة لتبدأ ثورة جديدة ، ولتتحوّل هذه الدماء الحرّة الثائرة إلى بركان غضب وثورة عارمة ، يصمت برهة لينفجر فيما بعد بعنف وشدّة ، ولتكون عاصفة تهدأ فترة لتهبّ رياحها الكواسح على تلك الهياكل المنتصبة على جماجم الثائرين من أجل الاصلاح والهداية. في المدينة المنورة سنة ( 22 هـ ) على أرجح الأقوال ، أمه أم ولد ( جارية ) اشتراها عقيل من الشام ، أما زوجة مسلم فهي رقية بنت أمير المؤمنين (عليه السلام). كان مسلم بن عقيل (عليه السلام) من أجِلَّة بني هاشم ، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً ، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يلقبه بثـقتي ، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة. ولشجاعته إختاره عمُّهُ أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب ( صفين ) ، ووضعه على ميمنة العسكر. وفي أمالي الصدوق :
قال الامام علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله):
(يا رسول الله إنك لتحب عقيلاً؟ قال : أي والله إني لأحبه حُبَّين ، حباً له وحباً لحب أبي طالب له ، وإن ولده مقتول - ويقصد بذلك مسلم - في محبة ولدك ، فتدمع عليه عيون المؤمنين ، وتصلي عليه الملائكة المقربون). ثم بكى رسول الله5 حتى جرت دموعه على صدره ، ثم قال : (إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي) .
كان (عليه السلام) شجاعاً باسلاً وهماماً حازماً صدق فيه قول الرسول (صلى الله عليه وآله): "لله در أبي طالب لو ولد الناس كلهم لكانوا شجعانا". وقال فيه الامام الحسين (عليه السلام): "وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل". وما يمنعه أن يكون كذلك وإنه في الصميم من هاشم والذروة من بني عمرو العلي والقلب من آل عبد مناف. نشأ مسلم (عليه السلام) مع العلم والتقوى والبطولة والهدى والحزم والحجى والرشد ما شاء له المولى سبحانه حتى أحب لقاءه يوم سعادته بشهادته. ويشهد له وقفة أولاده بمشهد الطف يوم التطمت أمواج الضلال وتحزبت عصب الشرك على سيد شباب أهل الجنة وقطعوا عنه خطوط المدد وحالوا بينه وبين الماء، فكتبوا بدمائهم الزاكية أسطراً نوريةً على جبهة الدهر تقرؤها الأجيال المتعاقبة ويتعرفون منها منهاج موتة العز وأن الحياة مع الظالمين ذميمة.لقد كان مسلم (عليه السلام) شخصية بارزة للدين والهدى متأهلاً لحمل أعباء النيابة الخاصة ولذلك اختاره سيد الشهداء (عليه السلام) من بين ذويه وحشده الأطايب.
لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان استنشق الكوفيون روح الأمن وابصروا بصيصاً من نور الإمام فعزموا على أن يكتبوا إلى الامام الحسين (عليه السلام) بالمسير إلى عاصمة أبيه أمير المؤمنين(عليه السلام) ليفتح لهم باب السجن المظلم، ثم كتبوا إليه (عليه السلام) وأخذت الرسل من أهل الكوفة تتوارد عليه بكتبهم حتى اجتمع عنده في يوم واحد ستمائة كتاب واجتمع من نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب والحسين (عليه السلام) متريث عن الجواب حتى إذا تتابع هتافهم بكتبهم التي ملأت خرجين لم يسعه السكوت فكتب إليهم الامام (عليه السلام):
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أما بعد، فان هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم، وكانت مقالة جلّكم أنه ليس علينا إمام، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق والهدى، وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان كتب إليّ انّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فاني أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله تعالى والسلام".
وحمل مسلم بن عقيل (عليه السلام) كتاب الامام الحسين (عليه السلام) الى الكوفة حتى حلّ ضيفاً على المختار الثقفي بصحبة عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد السلولي حينئذ انثال عليه أهل الكوفة ولاذ به حماة المصر وازدلف إليه الناس زرافات ووحدانا يهتفون بالترحيب بداعية حجة الله، فقرأ عليهم كتاب الامام (عليه السلام) وعرّفهم أنه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم، وهكذا أخذ مسلم (عليه السلام) البيعة من أهل الكوفة، فبلغ عدد من بايع مسلماً (عليه السلام) ثمانية عشر الفاً أو خمسة وعشرين الفاً، وفي حديث اخر انهم اربعون الفاً، ولمّا أحصى ديوان مسلم (عليه السلام) ذلك العدد الكثير من المبايعين كتب إلى الامام الحسين (عليه السلام) يقول: ... الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر، فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي". ولمّا بلغ ذلك يزيد ضم البصرة والكوفة إلى عبيد الله بن زياد وأمره بالمسير إلى الكوفة، وهكذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة ليلاً .

مباغتة ابن زياد اهل الكوفة

باغت ابن زياد جماهير الكوفة وهو يخفي معالم شخصيته ويتستّر على ملامحها،فقد تلثّم ولبس عمامة سوداء. وراح يخترق الكوفة ، والناس ترحِّب به ، وتسلِّم عليه وتردِّد : "عليك السّلام يا ابن بنت رسول الله . وهم يظنون أنّه الحسين بن عليّ (عليه السلام). وراح يواصل السير نحو قصر الامارة، فكانت هذه العبارات وروح الاستبشار الّتي شاهدها على وجوه الناس وهم يظنّون أنّ القادم هو الحسين (عليه السلام) كافية لان تعطيه صورة عن تعلّق الكوفيين بالحسين (عليه السلام) وحبّهم له وخسارة يزيد للرأي العام وقوى الجمهور ، حاول مرافقه مسلم بن عمرو الباهلي أن يباغت الرأي العام، ويُحدِثَ له صدمةً وانتكاسةً نفسيّةً،وليزرعَ في النّفوسِ بُذورَ الخوفِ والرّعب،فراحَ يُخاطب الجماهير المزدحمة: "تأخّروا هذا الامير عبيد الله بن زياد".وهكذا سار باتّجاه القصر ، والناس ملتفّة حول عبيد الله بن زياد يسوقها العقل الجمعي ، وتسيطر عليها الخديعة ، ويظنّونه الحسين (عليه السلام)، فاضطرب النعمان وأطلّ من شرفات القصر يخاطب عبيد الله بن زياد ، وكان هو أيضاً قد وقع تحت تأثير الاشاعات ، وسيطرة الاراجيف ، ظانّاً أنّ القادم هو الحسين (عليه السلام)، صمتَ ابن زياد وراح يقترب من باب القصر ، والنعمان يطل برأسه من الشرفات يتفحّص الموقف ، ويرقب التجمّع الكبير ، حتّى شخّص أنّ القادم هو ابن زياد وليس الحسين (عليه السلام)، ففتحَ الباب ودخلَ ابن زياد القصر وأغلقَ بابَهُ وباتَ ليلتَهُ ، وباتَت الكوفة على وجل وترقّب رهيب ، ومُنعطف سياسي خطير .ففاجأها عند الصّباح ، وهو يحتلّ القصر بالنداء : ، فقام ابن زياد في الجموع المحتشدة وراح يهدِّد ويتوعّد المعارضة والرّافضين لحكومة يزيد ، حتّى قال: "سوطي وسيفي على مَنْ تركَ أمري وخالَف عهدي".ثمّ فرض على الحاضرين مسؤولية التجسّس ورفع المعلومات والتعريف بالمعارضين، وهدّد مَن لم يُساهِم في هذه العملية وينفِّذ هذا القرار بالعقوبة والقتل وقطع العطاءات ،وهكذا بدأ الانعـطاف ، وبدأت الاحـداث تتخذ مجرىً آخر ، لاحت بوادر النكوص والاحباط تظهر على جماهير الكوفة وبعض قياداتها ، وراحت سلطة عبيد الله بن زياد تقوِّي مركزها وتمسك بالعصا الغليظة وبوسائل القوّة والسيطرة المألوفة لديها ، مِنَ المال الرشوة والارهاب وتسخير الجواسيس لجمع المعلومات وبثّ الاراجيف ، وتوجيه الدعاية المضادة ، وبدأ موقع مسلم بن عقيل (عليه السلام) ، وممثله ، أن يغيِّر اُسلوب عمله وموقعه. بعدها انتقل مسلم بن عقيل (عليه السلام) من دار المختار بن عبيدة الثقفي إلى دار الزعيم الكوفي الموالي لاهل البيتF ، هاني بن عروة ، واسـتقرّ فيها متخفِّـياً بعيداً عن أعين السّـلطات والملاحقة ، استطاع ابن زياد أن يكتشف مقر مسلم بن عقيل بمعونة جاسوس وهو (المعقل) والذي تسلل إلى صفوف الثوار بعد أن أوهم مسلم بن عوسجة أنه من شيعة أهل البيت (عليهم السلام).
هاني بن عروة في قصر الامارة
استدعى ابن زياد هاني بن عروة باُسلوب مبطن وغير مثير ، يدعوه لزيارته وإزالة الجفوة بينهما ، وما أن دخل هاني قصر الامارة حتّى وجد نفسه أمام محكمـة والتُهَم توجّهُ إليه ، والجواسيس يشهدون عليه ، أنّه يوالي الامام الحسين (عليه السلام) ويعبِّئ المقاومة ويشترك في تنظيم صفوفها المسلّحة ، ويجمع المال والسلاح والانصار ، ويخطِّط للاجهاز على السّلطة القائمة ، ويتستّر على مسلم بن عقيل ويُخبِئُهُ في دارِه . حاولَ الانكار والدفاع عن نفسه إلاّ أ نّه فوجئ بالهجوم عليه مِن قِبَلِ عبيد الله بن زياد بقضيب كان بيده وراح يُهشِّم به وجه هاني وأنفه ، وهاني يُدافع عن نفسه بعنف وقوّة فلم يستطع المقاومة ، وأخيراً أصدر ابن زياد أمراً بسجن هاني وحبسه في إحدى غرف القصر ، ووضع تحت حراسة مشدّدة. تسرّب الخبر إلى خارج القصر ، فتحرّكت مذحج (عشيرة هاني) وأخذت تطوِّق القصر، فاستعمل ابن زياد اسلوب الخديعة والمراوغة معهم ، فطلب من شريح القاضي أن يخرج إليهم ويهوِّن عليهم الموقف ، ويخبرهم بسلامة هاني ، وحُسن معاملته ، فتفرّق الجمع وانفضّت المقاومة . لقد أصبحت الكوفة في مرحلة صراع دموي رهيب ، وكفاح مسلّح بين الفريقين ، وراح الناس يتحدّثون بتطوّر الاحداث واعتقال هاني ، وراحت الاراجيف تنشر في كل مكان .. أنّ جيشاً كبيراً على وشك القدوم من الشّام لاسناد موقع السّلطة ، واستئصال المعارضة ، ومطاردة مسلم بن عقيل وأتباعه ، فبدأ الضعف والخوف ينتشر في صفوف الثوّار ويستولي على الرأي العام .
الإرادة القوية..
كلّ هذا ومسلم بن عقيل (عليه السلام) يتابع الاحداث ويراقب الموقف ، وقد اتّخذ قراراً بالزحف على قصر الامارة والاستيلاء عليه والقضاء على حكومة عبيدالله بن زياد ، فجمع رجاله وأنصاره الّذين كانوا قد بايعوه وانضموا إلى حركته. وهاجم قصر الامارة ، وكانت قوّاته في بداية الامر تفوق قوّات ابن زياد بكثير ، فتحصّن ابن زياد وأتباعه بالقصر وأغلقوا الابواب ، وراحَ يُسرِّب الاشخاص ويدسّهم في أوساط الناس يخذلونهم ويتظاهرون بالدعوة إلى حفظ الامن والاستقرار وعدم سفك الدماء ، ويحذِّرون من قدوم جيش جرّار من الشام، لغرض كسب الوقت وتفتيت قوى الثوّار ، واستمرّ الموقف كذلك والناس تنصرف وتتفرّق عن مسلم ، وما أن نشر الظّلام أجنحته ، وغشي الكوفة ليل واجم مترقِّب ، حتّى لم يبق مع مسلم بن عقيل إلاّ عشرة رجال دخلوا معه المسجد وكانوا في بداية الانطلاقة يقدّرون بأربعة آلاف مقاتل .أتمّ مسلم صلاة المغرب فالتفت إلى ما حوله فلم يجد أحداً يدلّه الطّريق أو يُؤْويه في ذلك البلد الغريب . وهكذا بقي مسلم وحيداً في مسجد الكوفة لا يعرف طريقه ، ولا يجد مَن يستعينُ به أو يلجأ إليه .لقد كان موقفاً حرجاً ومروّعاً يتطلّب مِنَ القائد إرادة قوية صلبة ، وقدرة غير اعتياديّة على التصرّف والمجابهة . واجه مسلم الموقف بعزيمة لا تلين وإرادة لاتقهر، فراح يسير في شوارع الكوفة علّه يهتدي إلى حلٍّ، أو يعرف الطريق للخروج مِنَ الكوفة قبلَ أن يُلقى عليه القبضُ، وليبلغ الحسين (عليه السلام) الّذي ما زال يَغذُّ السّير ، ويستحثُّ المسير متّجهاً نحو الكوفة ليتدارك الموقف ، ويحول دون وقوع الامام الحسين (عليه السلام) في حبائل الغدر والخيانة .

في بيت طوعة...
سلكَ السّبيلَ وراحَ يمشي في شوارع الكوفة وسِكَكِها ، وقد بدت كئيبة موحشة يسيطر عليها الارهاب، وتنتشر في أرجائها الجاسوسية، تبحث عن سفير الحسين (عليه السلام) ، قادهُ الطّريق إلى باب بيت كانت تقف على عتبة بابه امرأة ، اسمها (طوعة) ، شاء الله أن يخلد اسمها في سجل الجهاد . وقف على باب البيت والحيرة تسيطر على مشاعره ، والخجل يحوط شفتيه .. طلب الماء منها ، جاءته بالماء ، شَرِبَ ثمّ جلسَ على باب الدّار لا يدري أين يتوجّه. أثارَ وضعه الحائر ، وسيماء الغربة عليه ، وجلوسه عند باب البيت ، انتباه طوعة ، فراحت تتساءل ، ألَم تشرب الماء ؟ إذن لِمَ لا تَنصَرِف ؟ فأجاب : إنّا غريب ليسَ لي دار ، ولا أهل في هذا البلد ، ثمّ عرّفها بنفسه : "أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين) ، ورسوله إلى الكوفة وابن عمّه" . فتحت له باب البيت ثمّ أدخلته فاختبأ ليقضي ليلتَهُ ، وينظر ماذا سيكون الغد .أمّا ابن زياد فقد بدأ في هذه الساعات التحرّكَ المُضادَّ ، وعرف بمصير المقاومة الّتي قادها مسلم ،استجابت جموع غفيرة تحت الضغط الخوف والارهاب. وراحوا يتوافدون على المسجد حتّى امتلا ، ثمّ راحَ ابن زياد يوجِّه خطابه إلى أهل الكوفة ، يهدِّد وينذر ويتوعّد ، وقد هاجم مسلم بن عقيل هجوماً عنيفاً ، وهكذا أصدر أمره بتحرِّي بيوت الكوفة وتفتيشها بيتاً بيتاً،بحثاً عن مسلم وتنقيباً عنه وهو في دار المـرأة المجاهدة(طوعة)ينتظر فرصة للخروج أو الاتصال بمَن يعينه على مهمّته.وشاءت الاقدار أن يطّلع ابن طوعة على مكان مسلم ، ويكتشف أمره ، ثمّ سارع إلى ابن زياد تحت وطأة الخوف والطمع في الجائزة المرصودة لهذا الامر فأبلغ الخبر صباحاً ، وجاءت قوّات قوامها سبعون رجلاً تطوِّق الدّار ، وتبحث عن مسلم .
الشهادة و الذكر الخالد..
سمع مسلم وقع حوافر الخيـل وضجيج الرِّجال ، فتأهّب للقتال وأعدّ سلاحه للنِّزال ، طُوِّقَت الدّار واقتُحِمَت على مسلم بن عقيل ، إلاّ أ نّه لم يُسلِمْ ، وراحَ يُقاتِل بعُنف وضراوة مُذهِلَة حتّى اضطرّ العناصر المتسلِّلة إلى الخروج منها .استعملوا اُسلوباً آخر لاخراج مسلم ، فراحوا يلقون عليه من السّطوح النيران والحجارة ، فاضطرّوه إلى ترك الدّار والخروج إلى الطّريق العام دون أن يلقي سلاحه ، وهو ماض في الضّرب والقتال ولمّا أثخنته الجراح وأعياه نزف الدم إستند إلى جنب تلك الدار فتحاملوا عليه يرمونه بالسهام والحجارة فقال: ما لكم ترموني بالحجارة وأنا من أهل بيت النبوة، ألا ترعون حق رسول الله في عترته.
وقد اشتد به العطش فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض وأخذ أسيراً.
وقيل أنهم عملوا حفيرة وستروها بالتراب وانكشفوا بين يديه حتى إذا وقع فيها أسروه، وأنتزعوه سيفه دمعت عيناه، فقال له عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي إن الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبك فقال (عليه السلام) ما على نفسي أبكي ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليكم، أبكي للحسين وآل الحسين..فدخل على ابن زياد ، ثمّ وقف أمام ابن زياد كالطود الشّامخ ، لا يهزّه هولُ المحنة ، ولا يُزعزعه الموقفُ الصّعب . ودارَ بينهما كلام غليظ ومشادّة عنيفة ، أمر ابن زياد شرطته أن يصعدوا بمسلم أعلى القصر ، وقال لبكر بن حمران الّذي كان مسلم قد جرحه جروحاً بليغة : خُذِ السّيف واضرب عنقه ، ثمّ ألقِ بجسده ورأسه من أعلى القصر. اقتيد مسـلم وهو يُكبِّر الله ويمجِّـده،ويسـتقبل الشّهادة بنفس راضية وروح بطوليّة عالية.فانهال سيف الغدر على عنقه ، وافترس حقدُ الطّاغية أوداجَ رَقَبَتِهِ الشريفة، وحالَ حدُّ السّيف بين رأسه وجسده المقدس، وراحا يركعان من أعلى القصر على صعيد الشرف والجهاد ليلتحق بالشّهداء والصِّدِّيقين والنّبيِّين والصّالحين ، ثمّ امتدّت سيوف الجلاّدين إلى هاني بن عروة ، واقتيد مكتوف اليدين إلى اسواق الكوفة فَقُتِلَ هناك واقتُطِعَ رأسهُ ، وبُعِثَ ابن زياد برأسَيهما إلى الشّام ، ليوضعا بينَ يَدَي يزيد بن معاوية . أمّا الجسدان فشدّهما الجلاّدون بالحِبال وجُرّا في أزقّة الكوفة وأسواقها .وهكذا انتهت المقاومة ، وخمدت الثورة في الكوفة لتبدأ ثورة جديدة ، ولتتحوّل هذه الدماء الحرّة الثائرة إلى بركان غضب وثورة عارمة ، يصمت برهة لينفجر فيما بعد بعنف وشدّة ، ولتكون عاصفة تهدأ فترة لتهبّ رياحها الكواسح على تلك الهياكل المنتصبة على جماجم الثائرين من أجل الاصلاح والهداية.